البحر يبتلعها تدريجياً.. هل تغرق دلتا النيل وتواجه مصر كارثة محققة؟

تم النشر: تم التحديث:
GETTY IMAGES
Getty Images

هل تختفي سواحل مصر المتوسطية الساحرة؟ وهل تغرق دلتا النيل المكتظة بالسكان وسلة الخبز الرئيسية للبلاد؟

بينما يحجم كثير من السياح الأجانب على زيارة مصر حالياً؛ بسبب المخاوف الأمنية، إلا أن هناك قلقاً أكبر بكثير يلوح في الأفق: الاحتباس الحراري العالمي واختفاء السواحل، قد يجعلان مستقبل مصر أسوأ من ذلك، حسب تقرير لموقع شبكة NPR الأميركية.

ويتفق العلماء عموماً على أن تغير المناخ الذي يتسبب فيه البشر -أي تأثير انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من مصادر مثل السيارات والمصانع- يرفع مستوى سطح البحر ويجعل مياهه أكثر دفئاً.

ويؤثر ارتفاع منسوب مياه البحر على دلتا نهر النيل، وهو المثلث الذي يتفرع عنده النيل ويصب في البحر، حيث تزرع مصر معظم محاصيلها. ووفقاً للبنك الدولي، فإن مصر -مع معدلات الفقر المرتفعة أصلاً والنمو السكاني السريع- هي واحدة من البلدان الأكثر عرضة لآثار تغير المناخ.

وفي تقرير علمي نشره موقع جامعة ييل Yale، قال الكاتب المختص بالجيولوجيا ريتشارد كونيف إن مصر قد تكون الفريسة القادمة للتدهور البيئي الذي يجتاح العالم، فسكان البلاد الـ95 مليون نسمة قد يقعون ضحية كارثة محققة.

يشاهد حازم عادل بالفعل بعض هذه التغييرات مباشرة. يبيع حازم القبعات وحقائب اليد في كشك أمام جدار من الحواجز الخرسانية على شاطئ الإسكندرية.

يقول عادل: "المياه كانت تفيض وتغطي الناس وسياراتهم؛ لهذا السبب وضعت الحكومة الحواجز؛ لوقف المياه حتى لا تغمر الشارع".

على طول الواجهة البحرية، أقامت الحكومة حواجز لمواجهة العواصف الشتوية الشرسة. لا يوجد شاطئ على هذا الجزء من الساحل؛ فالرمال غطتها المياه منذ سنوات.

ويتوقع كثير من العلماء ارتفاع مستوى سطح البحر هنا أكثر من قدمين بحلول نهاية القرن. بعض المباني التاريخية تنهار بالفعل، حيث إن المياه المالحة تتسرب إلى الجدران. ويمكن أن تغمر المياه أحياء بأكملها.


مصير الإسكندرية


منذ آلاف السنين، ارتبط ازدهار وتراجع الإسكندرية بالبحر.

بالقرب من الممشى الخرساني، يأخذ المرشدون السياحَ العرب في جولة داخل قلعة قايتباي التي بُنيت جزئياً على أنقاض واحدة من عجائب العالم القديم؛ منارة الإسكندرية.

منذ ما يقرب من 2000 سنة، كانت المنارة الحجرية أطول مبنى في العالم. كانت تستخدم المرايا لتعكس الشمس، والنار ليلاً، لتحذير البحارة من الصخور. بعد سلسلة من الزلازل بين القرنين العاشر والقرن الرابع عشر، انهارت في الماء. على مر القرون، ابتلع البحر ما كان ميناء مزدهراً وحتى محيط الميناء نفسه.

يقف الصيادون على ما يعتقد أنه بعض بقايا قاعدة المنارة.

ويقول صالح حلمي، الذي يصطاد السمك هناك منذ 25 عاماً، إن الأسماك الآن أصغر من ذي قبل، وهو يلقي تلك التي يمسك بها للقطط الضالة. ولأن مياه البحر أكثر دفئاً، كما يقول، تراجعت الأسماك الكبيرة إلى المياه الأعمق والأكثر برودة.

إنه قلق كبير لخبراء تغير المناخ، مثل محمد الراعي (من جامعة الإسكندرية)، الذي يدرس الآثار المحتملة لارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستويات سطح البحر منذ عقود.

يقول، بينما يتطلع إلى المياه الزرقاء الرائعة على طول الساحل الشمالي لمصر: "إن ارتفاع مستوى سطح البحر سيؤثر على جميع السواحل وجميع الشواطئ. تظهر النماذج أن درجة الحرارة سوف تزداد في الشرق الأوسط وسينخفض معدل هطول الأمطار".

وتتنبأ معظم النماذج بمتوسط محتمل لارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 3 درجات فهرنهايت على أجزاء من مصر خلال العقود الأربعة المقبلة.

ويقول الراعي إن آثار الطقس الأكثر سخونة، بما في ذلك انخفاض الأمطار، ستخفض الإنتاجية الزراعية بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وهي ضربة قوية لبلٍد يكافح بالفعل لإطعام شعبه.


الدلتا تكافح الخطر


الدلتا تزرع أكثر من نصف محاصيل مصر على طول دلتا النيل.

على طول الدلتا، ضفاف النهر تتآكل. ومع ارتفاع منسوب مياه البحر، تتدفق مياه البحر إلى مياه النيل المستخدمة للري.

والدلتا التي تبدأ من شمال القاهرة وتمتد حتى البحر المتوسط على بُعد 160 كيلومتراً تقريباً، يقطنها نحو 50 مليون مصري، أي أكثر من نصف عدد سكان البلاد، لكنها لا تشكل سوى 2.5٪ من مساحة مصر الكلية، فيما يعيش بقية السُكان فيما تبقى من وادي النيل، الذي يمثل 1٪ من مساحة مصر.

تقول دراسة نُشرت على دورية المجتمع الجيولوجي الأميركي GSA Today وأعدها فريق بقيادة الجيولوجي جون دانيل ستانلي، إن مصر ستواجه "نقصاً خطيراً في المياه العذبة والطاقة في جميع أنحاء البلاد بحلول عام 2025"، وإن الزراعة في الدلتا (التي تنتج 60٪ من الغذاء في مصر) ستعاني نقصاً كبيراً في مياه الري.

يبدو أن هذا ما يستشعره يوسف غزالي، الذي يعمل بالزراعة منذ 50 عاماً؛ إذ يقول: "إن المحاصيل ستموت؛ فعندما تسقى بالماء المالح، تموت على الفور".

تتكاثر الجروح على ذراعي الغزالي من قطع النباتات ذات الأشواك. يشير إلى رقعة خالية من الأرض حيث كان يزرع الأرز قبل عامين. الآن، يقول إن مستوى الملوحة فيها مرتفع بحيث لا تصلح لزراعة أي شيء على الإطلاق.

ويقول مزارعون آخرون إن عليهم التخلي عن المحاصيل التقليدية مثل قصب السكر؛ بسبب ملوحة المياه.

يقول الغزالي إن الناس هنا يكافحون بالفعل مع مياه النهر الملوثة بمخلفات المصانع، والآن قيل لهم إن النشاط البشري يغير الطقس ذاته.


عقاب من الله


بالقرب من قرية الصيد التي تسمى المعدية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، يقول الصيادون إن العواصف الشتوية كانت شديدة جداً خلال العامين الماضيين، ويعتقد بعض الناس هنا أن الله يعاقبهم.

يقول بدير محمد: "كان الشتاء الماضي هو الأسوأ. ابتلع البحر بعض الأرض واقترب من القرية. نحن نرى أشياء لم نرها من قبل، بطريقة تجعلنا نعتقد أن هذا غضب من الله على القرية وشعبها".

ويتابع بدير قائلاً: " إنه كل عام تصبح الرياح أقوى، والموج أعلى، والبحر يبتلع المزيد من الأراضي. وعليهم أن يذهبوا بعيداً عن الشاطئ إلى البحر ليجدوا السمك نفسه الذي كانوا يصطادونه قبل ذلك على مقربة من الشاطئ".

يضيف: "كانت الأرض جافة هنا قبل بضع سنوات، وهي الآن مغطاة بالماء. في زمن جدي، كانت المسافة من القرية إلى الشاطئ تستغرق أكثر من نصف ساعة سيراً على الأقدام، الآن تستغرق أقل من 10 دقائق".

قبل 10 سنوات، كانت هذه المناطق غنية بالصيد، حتى إن الناس كانوا يشيرون إلى هذا الجزء من الساحل بـ"الكويت"؛ لأن قراها كانت مزدهرة جداً. الآن، الأسماك بالقرب من الشاطئ أصغر وأكثر ندرة. يحتاج الصيادون الآن إلى زوارق ذات محرك للخروج إلى المياه العميقة بدلاً من قوارب التجديف التي كانوا يستخدمونها في الماضي.

يقول بدير إن الرياح كانت قوية جداً في العام الماضي، لدرجة أن الطابق الثالث من منزله تهدم. وكانت القوارب تُقذف من الماء إلى الطريق.

ويضيف: "في فصل الشتاء، البحر يهاجمنا. إننا نخشى أن تغرق القرية في البحر".