تستخدمها لتأليب الغرب على نفسه وإضعاف خصومها الكبار.. ماذا تعرف عن "الحرب الهجينة" التي تشنها روسيا لتحقيق طموحاتها القيصرية؟

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN
POOL New / Reuters

يبدو أن الحرب الهجينة هي وسيلة روسيا ‏لتحقيق طموحاتها القديمة، التي تعود إلى عهد القياصرة، واستمرت في عصر الاتحاد السوفيتي، ولكن ما الحرب الهجينة؟

لم تعد الحرب كما كانت عليه. ربما لن يكون هذا أكثر وضوحاً مما هو عليه في الصراع الروسي المستمر مع الغرب للهيمنة، الذي يبدو الآن أنه يحدث في السر بقدر ما يجري في العلن، حسب تقرير لموقع Stratfor الأميركي.

فمع بزوغ فجر العصر الرقمي، انتقلت الصراعات بين القوى العظمى من أرض المعركة إلى الفضاء السيبراني، وهو ما احتضنه الكرملين بأذرع مفتوحة، عن طريق شحذ قدراته في الحرب الهجينة.

قد يكون مصطلح "الحرب الهجينة" رائجاً هذه الأيام، لكنه موجود عملياً منذ عدة قرون. فقد ظهر في الحروب النابليونية، والثورات في جميع أنحاء الأميركيتين والحرب الباردة، بطريقة أو بأخرى من خلال الجمع بين التكتيكات التقليدية وغير التقليدية.

ولكن التطور الأخير للتكنولوجيا ووسائل الإعلام قد أعاد اختراع المفهوم، مُغيراً طبيعته عبر إدخال عناصر مثل المتصيدين، والبوتات ونشطاء القرصنة الإلكترونية. وعلى الرغم من وجود بعض الجدل حول تعريف المصطلح، إلا أن مصطلح الحرب الهجينة -على الأقل لأغراض هذا التحليل- يمكن أن يشمل حالياً استخدام أي عدد من الأدوات في عالم الإنترنت، بالإضافة إلى القوات التقليدية والجماعات شبه العسكرية والتدابير الاقتصادية العقابية، والتلاعب السياسي والدعاية السياسية (البروباغاندا) والتضليل. ومع ارتفاع تكاليف الصراع التقليدي، تزايدت أهمية الحرب الهجينة هي أيضاً كأداة في العلاقات الدولية.


تأليب الغرب ضد نفسه


وكان الكاتب الأميركي دوغلاس أوليفانت قد نبَّه إلى أن السنوات الأخيرة أفرزت نوعاً جديداً من المجموعات المسلحة التي تمارس ضرباً جديداً من حرب العصابات، وتضم طاقاتٍ بشريةً متعددة المواهب، وسمَّاها بالهجينة، حسب تقرير نشره موقع الجزيرة.

وصنَّف الكاتب، الذي كان ضابطاً في الجيش الأميركي، كلا من تنظيم داعش وحزب الله اللبناني والمتمردين الأوكرانيين ضمن المجموعات المسلحة التي تشن "الحروب الهجينة"، فهي تستخدم خليطاً من التكتيكات القتالية التقليدية وأساليب حرب العصابات والحرب الدعائية، بينما اعتبر تنظيم القاعدة والمجموعات الأفغانية والعراقية التي حاربت الوجود الغربي ببلادها خارج هذا التصنيف، لافتاً إلى أن حزب الله، هو المجموعة التي تمتلك أكبر إجماع عالمي على تصنيفها بـ"القوة الهجينة".

وتقف روسيا في طليعة هذه الحركة، وفقاً لتقرير موقع Stratfor.

فمنذ استعادة موسكو عافيتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وعودتها إلى الظهور كقوة إقليمية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استخدمت الحرب الهجينة استخداماً واسعاً كعنصر أساسي في استراتيجيتها الأمنية الوطنية، ولا سيما في تعاملها مع الغرب.

ولأنها لم تعد تمتلك القوة التقليدية الساحقة اللازمة لإرهاب منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واستعادة الأراضي التي فقدتها في انهيار الكتلة السوفيتية، فقد اضطرت روسيا إلى اللجوء إلى وسائل أخرى لتعظيم قدرتها وتقليل نقاط الضعف لديها.

لقد ظهرت هذه الاستراتيجية بشكل كامل في أوكرانيا، حيث اعتمدت روسيا على عدة تكتيكات حرب هجينة في شرقي البلاد، الذي مزقته الحرب.

وقد نشر الكرملين قوات "الرجال الخضر الصغار"، التي يقول البعض إنها قوات روسية، على الرغم من أن موسكو زعمت أنها قوات محلية للدفاع عن النفس، فضلاً عن استخدام هجمات إلكترونية وحملات دعائية ضد الحكومة في كييف.

ولم تتوقف روسيا عند ذلك الحد، بل قامت بعمليات مماثلة ضد حلفاء أوكرانيا الغربيين (بما في ذلك التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية) والدول الموالية للغرب في المنطقة المحيطة بروسيا.

بل إن الحكومة الروسية ألمحت إلى عزمها على شنِّ هذه الهجمات قبل تنفيذها.

ففي مارس/آذار 2014، قبل أيام فقط من ضم روسيا للقرم، نشر مستشار الكرملين فلاديسلاف سوركوف قصة خيالية تحت اسمه المستعار، ناتان دوبوفيتسكي، واصفاً مستقبل الحرب. كتب فيها:

"كانت هذه أول حرب غير تقليدية. في الحروب البدائية في القرنين التاسع عشر والعشرين كان الشائع هو اشتباك الجانبين في القتال وحسب. دولتان، وبالتالي كتلتان من الحلفاء، الآن تتصادم أربعة ائتلافات، ليس اثنين ضد اثنين، أو ثلاثة ضد واحد، بل الكل ضد الكل".


دوافع روسيا لهذه الحرب الجديدة


على الرغم من أن الطريقة والحدة التي تستخدم بها روسيا الحرب الهجينة تطورت على مرِّ السنين، إلا أن دوافعها لم تتطور عن الأزمان السابقة.

فبسبب موقعها الجغرافي، لطالما كانت الحدود الغربية لروسيا ضعيفة؛ إذ لا يفصل روسيا عن القوى الكبرى في أوروبا سوى السهل الأوروبي الشمالي الشاسع، والقليل من الحواجز المادية الأخرى؛ ونتيجة لذلك عادة ما كانت المناطق الحدودية الواقعة بينهما ساحات للصراع والمنافسة المستمرة.

تاريخياً، تبادلت روسيا وأوروبا المناورات السياسية والغزو العسكري في كلا الاتجاهين. من تقدُم نابليون في القرن التاسع عشر نحو موسكو إلى الغزو النازي للاتحاد السوفيتي ووصول السوفيت لاحقاً إلى ألمانيا خلال الحرب الباردة.

واستمر الكرّ والفرّ بين الجانبين، سعياً لتوسيع مجالات نفوذهما. أما صعود الولايات المتحدة على الساحة الدولية وانحيازها لأوروبا الغربية ضد روسيا، فقد زاد من شدة هذه المنافسة.

وعلى الرغم من أن نهاية الحرب الباردة أزالت التهديد المباشر للصراع العسكري بين روسيا والغرب، إلا أنها لم تلغ التنافس بينهما.

في الواقع، إن امتداد الاتحاد الأوروبي والناتو في العقود الأخيرة أعاد تذكير روسيا بالخطر الذي يقترب من أبوابها، الخطر الذي ربما يكون وجودياً.

وفي أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت روسيا في استعادة بعض مكانتها السابقة، ويرجع ذلك جزئياً إلى توطيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأركان السلطة، والانتعاش الاقتصادي الذي سببه ارتفاع أسعار النفط وانشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط.

وتمكنت روسيا من استغلال انتعاشة البلاد الملحوظة، للتصدي لما اعتبرته تعدياً غربياً على محيطها.

ولكن نجاحها لم يدم طويلاً، فبين انتفاضة الميدان الأوروبي في أوكرانيا والعقوبات الغربية والتراكمات العسكرية، وجدت روسيا نفسها تكافح من أجل حماية مصالحها مرة أخرى. ومنذ ذلك الحين، بدأت التوترات بينها وبين الغرب في التصاعد، ما دفع موسكو للجوء إلى الحرب الهجينة بحثاً عن استعادة السيطرة.

وهكذا تعتزم روسيا استخدام مثل هذه التكتيكات، كوسيلة لتعزيز قوتها مقارنة بالغرب.

وتأمل موسكو فى إضعاف خصومها من خلال خلق حالة من عدم الاستقرار داخل الحكومات الغربية، وشق الصفوف بين الدول الأوروبية، مما يضعف التضامن عبر الأطلنطي ويعرقل اندماج الدول مع الغرب.


الأهداف الثلاثة


وتهدف كل هذه الجهود إلى تلبية ثلاثٍ من أهم الضرورات الاستراتيجية الروسية، حسب تقرير Stratfor.

الأولى هي حماية مقاعد السلطة في موسكو وسان بطرسبرج.

أما الهدف الثاني لروسيا، فهو إعاقة النفوذ الأجنبي في محيطها قبل محاولة تحقيق الهدف الثالث، وهو توسيع نطاق نفوذ الكرملين، وصولاً إلى الحواجز الجغرافية الرئيسية مثل سلاسل الجبال الشاهقة، أو منفذ على البحر المفتوح.

ولكن نظراً لوجود عدد قليل من هذه الحواجز في التضاريس المفتوحة بين روسيا وأوروبا، فليس هناك نهاية في الأفق، للشد والجذب المستمر بين موسكو والغرب في القارة الأوروبية.

ويرى Stratfor أن روسيا لم تعد قادرة على استخدام نفس النوع من القوة العالمية التي امتلكتها في الحقبة السوفيتية، وبالتالي فإن الحرب الهجينة سوف تصبح على نحو متزايد أفضل خيار لتعويض نقاط ضعفها، وإضعاف قوة أعدائها.