التقاهما وصورهما بجواله فألهب مشاعر الألمان.. قصة شقيقين سوريَّين احترقا في قصف والصدفة نقلتهما لأوروبا للعلاج

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

عندما سقطت قنبلة على مطبخ منزل والديهما في القصير بريف حمص، في شهر مارس/آذار 2012، بدا أنه ليس لدى أحمد عباس (17 عاماً حينها) وهنادي (13 عاماً)، الموجودَين فيه، فرصة للنجاة؛ إذ انفجر الغاز المنزلي وتحول المكان إلى كتلة من نار؛ ما أدى إلى احتراق 75٪ من جسد أحمد، وكان الوضع لدى شقيقته أسوأ، فاحترق 85٪ من جسدها، مخلفاً آلاماً لا تطاق.

ولتعذُّر علاجهما في سوريا، التي كانت تشهد حرباً واسعة، هرّبهما مقاتلو المعارضة رفقة أقاربهما، وهما غائبان عن الوعي وفي وضع صحي حرج مهدِّد للحياة، مسافة 30 كيلومتراً حتى الحدود اللبنانية-السورية المزروعة بالألغام، ثم نقلهما موظفو الصليب الأحمر إلى مشفى في مدينة طرابلس اللبنانية.

كان أحمد يعتقد أنه على وشك الموت، في الوقت الذي كان يتم فيه نقله إلى لبنان، قائلاً لأحد الأشخاص الذين كانوا معه أن يشكر الذين ساعدوه، متوقعاً أن يلقى عائلته في الجنة مجدداً، حسبما قال خلال مشاركته في برنامج "ماركوس لينز" الحواري على القناة الألمانية الثانية الشهر الماضي.

وسط هذه الظروف التي كانت تنبئ بقرب وفاتهما، قادت الصدفة مراسلاً حربياً ألمانيّاً هو كارستن شتورمر إلى المشفى، والذي تأثر لدى رؤيتهما والتقط لهما صورتين، مطلقاً نداء مساعدة باللغتين الألمانية والإنكليزية لإنقاذهما، فانتشرت قصتهما على نطاق واسع.

وشاهد معارف المراسل في ألمانيا النداء والصور وبدأوا بمبادرة مساعدة كبيرة.

وقال شتورمر لبرنامج "ماركوس لينز" التلفزيوني، إن دخوله بشكل شرعي إلى سوريا رُفض على الحدود، حيث كان يريد تغطية الأوضاع في حمص، ولم يكن يجرؤ على الدخول بشكل غير قانوني؛ لعدم وجود شبكة من العلاقات يعتمد عليها، وشاهد الآلاف من النازحين القادمين يومياً من سوريا، وبدأ يغطي أوضاعهم صحفياً ويزور المشافي ويشاهد كيف تتم معالجة الجرحى.

وأضاف أن شخصاً كان يعمل منظِّماً ودليلاً معه، اقترح عليه -وهما عائدان إلى طرابلس في 18 مارس/آذار 2012- زيارة طفلين جريحين أوضاعهما ليست على ما يرام، وكان حينها جائعاً ويشعر بألم في الرأس ويريد النوم، وليست لديه رغبة في سماع المزيد من القصص، لكن المساعدة الكبيرة التي قدمها له الدليل دفعته للقبول.

شاهد الشقيقين عاجزَين عن الحركة. وبدا له، وفقاً للخبرة التي اكتسبها من التغطية الصحفية لصراعات أخرى، أن فرص نجاتهما ضئيلة، وبدا غاضباً قليلاً من الدليل؛ لأنه جعله في وضع لا يستطيع فيه فعل شيء حيال الأمر؛ إذ إنه صحفي، معتبراً مجرد الكتابة ليس كافياً، ثم التقط صورتين لهما ونشرهما.



s

وكان الأطباء هناك يستطيعون إنقاذ حياتهما فقط عبر زرع الجلد لهما، إلا أن ذلك لم يكن متوفراً لديهم، وبات الأمر يتطلب نقلهما إلى دولة توفر هذا العلاج كالولايات المتحدة أو ألمانيا، أو جلب الجلد إلى لبنان.

ويقول شتورمر في مقال بموقع "بيلد أونلاين"، إن صورهما تسببت في موجة من التعبير عن الاستعداد للمساعدة، فوصلت مبالغ التبرعات إلى مئات الآلاف، وعبرت منظمة "أين هيرز فور كيندر" التابعة لبيلد، عن رغبتها في التكفل بمصاريف العمليات الجراحية.

وقال أطباء الأطفال في مشفى "هاونرشن" الخاص بالأطفال في ميونيخ، إنهم مستعدون لعلاجهما، مضيفاً أن الكثير من المهارة الدبلوماسية نجحت في تمكين نقلهما بطائرة إنقاذ تابعة لنادي السيارات الألماني (أداك)، من بيروت إلى ميونيخ، في وقت لم يكن الاثنان يحملان أي جوازات سفر أو أوراقاً ثبوتية، وهكذا وصلت هنادي لألمانيا تعاني فشلاً في عمل عدة من أعضاء جسمها.



s

وأشار إلى أن العمليات الجراحية التي خضعا لها دامت عدة أيام، أجراها 15 طبيباً تطوعاً دون تلقّي أي مال، وأمضيا 8 أسابيع في غيبوبة اصطناعية بعد التدخلات الجراحية، تلتها في الأشهر اللاحقة العشرات من العمليات الأخرى.

ويقول أحمد، حينما تم سؤاله عن شعوره بعد أن استفاق من الغيبوبة في ميونيخ، إن البياض كان يسود كل شيء حوله، من الأغطية إلى لباس الممرضات، فظن نفسه موجوداً في الجنة، ولم يكن يعرف ماهية اللغة، مضيفاً أنه بعد الفترة العلاجية التي دامت أكثر من 8 أشهر، بدأ بالتعرف على المكان الذي يقيم فيه، وبدأ بتعلم الألمانية في المشفى.

ويضيف خلال الحوار التلفزيوني، أنه لولا الصحفي كارستن لما كان على قيد الحياة اليوم، وأنه يريد أن يرى كارستن وأطباء عالجوه والشخص الذي ساعدوه وكيف أصبح الآن وأن يكونوا فخورين به.

أما اليوم، يغطي شعر أحمد، البالغ من العمر 21 عاماً، الندب التي خلفتها الإصابات والعمليات، لكنه يتحدث باللغة الألمانية، وبدأ تدريباً مهنياً كمساعد في مجال التقني الطبي.

أما الذي دفعه للدخول في هذا المجال المهني، فيقول إنه لولا مساعدة الأطباء بألمانيا، لما نجا هو وأخته؛ لذا يود الآن مساعدة الآخرين، والمساهمة في إنقاذ حياة الألمان بدوره.

وأسس أحمد نادياً اسمه "الكورس السوري للسلام"، يغني فيه سوريون يعيشون بميونيخ، لأجل السلام في بلادهم، بحسب الموقع الرسمي. وكان أحمد ضمن مجموعة من 140 شخصاً من مختلف أنحاء ألمانيا، تم تكريمهم من قِبل المستشارة أنجيلا ميركل، في شهر أبريل/نيسان الماضي، بدار المستشارية، على جهودهم في الاندماج.


وما زالت شقيقته هنادي تذهب إلى المدرسة الآن، وترغب في تجاوز فحص الثانوية "الأبيتور"، والدراسة بالجامعة في ألمانيا، التي تقول إنها أصبحت موطناً لها. وما زال والداهما يعيشان في مخيم للاجئين في لبنان، ويتواصلان معهما عبر الإنترنت.

لكن الصحفي أيضاً يرى من جانبه، يوم لقاء الشقيقين في ربيع عام 2012 قد غير حياته كما ذكر في كتاب نشره مؤخراً عن إنقاذهما، رغم أنه شهد الكثير من الآلام والصراعات خلال عمله، موضحاً أسباب تقييمه هذا بأن المرء لا يملك في حياته فرصة المساهمة في إنقاذ حياة شخصين مراراً، وأنه على الرغم من اقتصار دوره على أخذ صورتين ونشرهما، لكنه يدري أنه لولا انتشارهما على الإنترنت، لما تدفقت المساعدة، وأن الصحافة تتجاوز مجرد نشر القصة، فلم يعرض كتابة هذه القصة في الجرائد والمجلات رغم قربه منهما حتى ضمنه في كتابه مؤخراً.

وأوضح أن ما جرى بيّن له كيف اجتمعت مجموعة من الغرباء لمساعدة شخصين غريبين عنهما، الأمر الذي يعتبره بمثابة هبة كبيرة سترافقه طوال حياته.