هل الحب أقوى من حواجز العِرق والدين؟.. هكذا يناقش التونسيون دعوة رئيسهم للسماح بزواج المسلمة بغير المسلم

تم النشر: تم التحديث:
TUNUSIA PRESIDENT
sm

لم تخفِ الشابة التونسية عفاف مناعي، المزدادة بمحافظة الكاف (شمال غربي تونس)، سعادتها وهي تقترب من تجسيد حلمها، الذي كان قبل أيام شبه مستحيل، بعقد قرانها في تونس بحبيبها الفرنسي ميشال سوكو، وبحضور العائلتين المتصاهرتين، بعد قصة حب جمعتهما، كانت بدايتها برسائل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لتتحول من مجرد كتابات في العالم الافتراضي إلى لقاءات حقيقية ثم قرار بالزواج.

عفاف، التي تابعت خطاب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الأحد 13 أغسطس/آب 2017 بمناسبة عيد المرأة، عبرت عن سعادتها، خلال حديثها لـ"هاف بوست عربي"، بعد دعوة السبسي الصريحة لإلغاء المنشور الصادر عن وزارة العدل في تونس سنة 1973 والذي يلزم عدول الإشهاد في تونس وضباط الحالة المدنية (موظفون حكوميون) بعدم إبرام عقود زواج المسلمة بغير المسلم، وهي التي كانت تفكر في إبرام زواجها خارج تونس. لكن بعد هذا القرار، تقول إنها ستتريث للنظر في إمكانية تطبيق ذلك بتونس.

الشابة التونسية، ترى أن الحب الذي يجمعها بالشاب المسيحي أقوى من كل الحواجز العرقية والدينية، وتضيف: "علاقاتي بميشال لم تكن سهلة رغم المشاعر التي نتقاسمها فيما بيننا؛ نظراً إلى اختلاف العادات الاجتماعية والتقاليد بين تونس وأوروبا، لكننا تجاوزنا كل ذلك؛ حفاظاً على قصة الحب الجميلة التي جمعتنا".

وتقول أيضاً إن خطيبها ميشال سعِد بقرار الرئيس التونسي، لا سيما أنه لا يريد أن يغير اسمه أو دينه عن غير قناعة، وفقط لإجراء مراسم الزواج أمام مفتي الجمهورية والجهات الرسمية في تونس.

ورغم أن مجلة الأحوال الشخصية (قانون)، التي أصدرها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في 13 أغسطس/آب 1956، لم تنص على اختلاف الدين كمانع من موانع الزواج بغير المسلم، فإن المنشور الصادر عن وزير العدل والمؤرخ في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1973 منع ضباط الحالة المدنية وعدول الإشهاد من إبرام عقود زواج مسلمات بغير المسلمين، معتبراً ذلك إجراء غير قانوني. لكن في المقابل، يجوز ذلك الزواج عند إشهار الأجنبي لإسلامه أمام مفتي الجمهورية التونسية بنطقه الشهادتين.

dfg


انتصار للمرأة التونسية؟


الناشطة الحقوقية ورئيسة الجمعية التونسية لمساندة الأقليات في تونس، يمينة ثابت، اعتبرت -خلال حديثها لـ"هاف بوست عربي"- أن ما جاء على لسان رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، من مبادرة للسماح بزواج المسلمة غير المسلم في تونس، "انتصار الكبير للمرأة التونسية".

وشددت على أن ذلك المطلب لطالما نادت وناضلت من أجله الجمعية، حيث عقدت السنة الماضية، بالتزامن مع احتفالية تونس باليوم الوطني للمرأة، ندوة صحفية نددت خلالها بحرمان القانون التونسي المرأة من اختيار شريك حياتها بغض النظر عن الدين أو المعتقد، وتم خلالها إمضاء عريضة للمطالبة رسمياً بحق المرأة في الزواج بغير المسلم دون إجباره على تغيير دينه.

ثابت، وصفت خطاب السبسي الأحد 13 أغسطس/آب الجاري، بالمكسب الكبير لنساء تونس، وللمبادئ التي طالما دافعت عنها الناشطات في حقوق المرأة بمجال حرية المعتقد والضمير، باعتبار الدستور التونسي ينص على أن تونس دولة مدنية وتحكمها القوانين الوضعية وليس الشريعة، وفق قولها.

واعتبرت أيضاً أن إصرار الجمعية على المضي قدماً في الخوض بهذه المسألة الخلافية والمثيرة للجدل، جاء نتيجةَ الشكاوى المتكررة التي رصدتها الجمعية لتونسيات وأجانب واجهوا صعوبات قانونية في إتمام مراسم الزواج، حيث يجد الرجل الأجنبي نفسه مجبَراً على تغيير ديانته إلى الإسلام -حتى وإن كان عن غير قناعة- في سبيل الزواج بمن يحب.

وأضافت: "أتذكر من سنتين، تلقيت شكوى من تونسي من أصل يهودي أراد الزواج بتونسية، لكن مُنع من ذلك بسبب منشور 1973، وأذكر أيضاً حالة زواج لصديقة لي أحبت رجلاً أوروبياً واضطرت إلى الزواج به في سويسرا، لكنها اصطدمت بإشكال آخر؛ وهو أنه يُمنع توثيق زواجها بأجنبي في دفاتر الحالة المدنية بتونس، وهو ما يعني أنها -لا سمح الله- لو أرادت أن تطلَّق لا تملك أي حجة قانونية وتضيع حقوقها".


وقفة احتجاجية


وكانت جمعية "المفكرون الأحرار" -حركة تدعو لنشر مبادئ العلمانية والدفاع عن حقوق الأقليات العقائدية والفكرية في تونس- قد نظمت الأحد وقفة احتجاجية بالعاصمة؛ للمطالبة بالمساواة بين المرأة والرجل ورفع أي ميز بينهما على مستوى القوانين، على غرار مسألة الإرث وحرية اختيار الزوج والزوجة بغض النظر عن الدين أو العرق.

وشددت في هذا السياق الناشطة الحقوقية في هذه الجمعية رحمة الصيد، على أن الوقفة التي قامت بها رفقة آخرين لم تكن احتفالية بقرارات الرئيس التونسي؛ بل احتجاجية بالتزامن مع ذكرى إصدار مجلة الأحوال الشخصية في تونس 1956

واعتبرت الصيد أن المجلة التي أصدرها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في ذلك التاريخ ومثلت تمرداً على الأعراف السائدة حينها تونسياً وعربياً، في إعطاء المرأة حقوقاً وحرياتٍ- أصبحت الآن في 2017 رجعيةً وتحمل قوانين بالية لا تتناسب وتطور المجتمع التونسي ووضعية المرأة التونسية، لعل أبرزها قانون الإرث ومسألة المهر. فضلاً عن المنشور الصادر سنة 1973 من وزارة العدل والذي لا يسمح للمرأة التونسية المسلمة بالزواج بغير المسلم.

كما استنكرت الصيد في الوقت ذاته، إجبار السلطات التونسي غير المسلم على اعتناق الدين الإسلامي كشرط للزواج، فضلاً عن القيام بعملية الختان كأحد شروط الموافقة على إبرام عقد الزواج بتونسية، وهو ما يعدُّ انتهاكاً لحرمته الجسدية، وفق تعبيرها.

وعبَّرت الناشطة عن خشيتها من أن يكون ما صرح به الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، حول المضي في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل على كل المجالات، بما فيها الإرث، "مجرد وعود سياسية وحملة انتخابية سابقة لأوانها"، لا سيما أن إصدار مثل هذه القرارات والتصديق عليها لتكون قوانين فعلية ليسا من صلاحياته؛ بل من صلاحية رئاسة الحكومة ومجلس نواب الشعب.


انتقادات شرسة لدعوة السبسي


أصوات معارضة من داخل مجلس نواب الشعب التونسي استنكرت بشدةٍ، المبادرات التي أعلنها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، متهمين إياه بتجاوز صلاحياته الدستورية وإلهاء التونسيين والرأي العام عن أمهات القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحالكة إلى مواضيع نخبوية وأيديولوجية بحتة، حيث وصفت النائبة عن حركة النهضة في مجلس نواب الشعب منية إبراهيم ما جاء على لسان السبسي، بـ"الصدمة".

واستنكرت، في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، مضمونه في احتفالية عيد المرأة بقصر قرطاج في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي لتونس ولنسائها الكادحات في محافظاتها وأريافها، قائلةً: "كان على السبسي أن يراجع أولوياته كرئيس لكل التونسيين، لا أن يعيدهم إلى مربع الصراعات الأايديولوجي الأول، الذي تحاول (النهضة) جاهدةً أن تخرج منه في إطار مسار التنمية والتشغيل والتوجه نحو استقرار الدولة سياسياً".

القيادية في حركة النهضة، اعتبرت أن الدستور التونسي حسم في كل تلك المسائل الخلافية، بتوافق كل الأحزاب السياسية، باعتبار تونس دولة مدنية وشعبها مسلم، وأن ما فعله السبسي هو تجاوز لصلاحياته، من خلال إشارته إلى مسائل اجتهادية بامتياز، يتطلب الحسم فيها حواراً مع شركائه في الحكم . وتساءلت: "هل يعتبِر السبسي حركة النهضة شريكة له في الحكم أم لا".

كما عبرت عن خشيتها من أن يكون ما جاء على لسانه هو بداية حملة انتخابية سابقة لأوانها، حتى ولو كان ذلك على حساب الاستقرار المجتمعي في تونس، وفق تعبيرها.

وانتقدت النائبة تركيبة لجنة "الحريات الفردية والمساواة" التي أعلن تشكيلها الرئيس التونسي الأحد، وأُوكلت إليها مهام النظر في المسائل الخاصة بالمساواة بين الجنسين والعمل على تطبيق التوجهات العامة التي أعلنها السبسي في خطابه.

واعتبرتها لجنة "إقصائية بامتياز" لا تعبر عن كل أطياف المجتمع التونسي، وتساءلت: "كيف يمكن تناول مسائل فقهية اجتهادية وهم يغيِّبون علماء جامعة الزيتونة وفقهاءها؟!".

من جانبه، أعلن الناصر العوني، عميد عدول الإشهاد في تونس -المخول لهم قانونياً إبرام عقود الزواج- رفضهم تغيير المنشور 73 الذي يمنع زواج المرأة التونسية بغير المسلم، داعياً السبسي إلى مراجعة تصريحاته في هذا الموضوع، ومطالباً مفتي الجمهورية التونسية بالخروج عن صمته وحسم الأمر دينياً، من خلال إصدار فتوى في الغرض، وذلك في تصريح له، الإثنين، عبر راديو "موزاييك" التونسي.


دار الإفتاء


من جانبها، أعلنت دار الإفتاء التونسية، الإثنين 14 أغسطس/آب، تأييدها لمقترحات رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي. وقال ديوان الإفتاء، في بيان له، إن مقترحات السبسي تدعم مكانة المرأة وتضمن وتفعّل مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، التي نادى بها الدين الإسلامي في قوله تعالى: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، فضلاً عن المواثيق الدولية التي صدّقت عليها الدولة التونسية والتي تعمل على إزالة الفوارق في الحقوق بين الجنسين.

وشدّد ديوان الإفتاء، في بيانه، على أن المرأة التونسية نموذج للمرأة العصرية التي تعتز بمكانتها وما حققته من إنجازات لفائدتها وفائدة أسرتها ومجتمعها؛ من أجل حياة سعيدة ومستقرة ومزدهرة، معتبراً رئيس الجمهورية أستاذاً بحقٍّ لكل التونسيين وغير التونسيين، وهو الأب لهم جميعاً، بما أوتي من تجربة سياسية كبيرة وذكاء وبُعد نظر؛ إذ إنه في كل مناسبة وطنية أو خطاب يشدُّ الانتباه؛ لأنه معروف عنه أنه يُخاطب الشعب من القلب والعقل.