دماء "خورشيد" ليست الأخيرة.. لماذا فشلت كل حكومات مصر في تطوير السكك الحديدية ومنع حوادث القطارات؟

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

بكى المصريون بعد ظهر الأمس ضحايا جدداً لقطارات السكك الحديدية، في حادث وقع بمنطقة خورشيد قرب الإسكندرية، وأسقط 39 قتيلاً وأكثر من 120 مصاباً، تم نقلهم إلى مستشفيات قريبة من موقع الحادث عند مدخل مدينة الإسكندرية.

الحادث أعاد للأذهان تاريخاً دامياً لحوادث القطارات في مصر، قدرتها هيئة السكك الحديدية في إحصائية رسمية بنحو 12 ألف حادث في عشر سنوات، أي بما يزيد يومياً على ثلاث حوادث معظمها صغيرة وبلا إصابات.

في أسباب الحوادث ذكرت الإحصائية أن اقتحام مركبة لمزلقانات السكك الحديدية هو السبب الأكثر شيوعاً بنسبة 85%، ثم خروج القطار عن القضبان بنسبة 15%، غير أن سبب حادث الأمر، وهو تصادم قطارين على قضيب واحد، يعد نادراً في تاريخ الحوادث المصرية، وربما في العالم.

ومن جديد سجل خبراء النقل انتقادات مريرة للحكومة المصرية التي أهملت المرفق الحيوي، ولم تنفق على تجديده وتطويره ولا حتى صيانته منذ منتصف الثمانينيات، حسب تقارير سابقة للبنك الدولي، ورغم مشروعات مشتركة مع هيئات تمويل دولية، من بينها البنك الدولي، لم تنجح هيئة السكك الحديدية في تطوير عملها بما يكفي لتفادي الحوادث الدامية المتكررة.


كيف اصطدم القطاران في "خورشيد"؟


أعلنت هيئة السكة الحديد المصرية فى بيان رسمي لها تشرح فيه أسباب الحادث، وقالت إنه "وقع نتيجة اصطدام قطار ركاب رقم 13 إكسسبريس القاهرة ـ الإسكندرية بمؤخرة قطار رقم 571 بورسعيد ـ الإسكندرية بالقرب من محطة خورشيد على مدخل الإسكندرية"، وأضافت بأنه نتيجة لهذا التصادم "خرج جرار القطار رقم 13 من على القضبان بجانب عربتين من مؤخرة القطار رقم 571"، مما أوقع ضحايا بين مصابين وقتلى.

بينما نقل التلفزيون الرسمي عن مسئول بهيئة السكك الحديد قوله إن الحادث نتيجة "عطل فني وقع بأحد القطارين "أدى إلى توقفه واصطدام القطار الثاني به من الخلف". وعلى الفور تم إعلان الطوارئ الصحية والأمنية لإنقاذ عشرات الضحايا.

وكالمعتاد تم تحميل مسئولية الحادث لعمال الإشارات، فيما قال رئيس لجنة النقل بالبرلمان إن هناك شبهة تعمد وراء الحادث.

زار الدكتور هشام عرفات، وزير النقل، موقع الحادث، وكذلك اللواء مدحت شوشة رئيس هيئة السكك الحديدية وأمر بالتحفظ على مراقب البرج وسائقي القطارين، لحين معرفة الأسباب الفعلية للحادث، إلا أن صحفيين يغطون وزارة النقل أكدوا على أن سائق أحد القطارين من بين قتلى الحادث.

وأصدرت رئاسة الجمهورية بياناً يؤكد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي طلب محاسبة المسئول عن الحادث، ووجه برعاية المصابين، رغم أن الرئيس أعرب عن عدم حماسه لتطوير مرفق السكك الحديدية في مايو/أيار الماضي، وإنفاق الأموال الطائلة عليه من دون مشاركة المواطن في تحمل الأعباء المالية.


الدولة تعترف بعدم كفاءة السكة الحديد


لكن الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث على نحو مختلف في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة، في 2015 "إن السكك الحديدية غير مؤهلة حالياً لتقديم خدمة تليق بالمواطن والمستثمر"، لافتاً إلى أن هذا المرفق يحتاج إلى رفع كفاءة 1000 عربة قطار على الأقل بتكلفة ثلاثة مليارات جنيه."

وأضاف أن حركة التطوير في هذا المرفق تحتاج إلى تدخلاً قوياً بعدما أهملت لفترات طويلة، مشيراً إلى أن السكة الحديد ليست جاهزة لتلعب دوراً في التنمية.

وقال وزير النقل هشام عرفات في تصريحات سابقة أن مرفق السكة الحديد يعاني من أزمات كثيرة ويحتاج إلى تطوير شامل.


هناك 3 أسباب وراء تكرار الحوادث


هناك أسباب مزمنة لحوادث القطارات المتكررة في مصر لم تحاول الحكومات المتعاقبة علاجها، برأي الدكتور أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق والمرور بجامعة عين شمس.

في اتصال مع "هاف بوست عربي" قال عقيل، وهو الخبير في هذا المجال وله دراسات عدة في تطوير النقل في مصر وعدة بلدان عربية، إن الأسباب الأساسية التي تعمق أزمة السكة الحديد في مصر تتلخص في ثلاث نقاط:

1 أزمة غياب التكنولوجيا الحديثة والاعتماد على العنصر البشري

2 عدم وجود رؤية عامة لإدارة السكة الحديد

3 سوء تنظيم من قبل المسئولين، والعشوائية الواضحة في أداء الهيئة، وهي العشوائية التي تنسحب كذلك على ما يسمى تطوير السكة الحديد.


والخدمات لا تتطور بشراء عربات جديدة


"المسئولون الذين يفرحون بالإعلان عن شراء قطارات وجرارات جديدة، لا يسألون أنفسهم أبداً أين ستسير تلك الجرارات والعربات، وما هو حال المزلقانات على طول السكة الحديد، ولا كيف حال الإشارات على الخطوط؟".

هكذا يضيف د. عقيل مشيراً إلى العنصر الأول وراء الحوادث، وهو الإهمال، "معظم الحوادث بسبب المزلقانات أماكن عبور السيارات على خطوط السكة الحديد، أو الإشارات المعطلة".

وانتشر على مواقع التوصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، مقطع مصور لعدد من الأشخاص يشربون سيجارة يبدو أن بها مخدر الحشيش وتداول الكثير المقطع باعتباره دليلاً على الإهمال في السكة الحديد.


الحكومة لا تطور المرفق بالتكنولوجيا


لكن المهندس إبراهيم عبد الجواد، أستاذ الطرق بكلية هندسة القاهرة يرى أن تحميل العامل البشري المسئولية كاملة هو ظلم كبير.

يقول عبد الجواد في اتصال مع "هاف بوست عربي" إن "المسئول الأول والأخير عن تكرار هذه الحوادث هو الهيئة والحكومة ممثلة في وزارة النقل. "الهيئة تصرف ملايين الجنيهات على المكافآت والحوافز بينما تترك أسباب الحوادث وتتعامل معها باستهانة".

الاعتماد على التكنولوجيا هو السبيل الوحيد لإنقاذ هذا المرفق المهم، والذي ينقل حوالي 10 ملايين يومياً، كما يقول عبد الجواد، "فأسباب الحوادث واضحة: لو كانت الإشارات تعمل ما وقع حادث الأمس، وكانت الإشارات ستبلغ السائق تلقائياً بأن هناك قطاراً متوقفاً أمامه وبالتالي سيتوقف قبل الاصطدام به".


وهناك أزمة في التمويل وفي توفير الاعتمادات


الدكتور هشام عرفات، وزير النقل، قال في تصريحات صحفية في يوليو الماضي إن الوزارة قدرت ما تحتاجه لتطوير المرفق بـ 45 مليار جنيه إلى جانب القروض الميسرة المتوفرة لها، وأضاف بأن الوزارة تستعد لتنفيذ خطة لتطوير المرفق من تجديد القضبان والإشارات وشراء جرارات جديدة.

وأكد الوزير على أن تطوير المرفق واستخدام التكنولوجيا فى إدارة المرفق هو السبيل الوحيد لتقليل الأخطاء البشرية وتفادي حوادث القطارات.

ووضعت ميزانية الدولة 2016-2017 ما قدره 7.5 مليار جنيه لهيئة السكك الحديد، بينما تم اعتماد 3.5 مليار لموازنة 2017-2018، وقال اللواء سعيد طعيمة، رئيس لجنة النقل بمجلس النواب، في مداخلة هاتفية مع قناة "العربي" إن الانخفاض في موازنة العامين يرجع إلى أن هيئة السكك الحديدية لم تصرف كل المخصص لها، وهو ما يعني حسب اللواء أن الأزمة ليست في التمويل وإنما في صرف الأموال المخصصة.