"ما بعد الصدمة".. أطباء نفسيون يكشفون تفاصيل ما يعانيه ناجون من مذبحة فضّ اعتصام رابعة

تم النشر: تم التحديث:
RABAA ALADAWIYA
Mosa'ab Elshamy via Getty Images

داخل القاعة المظلمة التي لا ضوء فيها سوى المنبعث من شاشة العرض، كان الجميع يشاهد في صمت فيلم Dunkirk، الذي تعرضه سينما في حي سان ستيفانو بالإسكندرية.

وأثناء عرض الفيلم، الذي يحكي قصة الحرب العالمية الثانية، كان شادي صاحب الثمانية عشر عاماً يجلس على كرسيه في هدوء لا يلفت نظر أحد، حتى صاحب الكرسي المجاور.

بدأ الفيلم الذي تبدأ مشاهده بمطاردة تعرض لها البطل، ولقطات قفز بين الحواجز، بينما كان الرصاص ينهال عليه من كل الجهات. في هذه اللحظة بدأ شادي يرتعش وتصيبه حالة من الهلع. انتبه صاحب الكرسي المجاور للأمر، وبالصدفة كان طبيباً نفسياً.

عندما أراد شادي، والاسم مستعار، الخروج من القاعة حاول الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، تهدئته، وأخبره أنه طبيب نفسي ويستطيع مساعدته، فبدأ يحكي له أنه عاش نفس مشاهد الفيلم من قبل.

حكى د. عبد الله القصة السابقة لهاف بوست عربي، وتابع: سألته مازحاً: هل كنت في الحرب العالمية الثانية؟ فأخبرني أنه شهد فض اعتصام رابعة، وحكى كيف انهالت عليه طلقات الرصاص فهرب متجاوزاً الحواجز، وحاول الاختباء كما فعل بطل الفيلم وكل هذه المشاهد في الفيلم ذكرته بالألم الذي عاشه بنفسه والذي يؤرقه ليلاً ويطارده نهاراً".

بعد ما تحدث الدكتور أحمد عبد الله مع شادي، شخّص حالته بأنه مصاب باضطراب ما بعد الصدمة من الدرجة الأولى، وحين سأله إن كان قد تلقى علاجاً نفسياً أم لا؟ قال إنه يلجأ إلى السيكودراما من حين لآخر.


اضطراب ما بعد الصدمة


اضطراب ما بعد الصدمة، أو ما يرمز له اختصاراً PTSD، هو مرض نفسي يحدث للشخص بعد تعرضه للتهديد أو حادث مروع. وقد يكون المصاب بهذا الاضطراب هو الذي واجه التهديد، أو على معرفة بمن واجهوه.

أعداد من تعرضوا للصدمات بعد أحداث العنف التي وقعت في مصر في النصف الثاني من عام 2013 قد تتجاوز 150 ألفاً، كما أشار أحمد عبد الله، الذي يشرح لهاف بوست عربي أن هناك ثلاث درجات من هذا المرض النفسي:

1 اضطراب ما بعد الصدمة من الدرجة الأولى، ويصاب به الذين عايشوا أحداث العنف والمعتقلون.

2 الدرجة الثانية من نفس الحالة تصيب من سمع عن أحداث العنف التي جرت من قريب له، وبعض أهالي المختفين قسرياً.

3 الدرجة الثالثة تصيب كل من تابع المشاهد التفصيلية لفض الاعتصام على الشاشات.

ولا يذهب لتلقي العلاج من كل هؤلاء إلا القليل، إذ لا يدرك البعض أنهم يعانون مشكلة، أو أن الأمر سوف يؤثر سلباً على حياتهم كما يوضح الدكتور أحمد الذي يتابع: قابلت العديد منهم، وغالباً ما يأتون إليَّ في العيادة يشتكون من أمور أخرى، هي الآثار المترتبة على تلك الصدمة وهم لا يدركون ما السبب، فمعظمهم يتعامل مع الصدمة على أنها أمر عارض وسوف تمرّ، لكن الأمر ليس كذلك ولابد من علاج.


علاج الصدمات بالصدمات أحياناً


في الثالث عشر من أغسطس/آب عام 2013، ألح أشرف على أخيه أن ينزل معه إلى ميدان رابعة العدوية في حيّ مدينة نصر بالقاهرة وأخبره بضرورة حسم مصير "الانقلاب" -في إشارة لما حدث في مصر في 3 يوليو من ذلك العام- وبالفعل توجهوا للاعتصام في الميدان. صباح اليوم التالي، استيقظ أشرف وأخوه على صوت الرصاص، فتفرقا، وأخذ أشرف يساعد في نقل الجثث إلى المستشفى الميداني، ليفاجأ في إحدى المرات أنه يحمل جثة أخيه.

ظل أشرف، والاسم مستعار، يعاني من نوبات هلع وبكاء هيستيري حين لجأ إلى الدكتور مصطفى يحيى، الطبيب النفسي الذي حكى لهاف بوست عربي هذه القصة.

وبحسب التشخيص النفسي للحالة كان أشرف يعاني عقدة الذنب بسبب البقاء على قيد الحياة دون أخيه، أو ما يسميه الطب النفسي "متلازمة الناجي"، بالإضافة إلى اضطراب ما بعد الصدمة.

يشرح الطبيب النفسي (م.يحيى)، الطريقة التي اعتمد عليها لعلاج أشرف وهي "جروب ثيرابي" وهو نوع من العلاج يتم فيه اختيار مجموعة من الذين يعانون من مرض أو معاناة نفسية، يقوم بقيادتها معالج متمرن بهدف إحداث تغيير نوعي في شخصياتهم. وفيها يستخدم المعالج التفاعل الذي يتم بين أعضاء المجموعة لإحداث التغيير في شخصياتهم.

ويضيف: نستخدم مضادات الاكتئاب لمساعدة المريض لتجاوز الأزمة سريعاً. وأستطيع القول أن ذلك قد ساعد"أشرف" لتجاوز أزمته خاصة أنه كان على وعي كامل بها.

لكن أشرف انقطع عن العلاج بعد أن تم ترشيحه للخدمة كضابط احتياط في الجيش المصري في أكتوبر من نفس السنة، أي بعد فض الاعتصام بشهرين، وكانت تلك صدمة أخرى كما قال د. يحيى.

تواصل أشرف مع الدكتور يحيي ليخبره أنه يصحو كل يوم ليكون تحت قيادة من يعتقد أنهم اشتركوا في قتل أخيه، وأن ظروف الخدمة العسكرية لا تساعده على تجاوز أزمته بل تزيد وطأتها عليه.

ربما تهوّن الصدمات بعضها بعضاً كما يرى يحيى، فصدمة أشرف عند التحاقه بالجيش كانت أقوى من أزمته الأولى، لكن محاولته التأقلم مجبراً مع واقعه الجديد، ساعدته في تقبل الحدث القديم بشكل أسرع.


الطبيب النفسي في حاجة إلى المساعدة


هل يمكن للأصدقاء المساعدة؟

يتنهد الدكتور يحيى قليلاً قبل أن يقول: تعرضت شخصياً إلى صدمة قوية يوم السادس عشر من أغسطس، وقت أحداث رمسيس بعد فض رابعة بيومين. في المستشفى الميداني الذي أنشئ في مسجد التوحيد بمنطقة غمرة ذهبت لأساعد الجرحى بصفتي طبيباً، وأستطيع التعامل مع الحالات الطارئة. كانت الجثث تحمل إلى الدور الرابع من المسجد، فحاولت الصعود ربما أستطيع مساعدة من لا يزالون على قيد الحياة.

كان الصعود صعباً على يحيى بالرغم من اعتياده مشاهد الدماء بحكم عمله، لكنها كانت ذلك اليوم أكثر من المعدل الذي اعتاد على تحمله، فالرائحة تزكم الأنوف، والدماء على درجات السلم، لم تمكنه من الصعود دون الانزلاق لكثرتها.

يتابع الطبيب: بعد أن مررت بأولى مراحل الصدمة وهي تبلد المشاعر، أجهشت بالبكاء وفقدت الأمل في أن أستطيع حتى القيام بمهمتي. حين تتعرض لصدمة كتلك لا أحد يستطيع مساعدة نفسه ولابد لك من الحديث إلى أحد، قمت بالحديث مع بعض أصدقائي حتى أتجاوز تلك الصدمة وأتأقلم من جديد مع الحياة. وكان ذلك الحديث يشبه طريقة في العلاج النفسي تسمى العلاج بالسرد، حيث قمنا بالحديث عن الصدمة والتعبير عن مشاعرنا.

والعلاج بالسرد هو شكل من أشكال العلاج النفسي الذي يسعى لمساعدة الناس بالحكي السلس لكل الأحداث لتحديد القيم والمهارات والمعارف التي يجب أن يحيوا من خلالها، حتى يتمكنوا من التصدي بفاعلية للمشاكل التي يواجهونها.


الصراخ


"جاءني شاب في أواخر العشرينات، هيئته توحي بحب التنظيم الشديد، أما حياته فتمتلئ بالفوضى. كانت الفوضى هي المشكلة التي جاء ليحدثني عنها" يقول الدكتور أحمد عبد الله.

بتوتر شديد صاحبه طوال حديثه مع عبد الله، حكى محسن عن تردده في قرار زواجه، فبعد أن خطب فتاة، صار يشك الآن أنه يريدها، بل يشك في أنه يريد الزواج من الأساس. ويفكر: لماذا لا يذهب ويكمل دراسته في الخارج؟ أو يبحث عن فتاة أخرى قد تناسبه أكثر؟ وهل العمل الذي يعمله هذا مناسب؟ أم يتركه ويبحث عن آخر؟ كان يصف بحزن بالغ كم المشكلات التي تحدث له في العمل، ولا يعلم لماذا أصبح شديد الغضب على أقل الأشياء؟

بدأ عبد الله في سؤاله عن مراحل حياته ليصل إلى أسباب ذلك التوتر كما حكى لهاف بوست عربي. فذكر له في معرض حديثه أنه كان حاضراً لأحداث فض اعتصام رابعة في أغسطس منذ 4 سنوات، ثم بدأ بسرد مشاهد الدماء التي رآها تغطي كل شيء، ووصف حالات الصراخ حيث لم يكن يكفّ إلا حين تتوقف الأجساد عن الحراك.

يقول عبد الله أنه سأل محسن إن كان قد راجع طبيباً بعد ذلك الحدث، فأجاب بالنفي. ولذلك لا يشك أن مشكلات الأخير نابعة من إصابته باضطراب ما بعد الصدمة، حيث كان يشعر بالتهديد المستمر الذي لا يكون حقيقياً في أحيان كثيرة، والنقمة على المجتمع بسبب هذا الشعور.

وينصح د. عبد الله بضرورة أن يكون الناس على وعي بوجود صلة وثيقة بين أي حدث صادم، وما سيعانونه فيما بعد. ثم يقول: استمررت في علاج محسن ستة أشهر، وحتى الآن، باستخدام طريقة تسمى "العلاج السردي التعرضي" وهي طريقة حديثة الاستخدام في مصر، وعدد المتدربين على تلك الطريقة قليلون، وهي مفيدة جداً حيث تساعد المريض كي يتعرف على المشكلة ويتجاوزها بنفسه دون عقاقير، فالعقاقير لا تفيد في علاج حالات اضطراب ما بعد الصدمة.


هل يمكن ألا يصاب أحد بالصدمة؟


قبل أن يجيب الدكتور يحيى على ذلك السؤال، تذكر صديقه طبيب أمراض الباطنة الذي حكى له عن ذلك الرجل الأربعيني، هو أخ أكبر لثلاثة أشقاء، قتلوا جميعاً في أحداث متتالية وقت الاعتصام، ولم يكن يراه إلا مبتسماً راضياً، ولا نلاحظ عليه أي علامات للحزن، لدرجة تجعلك تظن أنه لم يكن يحبهم، وعندما سألناه قال أنا أسلّم بالأقدار وأؤمن بأن لله حكمة في كل شيء.

يعلق الدكتور يحيى: بالفعل قد تختلف ردود الفعل حسب معتقدات الشخص، وتساهم في تخفيف وقع الصدمة عليه، فالتهيئة النفسية من قبل الحدث، قد تفيد بالفعل في تجاوز الأزمة بشكل أسرع.


الإحساس بالأمان أول طريق العلاج


كان الخوف يحيط بصفاء من كل مكان، الناس يصرخون، وأعداد القتلى تتزايد، وهي تحاول الفرار بكل الطرق وتجري دون أن تعرف إلى أين. فجأة، وجدت نفسها أمام بندقية موجهة إلى صدرها، رفعت عينيها إلى وجه ضابط الشرطة الملثم، فعرفته، كان أخاها الذي يعمل في وزارة الداخلية المصرية. وبسبب هذا الموقف، فقدت صفاء النطق منذ ذلك الوقت.

"اضطراب ما بعد الصدمة" كان تشخيص حالة صفاء عندما زارت الدكتور أحمد عبد الله، الذي أوضح لهاف بوست عربي أنّ فقد بعض الحواس من مضاعفات هذه الصدمة.
أول مراحل العلاج هو الشعور بالأمان، وهذا ما لم تشعر به صفاء، فسافرت خارج البلاد لتلقي العلاج ومحاولة خلق بيئة جديدة تتعايش معها، حسب عبد الله.

يتابع قائلاً: عدم الشعور بالأمان سواء من المجتمع، أو الخوف غير الحقيقي من المعالج، أحد أهم أسباب العزوف عن طلب العلاج، وكذلك الظن أن الانشغال وحده يفيد في تجاوز الصدمة، فالصدمة ليست حدثاً عارضاً وسوف يُنسى.

أما الدكتور يحيى فيرى أن بعض المرضى يفضلون التواصل بصورة ودية وليس مع طبيب، كما أن المجتمعات العربية لا تقبل العلاج النفسي وتعتبره غير مرغوب فيه بنسبة كبيرة.

يضيف يحيى أن البعض لا يعترف بالمرض إلا إذا كان عضوياً وواضحاً، وقد يفسر ذلك تأخر الذهاب إلى الطبيب بعد الصدمات.


كيف يمكن تخفيف الصدمة؟


تؤثر الصدمات على الأداء الدراسي للطلاب، وعلى العلاقات بين الأزواج، بحسب الدكتور أحمد عبد الله، وقد تجعله عدوانياً وغير مبال بالآخرين، ويشعر بالعزوف عن أنشطة الحياة المختلفة.

وينصح عبد الله باللجوء للسيكودراما التي يراها أكثر نفعاً، ثم ممارسة رياضة بشكل دائم، كالسباحة والجري، وبعض تمارين اليوغا، وسماع الموسيقى الكلاسيكية التي تساعد على الاسترخاء، وممارسة أنشطة اجتماعية مبهجة، والفضفضة مع الأصدقاء.

والسيكودراما طريقة علاج نشطة وفعالة وذلك عن طريقِ التعامل مع الماضي أو معِ المشكلات المتوقعة عن طريق التمثيل المسرحي الصامت كما لو كان الصراع يحدث الآن.

لكنه يعود ويؤكد على ضرورة المتابعة مع طبيب لاتباع طريقة علاج فعال تناسب الحالة.

ويلفت الدكتور يحيى النظر إلى أهمية امتلاك ثقافة الحزن، فيقول: علينا أن نترك أنفسنا نحزن فترة كافية قبل محاولتنا تجاوز الأمر، فهذا يساعد بشكل كبير في العلاج، ويجب علينا أن نستشير المختصّ إذا شعرنا أننا نتجه الى الأسوأ.

ليس كل ما يبدو شرّاً هو شرّ، كما يرى الدكتور أحمد عبد الله، فبعد العلاج من الصدمات ستكون هناك عدة إيجابيات، أهمها زيادة الوعي، والقدرة المستقبلية على التكيّف السريع مع الأزمات الجديدة.