وزير مغربي يشن هجوماً عنيفاً على الأساتذة اليساريين ويتهمهم بالاستهتار في العمل.. فكيف عرف تصنيفهم السياسي؟

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMED HASSAD
FADEL SENNA via Getty Images

ظهر استياء كبير في صفوف نساء ورجال التعليم العمومي، بعد أن ذَكر وزير التربية الوطنية المغربي محمد حصاد، الأساتذة المحسوبين على التيار اليساري ضمن الأساتذة المتغيّبين بكثرة عن عملهم، وهو يتحدث في اجتماع للجنة التعليم بمجلس النواب، الإثنين 7 أغسطس/آب، عن خطته للدخول المدرسي خلال الموسم الدراسي المقبل.

مصادر نقابية متطابقة، ذكرت لـ"هاف بوست عربي"، أن بعض النواب في الاجتماع، طالبوا وزير التربية بسحب كلامه عن اليساريين، فاستجاب الوصي على قطاع التعليم والتكوين المهني لذلك، "لكن بعد فوات الأوان"، طبقاً لكلام المصادر النقابية.


في سياق الاتهام


لم يكن بالإمكان استدراك كلام وزير التربية الوطنية، بعد أن عمَّمت الصحافة المغربية ما قاله الوزير بخصوص غياب الأساتذة، في اجتماع لجنة التعليم بمجلس النواب، خصوصًا في تأكيده أن "أكثر من 25% من الأساتذة، تغيَّبوا لأسباب مرضية خلال الموسم الدراسي الماضي، ضمنهم من تغيبوا بشكل متكرر لنفس الأسباب".

"ضمن هؤلاء الأساتذة من يعتبرون أنفسهم مناضلين يساريين، لم تطأ أقدامهم يوماً فصول التدريس، ويتحججون دائماً بشهادات طبية"، يشدد وزير التربية الوطنية، واصفاً هؤلاء الأساتذة بـ"المسيئين لرجل التعليم''، وتوعّدهم بالمراقبة المشدّدة من أجل وضع حدّ لاستمرار امتناع الأساتذة عن الحضور للحصص بداعي المرض.

وخلال هذا الاجتماع، الذي جاء فيه كلام وزير التربية الوطنية، نوقش أيضاً بشكل خاص الدخول المدرسي خلال السنة الدراسية 2017-2018، والإجراءات والتدابير التي ستواكبه من حيث الموارد البشرية والقدرة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية، إضافة إلى تقييم السنة الدراسية الماضية.


معطيات بعيدة عن القطاع


تصنيف وزير التربية الوطنية للمتغيبين من الأساتذة بحسب تياراتهم السياسية أثار لدى المراقبين سؤالاً: كيف عرف الوزير أن هؤلاء الأساتذة المتغيبين من اليسار؟ أو ما الآليات التي اعتمدها في تصنيف الأساتذة المتغيّبين إلى يساريين أو إسلاميين أو غيرهما من التيارات السياسية والأيديولوجية؟

مصدر من وزارة التربية الوطنية، رفض الكشف عن هويته، أكد في اتصال بـ"هاف بوست عربي"، أن "هناك مصلحة في الوزارة لإحصاء المتغيّبين عن العمل؛ هي مديرية الموارد البشرية".

ونفى المصدر ذاته، أن يكون على علم بوجود جهة أو مصلحة ما تابعة لوزارة التربية الوطنية، "تمكّن من إحصاء الأساتذة بحسب انتماءاتهم السياسية".

من جانبه، أوضح عبد الغني الراقي، نائب الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم (المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل)، أنه "ليس لوزير التربية الوطنية أيّ آلية لإحصاء الأساتذة المتغيّبين بحسب ألوانهم السياسية".

كما أكد نائب الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم، في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أن "لكل موظف في التعليم العمومي، ملفاً يتوفر على كل المعلومات، باستثناء التصنيف السياسي أو الأيديولوجي أو العقائدي"، مشيراً إلى أنه "إذا توفّرت هذه المعطيات للوزير (يقصد الانتماء السياسي للأساتذة)، فقد أخذها من قطاع آخر بعيد عن التربية والتعليم".

بدوره، شدّد عبد الرزاق الإدريسي، الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم-التوجّه الديمقراطي، متحدثاً إلى "هاف بوست عربي"، على أن "الإدارة ليست لها بيانات أو أوراق تكشف عن الانتماء السياسي والأيديولوجي لنساء ورجال التعليم".


هروب إلى الأمام


المصادر النقابية، اعتبرت تصريح الوزير "غير مسؤول وغير مقبول ومرفوض كلياً"، مضيفة أنه أثار "استياء في وسط نساء ورجال التعليم، والمناضلين النقابيين بمختلف التوجهات، ووسط اليساريين أيضاً".

وأضافت أن موضوع تصنيف الأساتذة إلى يساريين وغيرهم، عانت منه شغّيلة التعليم في عهد سابق، ثم غاب بعد ذلك، وها هو يتجدّد مرة أخرى، ما يعني أن الوزارة يتم تسييرها بعقلية مختلفة عن قطاع التربية والتعليم.

وقال عبد الرزاق الإدريسي، الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم-التوجّه الديمقراطي، إن تصريحات الوزير محمد حصاد "للهروب إلى الأمام، وتأتي في سياق تحميل ما وصلت إليه حالة الإدارة العمومية من تردٍّ للموظفين عموماً، بمن فيهم رجال ونساء التعليم".

كما نفى الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم-التوجّه الديمقراطي، أن تكون هذه هي الأسباب الحقيقية لتردي التعليم العمومي، معتبراً أن المشكلات التي يعانيها قطاع التعليم العمومي ترجع إلى "السياسات العمومية المتعاقبة التي مارسها المسؤولون في المغرب لعقود مرّت، وعلى مستوى الحكومات المتعاقبة".

"عوض هذه التصريحات، يجب على وزير التعليم والحكومة والدولة، أن يقوموا بدورهم في حماية الموارد المالية والميزانيات المخصصة للتعليم من ناهبي المال العام، لأن المغرب بحسب دراسة لصندوق النقد الدولي، يمكنه تحسين ترتيبه في مجال التعليم ليصبح ثالثاً إفريقياً، ويربح 52 درجة دولياً، إذا قام فقط بصرف الميزانية المخصصة له، وحمايتها من النهب ومن دون رشاوى وبكل شفافية"، طبقاً لكلام الإدريسي.

بدوره، يرى عبد الغني الراقي، نائب الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم، أن تصريح وزير التربية الوطنية "يغطّي على الوضع الكارثي الذي تعيشه المدرسة العمومية، خصوصاً بعد فشل السياسات العمومية في القطاع، والتصنيف غير المشرف لقطاع التربية الوطنية". مبرزاً أن "الأجدر أن يفكّر وزير التربية والتعليم في الاختلال الكبير للمدرسة العمومية، والبدائل والحلول الممكنة، ثم يفكّر في إصلاح القطاع بشكل حقيقي".