الغاز الإسرائيلي في مصر.. لماذا تستورد القاهرة الغاز رغم إعلانها الاكتفاء الذاتي قريباً؟!

تم النشر: تم التحديث:
ISRAELI NATURAL GAS
MENAHEM KAHANA via Getty Images

اعتبرت تقارير صحفية إسرائيلية أن مصر ربما تكون في طريقها لتصبح سوقاً رئيسة لصادرات الغاز الطبيعي الإسرائيلي، بعد أن وقَّعَ الرئيس عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء 8 أغسطس/آب 2017، قانون تنظيم أنشطة الغاز؛ لتشكيل سلطة تنظيمية للغاز والسماح لشركات القطاع الخاص باستيراده، حسبما ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

يأتي هذا بعد الإعلان عن سلسلة من الاكتشافات الرئيسة، كان أبرزها حقل "ظهر" العملاق، والحديث عن أن مصر سوف تنهي سنوات عديدة من نقص الغاز وتصبح مرة أخرى مكتفيةً ذاتياً بحلول نهاية عام 2018.

في هذا التقرير، تجيب "هاف بوست عربي" عن أهم 10 أسئلة، تخص تحولات أسواق الغاز المصرية، وأسباب الحديث عن فتح الباب لاستيراد الغاز من إسرائيل، فيما يتحدث المسؤولون عن تحقيق الاكتفاء الذاتي قبل نهاية 2018!


متى أنتجت مصر الغاز لأول مرة؟


اكتشفت مصر الغاز، لأول مرة في تاريخها، عام 1967؛ عندما عثرت شركة بلاعيم (المصرية-الإيطالية) على أول حقل غاز في مصر بمنطقة أبو ماضي في دلتا النيل، ليدخل الغاز الطبيعي ضمن مزيج الطاقة المستخدم في مصر لأول مرة أيضا،ً ثم تتوالى الاكتشافات التي ساعدت مصر على الاكتفاء ذاتياً من هذا النوع من الوقود عقوداً؛ بل وتقرر تصدير فوائضها في يوليو/تموز من عام 2003 إلى الأردن ثم إسبانيا وإسرائيل.


كيف تدبر مصر احتياجاتها الحالية من الغاز؟


تستهلك مصر حالياً نحو 6 مليارات قدم مكعبة من الغاز يومياً، 70% منها تستهلكه محطات توليد الكهرباء، والباقي للمنازل (أنابيب البوتاجاز) والسيارات العاملة بالغاز، وبعض المصانع.

وتنتج القاهرة في الوقت الحالي أيضاً، نحو 5.2 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، يُستخدم نحو 300 مليون قدم مكعبة يومياً منها داخل الحقول في عملية الاستخراج.

ولتدبير بقية احتياجاتها، تستورد مصر نحو 800 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً من الخارج عبر تجار ووسطاء، يتعاقدون على الغاز من أي منطقة أو دولة في العالم.
يُشار إلى أن هناك دولتين قريبتين من مصر هما الأكثر إنتاجا للغاز المسال في المنطقة، قطر والجزائر، ولا ترتبط مصر بعقود توريد مباشر معهما.


لماذا تبيع مصر الغاز المدعوم للصناعة كثيفة الاستهلاك؟


جدير بالذكر أن الحكومة تبنّت، منذ عام ،2012 خطة لتقليص حصة القطاع الصناعي من الغاز، ودفعه للاعتماد على السولار والمازوت والفحم وطاقة المخلفات والطاقة الجديدة والمتجددة.

لكنها -وفقاً لخطة الاكتفاء الذاتي- ستعاود زيادة حصة القطاع الصناعي من الغاز لاحقاً.

وكان الغاز الرخيص قبل عام 2011، جزءاً من الوسائل التي اعتمدت عليها الحكومة لتحفيز المستثمرين الأجانب على ضخ أموالهم في القطاع الصناعي بمصر؛ ما جذب استثمارات عديدة في قطاع الأسمنت والأسمدة وغيرها.


لماذا لم تستورد مصر الغاز المسال بدلاً من السولار؟


عام 2011، تحفظت شركات النفط الأجنبية العاملة بمجال البحث والتنقيب عن النفط، على ضخ استثمارات جديدة بمصر؛ خوفاً من الاضطرابات التي صاحبت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي من 6 مليارات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً عام 2010، إلى نحو 3.4 مليار قدم مكعبة يومياً فقط.

وبلغت أزمة نقص إمدادات الغاز الطبيعي في مصر ذروتها خلال عامي 2012 و2013، ولم تتمكن مصر من استيراد الغاز؛ لأنها لا تمتلك أنابيب غاز مع دول مجاورة تنتج بكثافة، كما أن موانئها لا تملك إمكانات استقبال الغاز المسال وتحويله مرة أخرى إلى حالته الغازية، فعوّضت الناقص من الغاز بإمدادات المازوت والسولار الأغلى سعراً.

في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2014، استأجرت مصر أول محطة تغييز عائمة -وهي المحطة التي تقوم بتحويل الغاز من صورته السائلة إلى الغازية- تعمل بقدرة 500 مليون قدم مكعبة يومياً في حدها الأقصى، وقد وصلت تلك المحطة خلال الأسبوع الأول من شهر أبريل/نيسان من عام 2015، وتمكنت بعدها مصر، لأول مرة، من استيراد الغاز المسال، واشترت محطة ثانية من سنغافورة.

خطط مصر لاستيراد المزيد من الغاز تراجعت عقب اكتشاف حقل "ظهر" العملاق للنفط.


ما الذي يتغير بعد اكتشاف حقل "ظهر" العملاق؟


في سبتمبر/أيلول 2015، أعلنت شركة إيني الإيطالية اكتشاف حقل "ظهر" العملاق للغاز في المياه الاقتصادية (تلي المياه الإقليمية) التابعة للحدود المصرية، وقالت إنه يحتوي على احتياطيات تصل إلى 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

يبدأ إنتاج الحقل بنهاية العام الحالي بنحو مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، على أن يرتفع إنتاج الحقل بحلول عام 2019، ليصل إلى 2.7 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

ونظرياً، سيمكّن المشروع مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي في 2018؛ لأنه سيعوض الـ800 مليون قدم مكعبة التي تستوردها مصر وأكثر، مع افتراض ثبات الطلب (وهي فرضية غير واقعية).


كيف ردَّت مصر على رفض قطر إمدادها بالغاز؟


عقب إعلان قطر رفضها بضعة طلبات من أطراف ثالثة تجارية لتوفير إمدادات جديدة من الغاز الطبيعي المسال إلى مصر، قال طارق الملا وزير البترول، إن مشروعات الغاز الطبيعي الجديدة في مصر ستزيد الإنتاج إلى 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً في منتصف عام 2018، ثم بنسبة 100% عام 2020.

والأطراف الثالثة هي شركات وساطة تجارية بين الدول المنتجة للغاز، والدول المستوردة له، دونما حاجة للتعاقد المباشر بين البائع والمشتري.


هل حقل "ظهر" هو أمل مصر الوحيد في الغاز؟




photo

نعلم الآن مصدر المليار قدم مكعبة الإضافية في النصف الأول من 2018، فهل حقل "ظهر" وحده هو فرس الرهان في خطة وزارة البترول لتحقيق الاكتفاء الذاتي؟

بنهاية عام 2018، تتوقع مصر إضافة 1.5 مليار قدم مكعبة من الغاز لإنتاجها من 4 مشروعات مختلفة.

وبحسب بيانات وزارة البترول، تتوزع الزيادات على النحو التالي:

600 مليون قدم مكعبة يومياً من المرحلة الثانية لحقول شمال الإسكندرية.

300 مليون قدم مكعبة من حقل أتول الجديد شمال دمياط.

200 مليون قدم مكعبة بعد زيادة إنتاج الغاز من حقل نورس شمال شرقي الدلتا.

(المشروعات الثلاثة تعمل عليها شركة بريتش بتروليم "بي بي" البريطانية)

400 مليون قدم مكعبة يومياً من المرحلة التاسعة في حقول رشيد، وتعمل عليها شركتا شل الهولندية وبتروناس الماليزية.

ومع توقعات بتناقص طبيعي في إنتاج بعض الحقول، تصل قدرة مصر الإنتاجية إلى 7.4 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً بنهاية 2018. كما تجري مصر محادثات مع موردي الغاز المسال؛ لتأجيل شحنات متعاقد عليها للعام الحالي، بحسب تصريحات لوزير البترول، أكد فيها أن بلاده تستهدف خفض وارداتها من الوقود إلى الثلث بحلول عام 2019 .


ولماذا تستورد الغاز من إسرائيل الآن؟


الاتفاق قديم، والحكومة المصرية ليست طرفاً فيه؛ بل شركة تمثل مستهلكين غير حكوميين.

ففي مارس/آذار 2015، وقَّعَ شركاء "تامار" الإسرائيلية عقداً لمدة 7 سنوات مع شركة دولفينوس القابضة، وهي شركة تمثل المستهلكين غير الحكوميين والصناعيين والتجاريين في مصر، لبيع 5 مليارات متر مكعب على الأقل من الغاز في السنوات الثلاث الأولى.

لكن شركة غاز شرق المتوسط، التي تمتلك وتدير خط أنابيب الغاز الذي يربط بين مصر وإسرائيل، توقَّفت فجأة ولم تتم الموافقات التنظيمية من إسرائيل ومصر قط.

ثم بحث وفد من مجموعة "تامار" الإسرائيلية مع شركة "دولفينز" المصرية، في 19 مارس/آذار الماضي، تفاصيل اتفاق تصدير كميات من الغاز الطبيعي من حقول في إسرائيل للشركة المصرية خلال الشهور القادمة، حسب موقع "آر تي" الروسي.


ما الذي يغيره قرار الرئيس السيسي في سوق الغاز؟


ومن المُتوقَّع أن تُمهِّد السلطة التنظيمية الناشئة والقانون الجديد الطريق أمام شركات القطاع الخاص لاستيراد وتوزيع الغاز داخل البلاد باستخدام شبكة الأنابيب المحلية في مصر، وهي أنشطة تحتكرها الحكومة حالياً، كما ورد في تقرير "هآرتس".

لكن القانون الجديد يعد جزءاً مما وصفته مصر بأنها خطة لتصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الغاز الطبيعي المسال.

وسيبدأ سريان القانون الجديد، الذي يُطلَق عليه القرار رقم 196 لعام 2017، ويهدف إلى اجتذاب مزيد من مشاركة القطاع الخاص في قطاع الغاز السريع النمو بالبلاد، في وقتٍ لاحق من هذا العام (2017).

ومن المُقرَّر أن يُصدِر وزير البترول والثروة المعدنية، طارق الملا، اللوائح، ثم تبدأ شركة إيجاس الحكومية بإصدار تراخيص التصدير.


وهل ستعود مصر لتصدير الغاز مرة أخرى؟


أجاب وزير البترول المصري، طارق الملا، عن هذا السؤال عدة مرات خلال مؤتمراته الصحفية؛ إذ كان يجيب بنبرة واثقة :"إن شاء الله سنبدأ تصدير الغاز المصري مرة أخرى خلال نهاية 2019 أو خلال عام 2020".

وتمتلك مصر ميزة تنافسية فيما يتعلق بالتصدير، لا تملكها إسرائيل التي سبقتها في اكتشافات غاز البحر المتوسط، وهي مصانع إسالة الغاز التي تقوم بتحويل الغاز الطبيعي إلى سائل يمكن شحنه في ناقلات الغاز.

ولدى مصر مجمعان لتصدير الغاز الطبيعي المسال؛ أحدهما في دمياط، والآخر فى إدكو، وتمتلك الحكومة نحو 20% من مجمع الغاز والبتروكيماويات بدمياط، كما تمتلك نحو 24% من الشركة المصرية لإسالة وتصدير الغاز بإدكو، وبإمكان هذه المصانع تسييل نحو 2.1 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، وتصديرها.