ضحايا "البقشيش" في مصر.. لماذا أصبحت لقمة العيش أكثر صعوبةً على هؤلاء منذ رفع أسعار البنزين؟

تم النشر: تم التحديث:
FUEL EGYPT
KHALED DESOUKI via Getty Images

في استراحة بين ساعات العمل الطويلة للطعام والتدخين، يبدو محمود مصطفى غير مصدق لما جرى في الشهور الأخيرة من غلاء وظروف ضيقة في الرزق، طالت عشرات الآلاف ممن يعملون مثله في محطات الوقود بمصر.

"لم أتخيل أن لقمة عيشي ستصبح صعبة هكذا عندما رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار في نوفمبر الماضي وعوّمت الجنيه. ارتفعت أسعار كل شيء بجنون، لم أتخيل أن الحكومة ستتخذ خطوة أخرى كهذه بعد ارتفاع الأصوات بالشكوى.. ورغم كل الحديث الإعلامي عن زيادات مقبلة". يقول محمود الذي يعمل في محطة وقود على الطريق السريع الذي يربط بين القاهرة بجارتها الشابة، مدينة 6 أكتوبر.

كان قرار رفع أسعار الوقود في يونيو الماضي مفاجئاً لمحمود وزملائه. شعروا، كما يقول، أن الحكومة تضحي بهم وهي تعلم أنهم لا يتقاضون أجراً ثابتاً عن العمل بمحطة بنزين، كما هو العرف المتبع في مصر بالكامل. "نعتمد كلياً على بقشيش الزبائن.. وتعلم الحكومة أننا لا نملك مهارة لنبحث عن وظائف أخرى".
يرصد محمود بأسى غضب الزبائن من ارتفاع سعر البنزين، ذلك الغضب الذي انعكس على البقشيش. "وجهوا غضبهم إلينا في صورة إكرامية قليلة للغاية، أو الانطلاق بسياراتهم عقب تموينها بعد ترك ثمن الوقود بالضبط، هم أيضاً معذورون، بعضهم يطلب بنزيناً أقل جودة (80 أوكتان) لسيارته الحديثة وهو يعلم أنها ستضر بسيارته فكيف يمكنني طلب بقشيش منه؟".

لا يعلم صاحب قرار رفع الأسعار أن كل سيارة تمر من دون دفع بقشيش تعني بالنسبة لمحمود وزملائه مزيداً من ساعات العمل المجانية تماماً، "ليتهم يقدرون".


عندما ارتفعت كل الأسعار بقرار واحد


وكانت الحكومة المصرية قد رفعت في يونيو الماضي، أسعار البنزين 92 أوكتاناً بنسبة 48%، ليصل إلى 5 جنيهات، بدلاً من 3.5 جنيه للتر، والبنزين 80 أوكتاناً بنسبة 55%، إلى 3.65 جنيه من 2.35 جنيه، والسولار-الذي يعد الوقود الأكثر استخداما لنقل الأفراد والبضائع في مصر- بنسبة 55% أيضاً ليصل إلى 3.65 جنيه للتر من 2.35 جنيه.

تأثر العاملون في محطات البنزين في مصر من الناحيتين، من جهة ارتفعت الأسعار بصور عامة متأثرة بارتفاع سعر البنزين، ومن جهة أخرى تقلصت دخولهم التي كانت بالأساس ما يحصلون عليه من البقشيش. "في السابق كنا نعمل لنحو 12 ساعة ونجمع نحو 150 جنيهاً في اليوم.. والآن نعمل 16 ساعة ولا نكاد نُحصِّل 100 جنيه.. ماذا يمكننا أن نفعل أكثر من ذلك فقط لنعيش"، يتابع محمود، الأب لطفل واحد ويعيل زوجته وأمه.

وأظهرت بيانات نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، خلال الشهر الجاري، ارتفاع معدل التضخم السنوي في مصر إلى 34.2% في يوليو الماضي، فيما سجل التضخم في المدن 33%، وهي أعلى نسبة للتضخم منذ يونيو من العام 1986 عند ما سجل 35.1% كما أنه ثاني أعلى مستوى على الإطلاق منذ بدء تسجيل بيانات تضخم المدن في عام 1958.

وأوضح تقرير الجهاز الإحصائي، أن الزيادة جاءت مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، وطالت اللحوم والدواجن والخبز والخضراوات والفاكهة والسجائر والرعاية الصحية بنسب متفاوتة.


900 جنيه شهرياً


تزوج محمود مصطفى، وهو اسم مستعار، متأخراً من وجهة نظره، وأنجب متأخراً، كما أنه مسئول عن والدته. "كنت ألبي طلباتهم بالكاد. لكنني الآن عاجز عن ذلك. أدوية أمي المريضة تكلفني الآن 900 جنيه شهرياً بعد رفع أسعار الدواء، بالإضافة إلى مصروفات ابني 600 جنيه شهرياً، أي 20 جنيهاً في اليوم. أسكن بالإيجار وأدفع 700 جنيه شهرياً".

وكانت الحكومة قد سمحت لشركات الأدوية المحلية والأجنبية، في فبراير الماضي، برفع أسعار منتجاتها بنسب تتراوح بين 20 إلى 50%، كرد فعل على طلبات الشركات زيادة الأسعار لارتفاع تكلفة المواد الخام عقب تحرير سعر صرف الجنيه، في ظل أزمة طاحنة ضربت السوق وتمثلت في اختفاء أصناف كثيرة من العقاقير.

لم يعد أمام محمود بند يمكن خفض الإنفاق منه سوى المسكن. يخطط الآن للانتقال إلى شقة أصغر بإيجار أقل في منطقة مزدحمة. يعبس وهو يصف مدخل العقار الذي يسعى للانتقال إليه بأنه ضيق ومظلم ومقبض وتملؤه مياه الصرف. "لا ينفق صاحب العقار والسكان أي مبلغ للصيانة.. لكنه الخيار الوحيد أمامي الآن.. أبكي كلما تخيلت رد فعل ابني على شقتنا الجديدة".


"السيجارة" التي خفّضت مصروفاتي


لا يطيق محمود الحديث في وسائل الإعلام عن "الشعب الذي اعتاد الدلع"، ويضرب على ذلك مثلاً بالتدخين. "السيجارة التي أشربها وتنظر إليها كلما تحدثت عن معاناتي المادية لا تعني أنني لا أبالي. حاولت مرات الاستغناء عنها ولم أستطع. تعرف لماذا؟ لأن الاستغناء عنها يكلفني أكثر! هي تصبرني على الجوع الذي أتحمله مع العمل 16 ساعة، آكل خلالها سندوتشتي فول وطعمية وعلبة كشري بـ 15 جنيهاً وأشرب كوب شاي بجنيهين ونصف.. في مقابل تلك السيجارة خفضت نفقات طعامي ومواصلاتي وأصبحت أمشي أكثر.. لم أركب التوكتوك (وسيلة مواصلات صغيرة في المناطق الشعبية) منذ شهر ولن أركبه ثانية"، يتابع العامل.

وكانت الحكومة قد قررت رفع أسعار السجائر عدة مرات في العامين الأخيرين، آخرها في الشهر الماضي عندما أعلنت الشركة الشرقية للدخان (شركة حكومية تحتكر لف التبغ) رفع أسعار السجائر الشعبية (كليوباترا وأصنافها) بنسب تتراوح بين 4.2 و17.6%.


بطاقة التموين


لا يستفيد محمود من قرار الحكومة زيادة الدعم على بطاقات التموين على الإطلاق، "يا محترم أنا أحاول استخراج بطاقة التموين من سنين وإلى اليوم ما طلعتش. أنا أشتغل في بنزينة وغير مؤمن عليّ اجتماعياً ولا صحياً. الحكومة بتشك في اللي زييّ وبتعتبرهم عواطلية جايين ينصبوا عليها.. حتى العيش أبو 5 قروش بقينا محرومين منه. ضحكوا علينا في الأول بكروت ورق ناخد بيها عيش مدعم، وبعدين حصروها في بطاقات التموين بس".

وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي، أعلن في رمضان (يونيو) الماضي -خلال حفل إفطار الأسرة المصرية- رفع قيمة الدعم للفرد في بطاقة التموين من 21 إلى 50 جنيهاً.

ويعد القرار هو الخطوة الأكثر سخاء من الحكومة تجاه المواطنين من بين قراراتها لما تصفه بالحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل، في خضم ما تقول إنه "خطة إصلاح" تنفذها بالتوافق مع صندوق النقد الدولي الذي دعم الخطة ويمول تنفيذها بقرض قيمته 12 مليار دولار.


سوق البقشيش يأكل أولاده


ويوظف القطاع الخاص (الرسمي وغير الرسمي) آلاف العمال في مصر، بدون تعاقدات أو التزامات أو تأمينات عليهم، في عرف ساد وأصبح تقليدياً، ويعمل معظم هؤلاء في قطاعات كالسياحة والنقل والصناعة.

ويجد هؤلاء العمال أنفسهم فريسة للعوز كلما واجه القطاع الذي يعملون به أزمة، وأبرزهم قطاع السياحة الذي لفظ مئات الآلاف من عمالة خلال سنوات ما بعد 30 يونيو 2013، بعد أن أرهقت الضربات الإرهابية القطاع ونالت منه.

"اللي زيي ما عندوش حاجة تاني يشتغلها. أنا حصلت على دبلوم الصنايع من 20 سنة، ولم أتعلم حرفة حقيقية. محطة البنزين شغّلتني وسترتني، ولم أفكر يوماً في الحصول على حقوق كأجر ثابت أو عقد أو تأمين.. لكنني لم أتخيل يوماً أن لقمة عيشي ستصبح صعبة لهذا الحد"، يقولها محمود وهو لا يخفي حزنه العميق من الرئيس الذي وعده ذات يوم بـ"الحنان".