صراع بين الحكومة ورجال الأعمال بالجزائر.. ما حقيقة التسريبات التي كشفت غضب بوتفليقة من تحرّشات رئيس وزرائه؟

تم النشر: تم التحديث:
ABDELMADJID TEBBOUNE
RYAD KRAMDI via Getty Images

صراع غامض لا يُعرف من سينتصر فيه، يدور بأعلى هرم السلطة الجزائرية، في ظل غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسبب المرض، ولكن كل الأطراف المتصارعة تؤكد ولاءها المطلق للرئيس وتزعم دعمها له، وسط تزايد التسريبات المنسوبة إليه في إطار الضربات المتبادلة بين الخصوم.

اندلعت مواجهة شرسة بين الحكومة بقيادة الوزير الأول عبد المجيد تبون (رئيس الوزراء)، ورجال الأعمال، وفي مقدمتهم رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، علي حداد، على خلفية التوجه الذي أعلنه تبون بفصل المال عن السلطة السياسية.

واستُخدمت في هذه المواجهة كل أدوات الحرب الإعلامية والنفسية، ونُسبت في معظمها إلى شخص الرئيس، الغائب بسبب المرض.


إعصار في قلب الصيف


كان متوقعاً أن صيف 2017 في الجزائر، سيكون أكثر حرارة من سابقيه، ليس بسبب المناخ الساخن ومعاناة الجزائريين مع حرائق الغابات؛ بل بسبب المعركة الحامية الوطيس في أعلى هرم السلطة، والتي ظهرت شرارتها في 20 يونيو/حزيران 2017، عندما قال الوزير الأول، عبد المجيد تبون، عبارته الشهيرة "سنفرّق بين المال والسلطة ولْيسبح كلٌّ في فلكه".





كلام الوزير الأول، فُهم على أنه تهديد صريح لرجال الأعمال، وعلى رأسهم رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، علي حداد، الذي بلغ منزلة مرموقة في عهد الحكومة السابقة تحت اسم "الشريك" الأساسي لتطوير الاقتصاد الوطني.

حداد، قام برد فعل سريع واجتمع بالأمين العام للمركزية النقابية عبد المجيد سيدي وعدد من رجال الأعمال، في لقاء وُصف بالسري بفندق الأوراسي في العاصمة الجزائر، تُوِّج ببيان ختامي يندد بتصرفات الوزير الأول (رئيس الوزراء).

وتسرَّب لوسائل الإعلام تسجيل سري، عما دار بين المجتمعين في اللقاء الذي جرى بتاريخ 18 يوليو/تموز 2017، قال فيه علي حداد: "تبون جاء لمواجهتي وأنا لست سهلاً أبداً"، في إشارة إلى أنه سيكسب المعركة.

أيام قليلة تركت الاعتقاد بهدوء الزوبعة، لكنها اندلعت مجدداً في 30 يوليو/تموز 2017، وتحديداً خلال جنازة المجاهد ورئيس الحكومة الأسبق رضا مالك، حينما ظهر حداد والأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبد المجيد سيدي السعيد، مع شقيق الرئيس بوتفليقة ومستشاره الخاص سعيد بوتفليقة، وكلهم يتبادلون ضحكات وقهقهات، وهو ما فُهم على أنه ضربة موجعة للوزير الأول، حيث انتصرت الرئاسة لرجال الأعمال.


من يحصل على دعم الرئيس؟


بلغ الصراع بين رئاسة الحكومة (الوزارة الأولى) ورجال المال، درجة غير مسبوقة، ولم تظهر أية مؤشرات على تهدئة محتملة؛ بل ويسود اعتقاد بسيناريوهات مفتوحة على جميع الاحتمالات، من ضمنها انتصار ساحق للوزير الأول تبون أو إقالة مرتقبة له.

ولعل تصاعد التوتر بين المعسكرين، سببه غياب الطرف المحكِّم، وهو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أنهكه المرض، ولا يتواصل مع شعبه إلا من خلال المراسم الرئاسية والرسائل التي تصدر في المناسبات.

ويستغل الجميع غيابه القهري، لتمرير مشاريعه وما يخدمه، وذلك بالاستناد إلى شماعة دعم ومساندة الرئيس.

فقد جاء في بيان رجال الأعمال، عقب اجتماع الأوراسي الشهير، أنهم يكنُّون "ولاءً مطلقاً وغير مشروط لشخصية وحيدة، هي رئيس الجمهورية"، بمعنى أنهم لا يعترفون بما يصدر عن رئيس الوزراء (الوزير الأول)، خاصة ما تعلق بفصل المال عن السياسة.

وجاء رد الوزير الأول، في بيان رسمي، أكد فيه أن "فصل السلطة السياسية عن المال، مدرج ضمن مخطط عمل الحكومة الذي زكاه رئيس الجمهورية والمصدَّق عليه من قِبل البرلمان بغرفتيه".

وأضاف: "لا شيء يمكن أن يثني الحكومة، التي ستظل ملتزمة بحزم بأهدافها الموجودة في مخطط عملها؛ تنفيذاً لبرنامج رئيس الجمهورية، المصدر الوحيد للشرعية".

في الجهة المقابلة، وبعد صوره التي اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي برفقة شقيق الرئيس، عاد علي حداد ليؤكد أنه داعم وفيٌّ لبرنامج الرئيس وأنه ضحية لمواقفه في الأحداث الكبرى التي مرت بها البلاد، ويقصد دعمه للفترة الرابعة لبوتفليقة، حيث كان من أكبر ممولي حملته الانتخابية.

وقال حداد في بيان نُشر في الإعلام: "لا يخفى أن الهجمات التي تعرضت لها كانت بسبب مواقفي تجاه المواعيد الهامة في حياة البلاد والتي تبنَّيتها بقناعة".


من أطلق تسريب التحرش باسم الرئيس؟


استعملت الأطراف المتصارعة طرقاً تعتمد على الدعاية والحرب النفسية من خلال وسائل الإعلام، ولم تجد مانعاً في الزج باسم الرئيس بوتفليقة فيها.

نشرت قناة "النهار" الخاصة، يوم 8 أغسطس/آب 2017، بياناً قالت إنه من رئيس الجمهورية للوزير الأول يطالبه فيه بـ"التوقف عن التحرش برجال الأعمال"، وأن ما "يقوم به مجرد مبادرات حكومية تم الترويج لها على نطاق واسع، وتسيء إلى سمعة البلاد في الخارج".





القناة ذاتها، قبل يوم واحد نشرت خبر لقاء الوزير الأول، عبد المجيد تبون، في أثناء وجوده بعطلة في فرنسا، بنظيره الفرنسي إدوارد فيليب، وكتبت أن "اللقاء جرى دون علم الرئاسة وأنه أمر غير مسبوق".

في المقابل، ذكر مصدر مقرب من الوزير الأول تبون، لـ"هاف بوست عربي"، أن "ما سربته (النهار) على أنه كلام الرئيس، في الحقيقة هو رسالة وقَّعها مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى، بعث بها لتبون قبل ذهاب الحكومة في عطلة، وأن أطرافاً استغلت وجود الوزير الأول خارج البلاد وسرَّبتها للصحافة ونسبتها للرئيس".

ونقل موقع "كل شيء عن الجزائر"، عن مصادر دبلوماسية جزائرية، أن "لقاء تبون ونظيره الفرنسي، جرى بترتيب مسبق وحضره ممثل عن وزارة الخارجية الجزائرية، الذي دوَّن فحوى اللقاء التعارفي بين الرجلين".

الأمر الذي ينفي فرضية تصرف الوزير الأول الجزائري دون إذن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وقبل شروع الوزير الأول، عبد المجيد تبون، في مسار الفصل بين السلطة والمال، أكدت مصادر إعلامية لقاءه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ونائب وزير الدفاع الوطني قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، في 14 يونيو/حزيران 2017، حيث تلقى أوامر صارمة بتقليم مخالب رجال الأعمال الذين خانوا الثقة ولم يساهموا في تنويع الاقتصاد مثلما كان مرجوّاً منهم.


أين بوتفليقة مما يجري؟


يُجمع عدد من الجزائريين على أن حالة الغموض التي تغذيها الشائعات والتسريبات المنسوبة للرئيس، سببها غياب الأخير وعجزه عن حسم الأمور بشكل واضح ومباشر نظير متاعبه الصحية.

وقال الصحفي سعد بوعقبة في عموده "نقطة نظام"، إن "الخلط بين المال والسياسة أصبح بالفعل يمسّ بالسير العادي لمؤسسات الدولة، وأن المال أصبح بالفعل يتحرش بالدولة.. بوتفليقة الذي يقال عنه إنه رجل دولة، كيف يسمح بأن يتحرش المال بأجهزة ومؤسسات الدولة؟! والمصيبة أن ذلك يتم عبر إعلام القطاع الخاص".

وانتقد بعض النشطاء الأوضاع في الجزائر.