بصفر بطالة.. ميركل تتفوق في استطلاعات الرأي قبل أسابيع من الانتخابات.. فلماذا يريد اليسار الأوروبي هزيمتها؟

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

هل تفعلها المستشارة أنجيلا ميركل نصيرة اللاجئين وتسحق مرشح اليسار في الانتخابات التشريعية المقررة، في نهاية شهر سبتمبر/أيلول 2017؟

منذ وقتٍ ليس بالكثير، كان يُنظَر إلى الزعيم الاشتراكي الألماني مارتن شولز على أنَّه بارقة أمل، ليس لحزبه فحسب، حزب الديمقراطيين الاشتراكيين، وإنَّما لليسار الأوروبي المأزوم برمته، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وأُطلق عليه اسم "سانكت مارتن"، الرجل الذي لديه من الإمكانات ما يؤهله للإطاحة بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من عرشها، بعد حوالي 12 عاماً من تربعها عليه، خاصة أنه جلب موجة من الأفكار الجديدة التي من شأنها أن تنعش المشهد السياسي الراكد بفعل حضور المستشارة الألمانية طويل الأمد.

بل إنَّ مارتن شولز، البالغ من العمر61 عاماً، كان ينظر إليه باهتمام من قبل مستشاري زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن، في الوقت الذي كان يكافح فيه لحشد الدعم.

كانوا مندهشين من الطريقة التي اقتحم بها المشهد السياسي في برلين، وكيف ألهم جيلاً جديداً من الناخبين الشباب، في الوقت الذي كان يواجه فيه أولئك الذين هجروا الحزب للعودة بالآلاف.

والآن، وقبل ستة أسابيع من ذهاب الألمان إلى صناديق الاقتراع، فإنَّ شولز يتخلف عن ميركل بفارقٍ ضخم، ويبدو أنَّه يستعد من الآن لحجز مقعدٍ على دكة المعارضة في البرلمان الألماني.

b


فارق كبير


وبحسب المعلق الكبير هريبرت برانتل في مقالته الافتتاحية بصحيفة سودتش زيتونج، فإنَّ "مرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني يكدح بمشقة، لكن لا أحد يلاحظ ذلك".

وتظهر استطلاعات الرأي شولز متأخراً عن تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني مع الاتحاد الاشتراكي المسيحي الذي تقوده ميركل بنحو 14%، بعد أن كانا على قدم المساواة تقريباً منذ عدة شهور مضت.

ولا يُلقي محللو استطلاعات الرأي باللائمة على حملة شولز، التي قادته في جولة نشطة في جميع أنحاء ألمانيا في ذات الوقت الذي كانت فيه ميركل مسترخية بسعادة في مقاطعة ساوث تايرول الإيطالية، وإنَّما يعزون سبب ذلك الأمر إلى قوة شعار خصمه، والشعور بالمصداقية الذي تفيض به، والاستمرارية التي سوف تقدمها لألمانيا التي وصلت لذروتها الاقتصادية في عهد ميركل.

وقد عُزِّزَت هذه الثقة التي توحي بها ميركل، الأسبوع الماضي، بسبب صورها مع زوجها يواخيم ساور وهما يرتديان الزي ذاته الذي ارتدياه لسنواتٍ عديدة متصلة، بينما كانا يزوران الفندق ذاته ويقيمان في الغرفة ذاتها دائماً.

ويقول برانتل إنَّ قرار التصويت لصالح ميركل يشبه قرار مقامر لا مانع لديه من الخروج بلا مكاسب أو خسارة، ويضيف: "الناس لا يزالون راضين عن مكاسبهم مع ميركل، ذلك أنَّه في عالمٍ متقلب يحكمه الكثير من الرجال المجانين، يفضل أولئك الناس الاستمرار معها، لأنَّها، بكل بساطة، ليست مجنونة، وإنَّما مؤهلة وذات خبرة".

عندما وصل شولز إلى برلين، بعد أن أمضى العقدين الماضيين في المشهد السياسي الأوروبي، آخرهما قضاه رئيساً للبرلمان الأوروبي، جذب الآلاف من الأعضاء الجدد والسابقين للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، بعد عقدين من الزمن فقد فيهما الحزب الكثير من الدعم.

ارتفعت نسبة الحزب في استطلاعات الرأي بمقدار 10 نقاط مئوية. وحاز شولز نسبة تاريخية هي 100% من الأصوات، ليصبح زعيماً للحزب.

وانعكست هذه الحماسة المتَّقدة للحزب في قمصانٍ زُخرِفَت بالوجه الدائري الملتحي لشولز، مع شعار "حان الوقت لمارتن"، وبالوناتٍ حمراء طُبِعَت عليها كلمات "نَفَسٌ من الهواء النقي". وكان شولز يُستَقَبل بالصراخ والهتافات عند دخوله الغرف المليئة بأعضاء الحزب.

لكنَّ تأثير شولز، كما كان يُسمَّى، ثبت أنَّه قصير الأمد؛ إذ عانى الحزب من انتكاساتٍ في الانتخابات الإقليمية، وعلى الرغم من تعبير شولز عن أهمية العدالة الاجتماعية، الشعار الطنَّان لحملته، في وقتٍ تزداد فيه الانقسامات بين الأغنياء والفقراء، فإنَّ هذه النشوة قد انحسرت وسط الشكاوى من افتقار خططه للمضمون.

لا تزال القاعدة التقليدية للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني تتطلع إلى إصلاحات العمل التي قدمها آخر مستشاري الحزب، وهو غيرهارد شرودر، التي كانت محوريةً لتعافي ألمانيا اقتصادياً، وقدرتها على تخلص البلاد من لقب "رجل أوروبا المريض".

وعد شولز بمعالجة عدم المساواة المتزايد، الذي يُلقَى باللائمة فيه على شرودر. ويُمدَح الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، بصفته شريكاً صغيراً في التحالف الكبير لميركل خلال السنوات الأربع الماضية، لدفعه تشريعاً يتعلق بالحد الأدنى للأجور، لكنَّ أفقر 20% من الألمانيين لم يروا بعدُ تحسناً في أحوالهم المعيشية. وعلى الورق، تبدو إحصائيات التوظيف جيدة؛ إذ إنَّ ألمانيا في طريقها للوصول بمعدل البطالة إلى الصفر خلال السنوات الثلاث القادمة.

لكنَّ عدداً متزايداً من العمال يتلقَّون أجوراً ضعيفة، ويعملون في وظائف غير مستقرة. ومن ثم، يُقال إنَّ الكثير من الناخبين قد قرَّروا اللجوء إلى الخيار المضمون، بدلاً من المخاطرة أو عدم التصويت.

وكانت المستشارة أنجيلا ميركل قد استهلَّت حملتها الانتخابية بالتذكير بنجاحات حكومتها في سوق العمل ومكافحة البطالة، فيما وصفت المستشارة الاتحاد الأوروبي بأنه "مشروع السلام الأكبر".

وقالت ميركل، السبت 12 أغسطس/آب 2017، في دورتموند، خلال ندوة لجناح العاملين بحزبها الديمقراطي المسيحي، إن عدد العاطلين انخفض بمقدار النصف منذ توليها المنصب.

وأشارت إلى أن عدد هؤلاء كان يبلغ أكثر من 5 ملايين عاطل، في مارس/آذار 2006، "واليوم لدينا 44 مليون عامل، وهذه أرقام رائعة بحق".

وبينما سبق مارتن شولتز ميركل بإطلاق حملته قبل عدة أشهر، واعداً بـ"المزيد من العدالة الاجتماعية"، وتخفيضات ضريبية للطبقات الشعبية والوسطى، وبزيادة الضغوط الضريبية على الأكثر ثراء، فإن المستشارة المحافظة لم تكشف حتى اليوم عما تعتزم اتخاذه من تدابير في حال فوزها بولاية رابعة، التزاماً منها بالتكتيك الذي تعتمده منذ وصولها إلى السلطة عام 2005، والقاضي بتفادي المواجهة المباشرة لعدم إعطاء خصومها وسيلة لمهاجمتها.

وهي تفضل المراهنة على شخصيتها، وعلى حصيلتها، مع تراجع معدل البطالة إلى 5.6%، أدنى مستوياته منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990.

أما مسألة توافد أكثر من مليون مهاجر إلى البلاد في 2015 و2016، فتبدو الآن طيَّ النسيان، بعدما أضعفت موقفها لفترة، حسب تقرير نشرته جريدة الشرق الأوسط السعودية.

واختارت ميركل شعار "ألمانيا بلد يطيب العيش فيه"، وهو يذكر بشعار حملتها للانتخابات السابقة عام 2013 "مستقبل ألمانيا بأيد أمينة".


هل أصبح الألمان مرضى؟


وعبَّر الكثير من المعلقين الألمان عن عدم ارتياحهم لهيمنة ميركل، منهم الكاتب الألماني ألكساندر والاش، مشيرين إلى مفارقة أنَّها الآن تحظى بذات الشعبية التي كانت تحظى بها قبل أزمة اللاجئين منذ عامين، عندما دفع قرارها المثير للجدل بفتح أبواب ألمانيا أمام اللاجئين بالكثيرين إلى توقع أنَّها سوف تُجبَر على الرحيل عن منصبها.

وتساءل والاش في المجلة الليبرالية المحافظة على الإنترنت "تيشيز إنبليك": "ما مشكلة الناخبين الألمان؟ كيف يمكن أن يحظى الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تقوده ميركل بنسبة دعم 40%؟ هل الأمر يرجع إلى مجرد الافتقار إلى البديل؟ أم أنَّ الأمر نوع من متلازمة استوكهولم؟"، مشيراً إلى حالة يكون فيها لدى ضحية الاختطاف مشاعر ثقة أو تعاطف ناحية المُختطِف.

بل إنَّ الأكثر غرابة هو شعبية ميركل بين الشباب، لاسيما الذين يصوتون لأول مرة في هذه الانتخابات، والذين من غير المحتمل لأيٍّ منهم أن يتذكر وقتاً لم تكن فيه ألمانيا تحت قيادة ميركل.

إذ أظهر استطلاعٌ للرأي قام به معهد فورسا، في شهر يونيو/حزيران 2017، أنَّ 57% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 21 سوف يدعمون انتخاب ميركل في منصب المستشار، مقارنةً بـ53% من كل الناخبين. وفي المقابل، كان الدعم الذي يحظى به شولز من الفئة العمرية ذاتها 21% فحسب.

لكنَّ الدهشة هيمنت على عناوين الأخبار، بعد انخفاض شعبية ميركل بمقدار 10 نقاط، عقب عودتها من جولة النزهة في ساوث تايرول، لتصل شعبيتها إلى 59%. وألقى المحلل السياسي هيكو فنك باللائمة على موقفها المسترخي تجاه الحملة الانتخابية، وتبعات مظاهرات الاعتراض على قمة مجموعة العشرين في هامبورغ، الشهر الماضي، يوليو/تموز 2017، والهجوم الذي قام به أحد المنتمين لحركةٍ إسلامية مستخدماً سكيناً، وفضيحة سيارات الديزل.

وبحسب أستاذ العلوم السياسية كارستن كوشميدر في معهد برلين أوتوسوهر للعلوم السياسية، فإنَّ "الناخبين كانوا يفضِّلون أن يروا المزيد من الانخراط من قبل ميركل".

وقال كارل رودلف كورت، المحلل السياسي من مدينة دويسبرغ، إنَّه على الرغم من النتائج القوية لميركل وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فسوف يكون من الخطأ اعتبار الانتخابات المقرر عقدها، في الـ24 من شهر سبتمبر/أيلول أمراً مفروغاً منه.

وأضاف: "فكما رأينا من قبل، خلال أيام أو أسابيع قلائل، قد تظهر مشكلات. ومن الممكن للحظات الأزمات أن تؤدي إلى تغييرٍ سريع في رأي قطاعٍ كبير من الناخبين في اللحظة الأخيرة".