4 عوامل تحدد قيمة تعويضات الحوادث والإرهاب بمصر.. هكذا يؤدي اهتمام الرئيس ونوع التذكرة إلى التمييز بين الضحايا

تم النشر: تم التحديث:
AL AYAT TRAIN
GIZA, EGYPT | Anadolu Agency via Getty Images

"هناك خيار وفقوس" مثل شعبي مصري يقال عندما يكون هناك تمييز بين الناس بدون منطق أو سبب. هذا المثل قد يستذكره البعض عندما يعلمون بقرار الحكومة المصرية صرف تعويض بقيمة 50 ألف جنيه (حوالي 2800 دولار) لضحايا حادث صدام القطارين الذي وقع الجمعة، 11 أغسطس/آب 2017.

للوهلة الأولى لا يبدو أن هناك مشكلة في القرار، ولكن الغريب في الأمر أن أرقام التعويضات التي صرفت لضحايا حوادث أخرى اختلفت، رغم أن الوفاة قد تكون بذات الطريقة.

هذا يطرح عدة تساؤلات حول الأساس الذي عليه يتم تحديد قيمة تعويض المتوفى في الحوادث، والتي عادة ما تتراوح ما بين 5 آلاف و100 ألف جنيه ( أي ما بين 280 دولاراً و5555 دولاراً) ومدى دستورية هذا التمييز في التعويض.

"هاف بوست عربي" يرصد في هذا التقرير 4 عوامل رئيسية تحدد الفوارق بين قيمة تعويضات ضحايا الحوادث والعمليات الإرهابية في مصر.


حوادث القطارات


في أغسطس/آب 2017، خرج أحد القطارات المتجه للصعيد في مدينة العياط بمحافظة الجيزة عن القضبان، مما أدى لانقلاب إحدى عرباته، مما أسفر عن وفاة خمسة مواطنين، وإصابة نحو 30 آخرين.

وقتها تم صرف 30 ألف جنيه (حوالي 1666 دولاراً) لضحايا الحادث، ممثلة في 20 ألف جنيه من وزارة النقل، و10 آلاف جنيه من وزارة التضامن الاجتماعي.

بينما تعاملت الحكومة بشكل مختلف في حادث قطار الإسكندرية الأخير، الذي راح ضحيته 41 قتيلاً، و174 مصاباً وفقاً للإحصائيات الرسمية، فكانت التعويضات أكبر، حيث أعلنت غادة والي وزيرة التضامن عن صرف 50 ألف جنيه (حوالي 2800 دولار)، عبارة عن 20 ألفاً من المجمعة التأمينية ضد حوادث سكك الحديد، و30 ألف جنيه أخرى من صندوق إغاثة الكوارث العامة في وزارة التضامن الاجتماعي.


هل من حقهم رفع دعوى؟


ما النتيجة المترتبة على هذا الفرق في التعويضات، رغم قصر المدة الزمنية التي تفصل بين الحادثين اللذين وقع كلاهما في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبفارق زمني لم يصل لعام؟

الدكتور عبدالله المغازي أستاذ القانون الدستوري، ومعاون رئيس الوزراء الأسبق قال لـ"هاف بوست عربي"، إن من حق أهالي ضحايا قطار العياط رفع دعوى قضائية ضد الدولة لتطبيق مبدأ المساواة، الذي ينص عليه الدستور، خاصة أنهم قضوا نحبهم بنفس الوسيلة وهي حادث قطار.

وأضاف المغازي أن هذا التمييز في قيمة التعويضات يكون من ضمن أسبابه اختلاف الوسيلة، فجزء من تذكرة الطيران، السفينة، القطار، وثمن الكارتات التي تدفع على الطرق السريعة يخصص للتأمين، وهو ما يجعل هناك تفاوتاً في مبالغ التعويضات باختلاف الوسيلة، لذلك نجد أن التعويض في حوادث الطيران والسفن أكبر بكثير من القطارات وحوادث الطرق.

ورأى أستاذ القانون الدستوري، أنه يجب على الدولة أن تعالج تلك الفروق من خلال القوانين، بالإضافة لوضع مظلة تأمينية موحدة تضمن المساواة في قيمة التعويضات للضحايا.


التمييز في الإرهاب أيضاً


في عام 2015، أصدر رئيس الوزراء السابق المهندس إبراهيم محلب قراراً بـ"منح معاش استثنائي لأسرة كل شهيد مدني من شهداء الأعمال الإرهابية، مع صرف 5 آلاف جنيه للمصاب و10 آلاف جنيه للشهيد".

إلا أن هذا الرقم تم استثناؤه عدة مرات بقرار من مجلس الوزراء، أول هذه القرارات كان في مذبحة ليبيا، في نوفمبر/شباط ،2015 التي راح ضحيتها 21 مصرياً قبطياً، فقرر رئيس الوزراء وقتها المهندس إبراهيم محلب صرف تعويض 100 ألف جنيه، وهو الأمر الذي تكرر في حادث انفجار كنيسة البطرسية، في ديسمبر/كانون الأول 2016، والذي راح ضحيته 23 شخصاً.

وعلَّق مصدر مسؤول بوزارة التضامن الاجتماعي -فضَّل عدم ذكر اسمه- على ذلك، بأن "لكل حادث خصوصياته وحثيثاته وتداعياته".

وقال لـ"هاف بوست عربي"، إن صرف 100 ألف جنيه لأسرة المتوفى هو تطبيق للشريحة العليا في تعويضات الإرهاب؛ نظراً لحيثية الحدث وجسامته، في ظل التوترات والأحداث السياسية التي تشهدها البلاد.

وأضاف أن حوادث الإرهاب يتم التعامل معها بشكل مختلف من جانب مجلس الوزراء، وفقاً لجسامة كل حادث، موضحاً أن قيمة هذه التعويضات الاستثنائية في وقائع الإرهاب يتم تحديدها بناء على قرار من مجلس الوزراء وليس الوزارة.


غادة والى لـ"خالد صلاح": 1500 جنيه معاشا لأسر... paylaşan: youm7


تعويضات الإرهاب حق دستوري


الدكتور عبدالله المغازي، علق لـ"هاف بوست عربي" قائلاً، إن المادة (237) من الدستور تنص على: "تلتزم الدولة بمواجهة الإرهاب، بكافة صوره وأشكاله، وتعقُّب مصادر تمويله، باعتباره تهديداً للوطن والمواطنين، مع ضمان الحقوق والحريات العامة، وفق برنامج زمني محدد، وينظم القانون أحكام وإجراءات مكافحة الإرهاب، والتعويض العادل عن الأضرار الناجمة عنه وبسببه".

وبالتالي فإن التعويض لضحايا الإرهاب الذين فشلت الدولة في حمايتهم حق لهم، ولكن لا يجب التمييز بين ضحايا الإرهاب، بصرف 10 آلاف لشخص و100 ألف لآخر "فجميعهم ضحايا أبرياء"، على حد قوله.

وفسَّر أستاذ القانون الدستوري فارق التعويضات أيضاً بأنه قد يكون نتيجة فارق الضجة الإعلامية، واهتمام الإعلام المحلي والدولي أحياناً ببعض الأحداث، "وهو ما يجعل الدولة تتجه لصرف تعويضات أكبر في حالات معينة".


عدد الضحايا


في يوليو/تموز 2015، قررت وزارة التضامن المصرية صرف تعويضات في حادث غرق مركب الوراق، بقيمة 60 ألف جنيه لأسرة المتوفَّى، و10 آلاف جنيه لكل مصاب، وهو الحادث الذي أدى إلى وفاة 40 شخصاً، بينهم أطفال ونساء بسبب قيام معدية متهالكة في النيل بنقل عدد أكبر من حمولتها.

وفي حادثة مشابهة منذ عدة أيام، وقعت في أغسطس/آب 2017، إثر غرق معدية أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص بمحافظة بني سويف، قرَّر محافظ بني سويف صرف مساعدات عاجلة بواقع 5 آلاف جنيه لكل أسرة من أسر ضحايا حادث غرق سيارة من أعلى معدية للنيل، كما قررت مديرية التضامن الاجتماعي بالمحافظة صرف 5 آلاف جنيه أخرى لكل أسرة.

هذا التفاوت أرجعه الدكتور عبدالله المغازي أيضاً إلى فارق عدد الضحايا، فالضجة الإعلامية غالباً ما تصاحب الحوادث التي تسفر عن عدد كبير من الضحايا، وهو ما يتبعه اهتمام ومتابعة من جانب القيادة السياسية، ممثلة في رئيس الجمهورية.

ولفت عبد الله إلى أنه كلما اجتمع الرئيس بعدد من القيادات لمتابعة الحادث أسهم ذلك في ارتفاع قيمة التعويض.


مَن المسؤول عن معالجة هذا التمييز؟


ويتضح أن العوامل الأربعة التي تحدد الفوارق بين التعويضات التي تدفع للضحايا أو ذويهم هي الضجة الإعلامية، عدد الضحايا، مدى متابعة واهتمام الرئيس، وطبيعة الحادث وهوية ضحاياه.

أستاذ القانون الدستوري عبد الله المغازي قال لـ"هاف بوست عربي"، إن معالجة تلك الثغرات في تطبيق الدستور هي مهمة مجلس النواب، المنوط به محاسبة الحكومة عندما ترتكب مثل هذه المخالفة الجسيمة للدستور؛ إذ إن هذا إخلال بمبدأ المساواة، فالمادة (53) من الدستور تنص على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.

وأشار إلى أن الدستور يؤكد أن التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.

وطالب المغازي اللجنة التشريعية بمجلس النواب، بالتدخل للحد من تلك الظاهرة التي انتشرت، قائلاً "ليس من المعقول أن يلقى المواطن المصري تمييزاً في حياته، بحرمانه من الالتحاق ببعض الوظائف، مثل السلك القضائي والدبلوماسي وكليات الشرطة، ثم يلقى نفس التمييز في مماته، بحرمانه من المساواة في التعويض".