الإصلاح يصلُ إلى مائدة الفقراء.. حكومةُ مصر تحرم هذه الفئات من دعم البطاقات التموينية فهل تمهِّد لإلغائه؟

تم النشر: تم التحديث:
SD
sm

كلما تحدثت الحكومة المصرية عن الدعم، تحسس غالبية المصريين جيوبهم وقلوبهم، خوفاً من مستقبل هذا الدعم خوفاً من إلغائه، بينما تتهم الحكومة الإعلام بالمسئولية عن ترويج شائعات وتثير البلبلة لدى المواطنين.

بعد صدور التعديلات الأخيرة قواعد استخراج البطاقات التموينية قبل أيام، عاد القلق بين الفئات المستحقة لهذه البطاقات، وتصل في تقدير وزارة التموين إلى حوالي 95% من إجمالي الشعب المصري. وقال مسؤولو الوزارة إن كل ما حدث هو أن وزيرهم علي مصيلحي، أعاد نشر قرار أصدره بنفسه أثناء توليه حقيبة التضامن الاجتماعي في عهد حسني مبارك. قرار ينص على حظر الدعم عمّن يتجاوز راتبه على 1500 جنيه، نحو 85 دولاراً، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً بسبب اختلاف قيمة المبلغ بين التاريخ الأول لصدور القرار عام 2009، حيث كان المبلغ يساوي أكثر من 200 دولار، وقيمته الآن بعد تعويم الجنيه.

ودشنت الحكومة حملة ترويجية للتعريف بنظام التموين الجديد حملت اسم "حقنا" في تناقض لافت مع ما يراه أغلب المصريين اقتطاعاً من حقوقهم وتحميلهم عبء الإصلاح الاقتصادي المزعوم.

واعتبرت صباح إبراهيم، السيدة الخمسينية التي تقف أمام محل بقالة تموينية بمنطقة السيدة عائشة، في طابور مخصص للنساء أن السلع التموينية "هي اللقمة اللي تسد الجوع"، وقالت في حديثها مع "هاف بوست عربي": أحمل شنطتي كل شهر للحصول على التموين، لأنني لا أستطيع الاستغناء عنه أبداً. الأسعار في السوق لا تحتمل.


ما القواعد الجديدة لإصدار بطاقات التموين؟


قبل أيام نشرت قواعد استخراج البطاقات التموينية الجديدة، وفقاً لما نشر بالجريدة الرسمية، على ألا يزيد عدد الأفراد على البطاقة الواحدة عن 4 أفراد (أب وأم وطفلان).
كما تنص على ألا يزيد الحد الأقصى لدخل أصحاب المعاشات (فوق الـ 60 عاماً) على 1200 جنيه، وللعاملين بالحكومة والقطاع الخاص وقطاع الأعمال على 1500 جنيه.
وبحسب ممدوح رمضان، المتحدث باسم وزارة التموين، في حديث مع "هاف بوست عربي" فالقرار يتعلق بمن يسعون إلى إصدار بطاقات تموينية جديدة. "في الماضي لم يكن هناك حد أقصى للراتب الذي يحصل عليه المتقدم بطلب الحصول على بطاقة تموين. حتى إجراءات تنقية بطاقات التموين التي قامت بها الوزارة في الفترة الماضية لم تطلب الاستعلام عن راتب صاحب البطاقة وإنما كانت تطلب التأكد أن المسجلين في البطاقات على قيد الحياة وموجودين داخل مصر"، كما يقول.


ما الفئات التي أصبحت محرومة من الدعم؟


القواعد الجديدة تحرم الأسرة التي يزيد عددها على أربعة أفراد من الحصول على بطاقات التموين، بينما كان هذا الشرط غير موجود في الماضي، وكانت الوزارة تفتح كل فترة باب تسجيل المواليد الجدد.

وبحسب القرار المنشور في الجريدة الرسمية الثلاثاء الماضي فإنه سيكون من حق العمالة الموسمية والحرفيين والمهنيين وعمال التراحيل والمتعطلين الحصول على بطاقات شرط ألا يتجاوز دخل الفرد الشهري 800 جنيه.

يقول المتحدث باسم وزارة التموين، هذه الفئات كانت محرومة من الاستفادة بدعم السلع التموينية، لكن بقرار الوزير الجديد سيكون من حقها إصدار بطاقة تموين تمكنه من الحصول على السلع المدعومة.


ما تأثير القواعد الجديدة على منظومة التموين؟


"لن يتأثر أصحاب البطاقات القديمة بهذا القواعد" يقول بحسم ممدوح رمضان، المتحدث باسم وزارة التموين، مضيفا: "ما لا يعلمه الجميع أن هذا القرار بنصه موجود في أدراج الوزارة منذ 2009، وكل ما فعلته الوزارة حاليا هو أنها أخرجت القرار إلى حيز التنفيذ، ولأسباب إنسانية بحتة".

وأكد أن "الوزارة قررت تفعيل هذه القواعد بشكل مؤقت حتى تنتهي لجنة العدالة الانتقالية في مجلس الوزراء من وضع المحددات والآليات والضوابط الجديدة لمن يستحقون الحصول على دعم".


متى يتم تطبيق القواعد الجديدة على الجميع؟


يقول المتحدث باسم الوزارة إن ذلك سيحدث فقط بعد صدور آليات التطبيق بصورة تفصيلية. "يأتي إلينا رجل لا يستطيع تحمل الانتظار حتى انتهاء لجنة رئاسة الوزراء ويطلب تموين ونحن لا نستطيع ذلك لأنه لا يوجد قواعد لذلك وعليه فعلنا هذه القواعد بشكل مؤقت وبعد صدور الآليات النهائية والثابتة ستطبق على الجميع".

يضيف أن القرار نشر في الجريدة الرسمية وهذا يعني أنه أصبح بالفعل نافذاً، "فكل شخص سيذهب إلى مكتب تموين الآن يطلب استخراج بطاقة تموينية جديدة سيطلب منه المستند الدال على قيمة الدخل لرب الأسرة فقط، وليس إجمالي دخل الأسرة الزوج والزوجة".


هل القواعد الجديدة خطوة لإلغاء الدعم؟


ينفى رمضان ذلك، "لأن عدد المسجلين ببطاقات التموين حالياً حوالي 95% من نسبة السكان في مصر، والقرار الأخير هو قرار محدد واستثنائي ويخص البطاقات التموينية الجديدة فقط. المساواة بين المواطنين في الحصول على دعم السلع هو ظلم في الحقيقة والحكومة لديها اتجاه بأن يصل الدعم إلى مستحقيه تنفيذاً للدستور الذي نص على العدالة الاجتماعية".

وتنفي الحكومة المصرية دائماً ما يتردد عن إلغاء الدعم على السلع الأساسية (التموين)، وتؤكد أنها تعمل على تنقية جداول المستحقين، ووفقاً لآخر إحصاء عن الدخل في مصر فهناك حوالي 27.8% لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب، وبحسب تصريحات رسمية سابقة لوزير التموين والتجارة الداخلية، على مصيلحي، فإن عدد المستفدين من التموين حوالي 68.8 ملايين مواطن من خلال نحو 20.8 مليون بطاقة تموين.


وهل من يحصل على 1500 جنيه أصبح غنياً؟


أمام محل تموين السيدة عائشة، قال أحمد السيد، "ابني متزوج من ثلاث سنوات ولديه طفل واحد، ومن المفترض أن يتقدم للحصول على بطاقة تموين جديدة، هو عامل بشركة أدوية، وراتبه حوالي 2000 جنيه فهل ذلك يعني أنه لن يحصل على بطاقة تموين؟" ويضيف "ابني يسكن في مساكن الزلزال بالمقطم -منطقة شعبية أقيمت خصيصاً لمتضرري زلزال 1992- وإيجار الشقة 900 جنيه وإذا أضفت إليها 100 جنيه أخرى كهرباء ومياه يتبقى له 1000 جنيه من راتبه، فهل لدى الدولة مسئول واحد يقول كيف تعيش أسرة مكونة من ثلاثة أفراد بـ 1000 جنيه في الشهر ومطلوب منهم أكل وشرب ومواصلات؟"

ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن معدل التضخم السنوى قفز إلى 32.9% فى يوليو 2017، وهو ما يعني ارتفاع الأسعار بشكل كبير، ويواصل التضخم ارتفاعه منذ تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، إذ بلغ التضخم في يونيو الماضي 29.8% وفي مايو كان 29.7%.


ما الذي يحصل عليه الفرد في بطاقة التموين؟


حتى يوليو 2014 كانت وزارة التموين تعتمد على منظومة تتيح لكل فرد على بطاقة التموين الحصول على 2 كيلو أرز ومثلهما سكر وكيلو ونصف زيت، وكان سعر كيلو السكر في التموين جنيهاً وربعاً وسعر كيلو الأرز كان جنيهاً ونصفاً وسعر كيلو الزيت ثلاثة جنيهات، إلى أن جاء وزير التموين الأسبق خالد حنفي، وأعلن تطبيق منظومة جديدة للتموين في منتصف 2014، ووفقاً للمنظومة الجديدة تم تحرير سعر السلع التموينية، على أن يحصل كل فرد في بطاقة التموين على 15 جنيهاً شهرياً كدعم ثابت، وحددت 33 سلعة يمكن للمواطن شراؤها من بقالي التموين، ورفعت الحكومة نصيب الفرد إلى 18 جنيهاً.

وفي نوفمبر 2016 عقب إعلان تحرير سعر الصرف، قررت الحكومة زيادة دعم الفرد على بطاقات التموين ثلاثة جنيهات، وأصبح كل فرد مسجل في بطاقة التموين يحصل على 21 جنيهاً بدلاً من 18 جنيها، وقالت الحكومة إن هذا القرار جاء في محاولة لمواجهة ارتفاع الأسعار التي سترافق قرارات تحرير سعر العملة، وفي يونيو 2017 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل الإفطار الرمضاني للأسرة المصرية، "قيمة الدعم والتكلفة المالية لتلك الحزمة في الموازنة الجديدة للدولة ستبلغ 85 مليار جنيه وذلك كدعم مقدم للسلع المربوطة على بطاقة التموين".


ما هي السلع التي يمكن أن يحصل المواطن عليها؟


على الرصيف المجاور لمحل البقالة التموينية بالسيدة عائشة، يجلس رجل في أواخر الخمسينيات، يدخن سيجارته، وإلى جواره شنطة خرج بها من المحل، "يستريح لأنه يقف في الطابور منذ ساعة تقريباً"، يقول لـ"هاف بوست عربي": "عندي 4 أبناء وأنا وزوجتي ما يعني أننا 6 أفراد في البطاقة، نحصل شهرياً على 300 جنيه كدعم من الحكومة، أشتري بها 20 كيلو أرز، و10 كيلوات سكر و5 كيلوات زيت". يحسبها الرجل أكثر من مرة، ويقول: "بالذمة في أسرة فيها 6 أفراد هيعيشوا بـ300 جنيه في الشهر".

ويضيف: "رغم كل شيء لا أستطيع أن أشتري السلع التي أحصل عليها من التموين من السوق الحر".

يقول علاء أحمد، صاحب محل بقالة تموينية، بالسيدة عائشة، "الوزارة وضعت تسعيرة لثلاث سلع أساسية الزيت والسكر والأرز"، ويخرج من درج مكتبه قائمة بالأسعار، وفيها سعر كيلو السكر 10.00 جنيه، وكيلو الأرز المصري المعبأ 6.50 جنيه، أو كيلو الأرز الهندي المعبأ بـ 6.50 جنيه، والسلعة الثالثة حسب علاء هي الزيت الخليط والعبوة التي تزن 800 جرام تباع بسعر 14.00 جنيه.

ويشير علاء إلى عبوة زيت أخرى تحمل اسم "تحيا مصر" الذي يورده الجيش إلى الوزارة، ويقول الوزارة "قررت رفع سعره بداية الأسبوع الجاري من 16 جنيه إلى 20.5 جنيه".

ويخرج علاء ورقة أخرى من مكتبه ويقول: "هناك قائمة بـ 20 سلعة أخرى أقرتها وزارة التموين" ومنها مكرونة 350 جراماً بسعر 2.25 جنيه، وعدس مجروش 500 جرام بسعر 10.00جنيه، وفول معبأ 500 جرام بسعر 3.50 جنيه، ومسلي صناعي 500 جرام بسعر 13.00 جنيه، ومسلي صناعي 800 جرام بسعر 25.17 جنيه، ودقيق 1 كجم بسعر 6.25 جنيه.

ويقول علاء إن هذه القائمة صدر بها منشور وزع على محلات البقالة في يوليو الماضي، ويضيف: "الوزارة قالت إن القائمة ستشمل 40 سلعة لكنها لم تبلغنا رسمياً بها حتى الآن".