لماذا تجاهل نولان تشرشل خلال Dunkirk رغم دوره الهام؟

تم النشر: تم التحديث:
WINSTON CHURCHILL
Evening Standard via Getty Images

في 10 مايو/أيار 1940، أي بعد أشهرٍ قليلةٍ فقط من اندلاع الحرب العالمية الثانية، استُدعِيَ أرستقراطيٌ مسنٌ ومُعاقرٌ للخمر، ينحدر من سلالةِ أحد أشهر قادة إنكلترا العسكريين، وهو دوق مارلبورو الأول، إلى السلطة بعد عقدٍ من النفي السياسي، وعُيِّنَ رئيساً لوزراء بريطانيا.

وفي سن الـ65، كان قد مضى وقتٌ طويلٌ على رحيل وينستون تشرشل عن منصبه، وكان يعتبره كثيرون سبباً في كثيرٍ من الإخفاقات الكبيرة بالحياة السياسية، وأنه مُتشددٌ أثبت حكمه في كثيرٍ من الأحيان خطأه أكثر من صوابه، بحسب تقرير موقع The Hollywood Reporter.

وكان هذا المُسنّ، الذي كان ضابطاً عسكرياً سابقاً ومراسلاً حربياً بالماضي، قد تسبَّب في كارثةٍ في أثناء عضويته بوزارة الحرب خلال الحرب العالمية الأولى؛ إذ يتحمَّل الرجلُ المسؤولية الأكبر في الهجوم الطائش الذي شنَّه التحالف على الإمبراطورية العثمانية بشبه جزيرة جاليبولي، ذلك الهجوم الذي جاء بنتائج عكسية كارثية؛ ما نجم عنه نحو 250 ألفاً من الضحايا على كلا الجانبين.

وبعزله من منصبه، شقَّ طريقه ليصبح مُستشارَ الخزانة (ما يُعادل منصب وزير الخزانة الأميركي). وعلى نحوٍ مُخيبٍ للآمال، ارتكب خطأً فادحاً مُجدداً في عام 1925؛ إذ أعاد الجنيه إلى معيار الذهب وأثار حالةً من الانكماش؛ مما أدى إلى كسادٍ اقتصادي. ومجدداً، عُزِلَ من منصبه، وهذه المرة أُبعِدَ عن الأنظار، ربما بلا رجعة.

ومثلما أنَّ هناك سقوطاً بلا عودة، لم تكن هناك فرصةٌ أخرى له في السياسة البريطانية. فقد حصل بالفعل على فرصتين، وكان من المُؤكَّد تقريباً ألا يُمنح الثالثة. وبدلاً من ذلك، ظلَّ في صفوف المشاهدين، ككلبٍ مسعور يعوي على القمر، وينبح على خطأ منح الحكم الذاتي للهند، ومحتجاً على رغبة الملك إدوارد الثامن في التنازل عن العرش والزواج بـ"المرأة التي أحبها".


بداية التحول


لقد كان تشرشل على الجانب الخاطئ من التاريخ. وبعد ذلك، أصبح فجأةً في الجانب الصحيح منه.

وكان تشرشل هو من أعلَنَ بأعلى صوته عن عصبة السفاحين ذوي القمصان البُنّية الذين استولوا على السلطة في ألمانيا، وكان ذلك أعلى وأوضح من أي شخص آخر. والآن فحسب، بعد سنواتٍ من تجاهل نبوءاته، صدَّقَه الجميع.

وعندما شهد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، نيفيل تشامبرلين، سقوط معاهدة ميونيخ التي أبرمها، وانهيار ميثاق "السلام"، كان تشامبرلين بعيداً وتشرشل في السلطة. وأصبح أعظم فشل في السياسة البريطانية هو أعظم انتصاراته.

ولاح تشرشل بضخامته في أفقِ كل قصصِ البريطانيين بالحرب؛ الأمر الذي جعل غيابه عن فيلم كريستوفر نولان صادماً للغاية. وذلك يُعد واحداً من أكثر الأشياء اللافتة للنظر في فيلمه الرائع بصورةٍ عامة.

فكما لم نر العدو قط في الفيلم (تخيَّل قصة حربٍ لا تقابل فيها الأشرار)، لم نُصادف أيضاً هذا العملاق الذي سما، ليس فقط فوق الحرب؛ بل فوق القرن بأكمله، ذلك العملاق الذي جاء ليُجسِّد جوهر القيادة والصمود. فنغمات صوتِ تشرشل الجهورية، تلك الإيقاعات المُمَيَّزة التي ساعدت في رسمِ صورةِ الحرب العالمية الثانية لجيله وللأجيال التي جاءت بعدها، لم يُسمَح لها بالتدخُّل في المشاهد.

والمرة الوحيدة التي تنامت فيها كلماته إلى مسامعنا كانت فقط في نهاية الفيلم، عندما منحنا الفيلم تذكيراً بأحد أكثر خطاباته شهرةً، تلك التي ألقاها بعد أيامٍ من إخلاء بلدة دونكيرك بإقليم نورد شمال فرنسا.






"لن نستسلم ولن نفشل"


في حديثه أمام مجلس العموم، أعلن تشرشل بجمالٍ وإيجاز، مُعرِباً عن قلقه ألا تتحوَّل هذه الهزيمة الوشيكة إلى نصرٍ، في حين كان يدرك أنَّه بحاجةٍ إلى حشدِ قواته، التي نجت في الأغلب؛ بسبب أنَّ ألمانيا سرعان ما أوقَفَت تقدُّم جنودها: "لن نستسلم ولن نفشل. سنستمر حتى النهاية. سنقاتل بفرنسا، وسنقاتل في البحر والمحيطات، وسنقاتل بثقةٍ متناميةٍ وقوة متزايدة في الجو، وسندافع عن جزيرتنا، مهما بلغت التكلفة. سنقاتل على الشواطئ، والمرافئ، وسنقاتل في الحقول وبالشوارع، وسنقاتل في التلال؛ فنحن لن نستسلم أبداً".

في فيلم دونكيرك، لم يكن تشرشل مَن نَطَقَ هذه الكلمات. فبدلاً منه، صاحَ بها جنديٌ شاب عاد مؤخراً من المعركة بصوتٍ مُتردِّدٍ ومُتعثِّرٍ على متن القطار الذي أعاده إلى الوطن، بعد أن قرأها حينئذٍ في جريدة اليوم، وفعل الكثير من الجنود ذلك بعده.

ونولان معجبٌ بتشرشل بما يكفي للسماح له على الأقل بهذا، ولكن كل الكلمات، حتى تلك التي جاءت على لسانه، جاءت ثانويةً بالنسبةِ للصور والأصوات في عالم نولان. فالحوار يتلاشى، والكلام غير فعَّالٍ أو بالكاد مسموع؛ فالأدوات المركزية للاتصال نفسها لا تعني شيئاً في قبضة الحرب.

وليست الكلمات وحدها هي التي حظيت بأهميةٍ ثانوية، فبإقصاء تشرشل عن الصورة، يُقدِّم لنا نولان بالفعلِ رؤيته هو للتاريخ، والتي تتلخَّص في أنَّ هذا شخصٌ عظيمٌ مثلهم؛ إذ ليس الرجال العظماء أكثر أهميةً من الأشخاص العاديين.

فالتاريخ لديه هذا المخرج في جذبه الانتباه. لكنه ليس تاريخ الدوقات والدوقيات، أو أنصار الأمراء والمؤثرين في السلطة؛ إنه تاريخ الرجل العادي.

يذكر أن الكاتب البريطاني روبرت فيسك كتب مقالاً، في صحيفة The Independent البريطانية، تحت عنوان "فيلم Dunkirk.. نسخة مضللة تتجاهل شجاعة الجنود من السود والمسلمين"، حاول من خلاله إنصاف الجنود الأفارقة والعرب من أصول مغاربية وجزائرية وباكستانية، شاركوا في صفوف الجيش الفرنسي في المعركة التي انتهت بانسحاب لجيشها، لم يغفره لها حتى أشد حلفائها دعماً.

لقراءة المقال كاملاً، اضغط هنا.