عملات معدنية تكشف هزيمة هانيبال وصعود نجم روما.. غنائم الفضة أظهرت تاريخ انكسار القائد القرطاجي

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

بجيش عرمرم مدجّج بالفيلة المقاتلة، سار القائد الفينيقي القرطاجي هانيبال عبر جبال البرانس (البيرينيه الفرنسية) وعبر سلسلة جبال الألب ليقتحم إيطاليا، بيد أن الهزيمة التي لقيها على يد قدماء الرومان أوقفت تقدمه، وتمكّن الرومان من الاستيلاء على مناجم الفضة في شبه الجزيرة الأيبيرية، ليجلبوا بذلك معهم كميات هائلة من الفضة إلى إمبراطوريتهم الرومانية، يمكن اقتفاؤها وتتبعها من خلال العملات المعدنية المسكوكة، بحسب ما ذكرت الغارديان البريطانية.

لأول مرة يعكف العلماء على دراسة وتحليل محتوى مجموعة عملات فضية ضُربت في فترة الحرب البونيقية الثانية بين عامي 218 و201 قبل الميلاد، والتي تمكن في بدايتها القائد العسكري الفينيقي من إنزال هزائم نكراء مُخزية بالرومان، بيد أنه لاحقاً واجه غزواً مضاداً اضطره للتقهقر إلى شمال إفريقية ومن ثم أوقع به الهزيمة النهائية.

وبهزيمته خسر القرطاجيون سيطرتهم على شبه الجزيرة الأيبيرية، كما باؤوا بخسارة أغنى مناجم الفضة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

يذكر أن هانيبال واحد من أبرز القادة العسكريين في التاريخ القديم لدرجة أن بعض العسكريين يصنفونه قبل الإسكندر المقدوني. وينتسب هانيبال إلى إحدى أكبر الأسر لأرستقراطية في مدينة قرطاج على الشاطئ الشمالي للقارة الإفريقية، بحسب ما ذكرت الموسوعة العربية.

العملات المعدنية التي خضعت للدراسة كانت قد ضُرِبت بين عامي 225 و201 قبل الميلاد، حسبما رصدت الغارديان البريطانية، حيث كانت قطع النقود المعدنية الرومانية قبل الحرب مصنوعة من فضة منطقة بحر إيجه نفسها التي تعتمدها المدن الإغريقية في كل من إيطاليا وصقلية، لكن تغير مجرى رياح الحرب وتحولها لتصب في مصلحة الرومان بعد عام 209 قبل الميلاد جعل غنائم الفضة وتعويضات الحرب الباهظة تتدفق إلى إيطاليا، ولأن هذه الفضة أيبيرية فقد عنى ذلك أن محتوى القطع المعدنية من الفضة كان أعلى.

b

وقد قام بالدراسة فريق علماء في ألمانيا والدنمارك، منهم د. كاترين ويستنر من معهد العلوم الأثرية في جامعة غوته بفرانكفورت، التي كانت من قادة الفريق، وقالت إن تأثير تلك الفضة الإيبيرية على الإمبراطورية الرومانية كان عميقاً.

وتابعت "إن هذا التدفق الضخم للفضة الأيبيرية أحدث تغيراً كبيراً في اقتصاد روما وجعلها القوة العظمى في ذلك الزمان؛ نعرف ذلك من المؤلفات التاريخية للمؤرخين ليفي (تيتوس ليفيوس) وبوليبيوس وغيرهما، لكن عملنا يمنحنا الدليل العلمي المعاصر على نهضة روما. إن ما يظهره عملنا هو أن هزيمة هانيبال وصعود نجم روما مسطران في العملات المعدنية المسكوكة بالإمبراطورية الرومانية".

وسيقدم العلماء نتائج بحثهم لأول مرة في باريس يوم الاثنين 14 أغسطس/آب في مؤتمر غولدشميت للجيوكيمياء.

الأستاذ البروفيسور كيفن بوتشر من قسم الكلاسيكيات والتاريخ القديم في جامعة وورويك البريطانية قال إن المشروع أكد ما كان في الماضي مجرد تكهنات، ومضى يقول: "إن هذا البحث يظهر كيف أن الدراسة العلمية الفاحصة للعملات المعدنية القديمة من شأنه أن يسهم إسهاماً كبيراً في الأبحاث التاريخية، فهو يمكننا من تكوين قاعدة صلبة متماسكة لما كان في الماضي مجرد تكهنات حول أهمية الفضة الإسبانية لضرب العملة الرومانية".

الاختبارات تمت بحفر عينات صغيرة من أصل 70 قطعة معدنية ومن ثم تحليل النسب النظيرية isotopic signatures الخاصة بها باستخدام تقنية مطياف الكتلة.

بعد الهزيمة التي لحقت به على يد القائد الروماني سكيبيو الإفريقي، فر هانيبال إلى المنفى وتوفي حوالي سنة 183 قبل الميلاد في "بيثينيا" الواقعة شمالي الأناضول في تركيا الحديثة.

وفي توثيق ميتته قال المؤرخ بلوتارك (فلوطرخس) اليوناني إن هانيبال تجرّع السمّ خوفاً من تسليمه إلى روما، وذكر المؤرخ أن آخر ما قاله القائد الفينيقي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة كان: "فلنُنهِ هذه الحياة التي أرهبت الرومان كثيراً".