صراع داخل الإدارة الأميركية.. ترامب وأنصاره يريدون تصعيداً مع إيران وفنزويلا.. ولهذه الأسباب يتجنَّبون روسيا وكوريا الشمالية

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

تتطلب المجموعة الفريدة من تحديات السياسات الخارجية التي تواجه الولايات المتحدة اليوم يداً ماهرةً للتصدي، ولكن هل تتوافر لدى واشنطن هذه اليد الماهرة، أم أن الغلبة حالياً للأيديولوجيين الهواة؟

تقرير لموقع ستراتفور الأميركي لفت إلى أن صراع السلطة المستمر بين الأيديولوجيين وبين الخبراء داخل فريق سياسات البيت الأبيض يبدو أنه يشتد، تاركاً مساحة صغيرة أمام التخطيط الاستراتيجي ومساحة كبيرة أمام ارتكاب الخطأ في بعض من أشد صراعات العالم إلحاحاً.

وعرض التقرير التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية في علاقتها بأربع دول، والخيارات المتاحة أمامها.


فنزويلا: إن لم تكن تنكسر، فلا تصلحها


يقول التقرير "إن الوضع في فنزويلا معقد، حيث يقود ساسة ضالعون في تجارة المخدرات، وتسببوا في دمار ذاتي لاقتصاد البلاد، فيما تستخدم جمعية تأسيسية لتأسيس دولة الحزب الواحد".

وكانت الولايات المتحدة فرضت، في فبراير/شباط 2017، عقوبات على نائب الرئيس الفنزويلي الجديد، طارق العيسمي، متهمة إياه بالضلوع في تجارة المخدرات على المستوى الدولي.

وتتهم المعارضة العيسمي بأنه معادٍ للسامية، وعلى علاقة بحركة حماس، وإيران، وحزب الله. كما يواجه اتهامات أيضاً بالمتاجرة في المخدرات، حسب تقرير لـ"بي بي سي".

ويرى تقرير موقع ستراتفور، أن الولايات المتحدة لا تريد بطبيعة الحال أن تكون فنزويلا دولة فاشلة، مما يزعزع استقرار محيط تأثيرها في منطقة البحر الكاريبي.

ويشير التقرير إلى أن الدول التي تعمل في تجارة المخدرات تزدهر على حساب استهلاك الولايات المتحدة للمخدرات، وتخلق سوقاً قوية أمام مهربي السلاح، وهو ما يولد بدوره جرائم العنف وأمواج الهجرة.

وحتى خلال عهد تاجر المخدرات الكولومبي بابلو إسكوبار، عملت الولايات المتحدة على إيجاد شركاء لها في العاصمة الكولومبية بوغوتا، لتتضافر جهود قواتها معها، وتوقف التهديد متعدد الأبعاد الذي تشكله دولة المخدرات.

يقول التقرير "لنتخيل صعوبة القيام بنفس الأمر في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، بمجرد أن يضفي ساسة المخدرات صبغة رسمية على مراكزهم في السلطة، فيما تؤدي الاشتباكات المستمرة بين قوات الأمن والمتظاهرين إلى ارتفاع أصوات المناشدات الإنسانية التي تطالب التدخل".

وحسب تقرير موقع ستراتفور، فإن جميع الظواهر تشير إلى أن الإدارة الأميركية تعد العدة لعقوبات شديدة جديدة، ستضع قطاع الطاقة الفنزويلي الهام، بالإضافة إلى أفراد بعينهم، في مرماها.

وقد تستهدف العقوبات شركة النفط الحكومية "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA)، من خلال منع صادرات النفط الخام الأميركي الخفيف إلى فنزويلا ومنع واردات النفط الفنزويلية.

وتوقع التقرير أن مثل هذه التدابير الشاملة ستفاقم من التدهور السريع الذي تواجهه البلاد. واعتماداً على آفاق العقوبات، ستجف مصادر الدولارات المعتمدة على تجارة النفط الفنزويلية الحيوية، مما يؤدي إلى نقص شديد في السلع الأساسية بدرجة ستصبح غير محتملة، وستزداد حالة الاضطراب، وقد تؤدي الانشقاقات بين صفوف الحزب الحاكم أو الجيش المتوقعة لخطر انهيار الحكومة، مما يولد حالة من الفوضى لن يكون أي لاعب واحد حال حدوثها قادراً أو عازماً على ترتيبها.

لذا يرى موقع ستراتفور أنه يجدر بالولايات المتحدة أن تزن خياراتها. وتساءل هل يبدو منطقياً من الناحية الاستراتيجية أن تفاقم واشنطن من الأزمة الفنزويلية، مع الوضع في الحسبان أنه لا يزال هناك قضايا أخرى أكبر تتعلق بالسياسة الخارجية تحتاج إلى اهتمامها؟ أو هل ينبغي عليها أن تتجنب التحطم السابق لأوانه عن طريق زيادة العقوبات تدريجياً، وتقويض العناصر الأكثر عناداً في كاراكاس، والعمل مع هؤلاء الذين يتوقون بشدة لعقد صفقة حتى يكون الهبوط الذي تواجهه الدولة الكاريبية أكثر نعومة وسلاسة؟


إيران


يُمكن رؤية إيران عبر عدسة مشابهة. سُلّط الضوء خلال الأسبوع الماضي على نقاش شائك على نحو بارز داخل دوائر البيت الأبيض، حول ما إذا كان الجناح التنفيذي سيعتبر طهران ممتثلة لخطة العمل الشاملة المشتركة.

ترى الأطراف الخمسة الأخرى الموقعة على الخطة، وهيئة الطاقة الذرية، وخبراء السياسة الخارجية في الإدارة –وهم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، ومستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي هربرت مكماستر، ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، وهم على سبيل المثال لا الحصر- أن طهران تلتزم ببنود الاتفاقية.

لكن الرئيس دونالد ترامب ومجموعة من الموظفين ذوي التفكير المماثل يعتزمون أن يجعلوا القضية تبدو أن طهران لا تمتثل لشروط الاتفاق، وقد طرحوا مسألة انسحاب الولايات المتحدة وحدها من الاتفاقية، عندما تستعرض امتثال إيران للاتفاقية مرة أخرى خلال 90 يوماً.

وبدلاً من الاستناد إلى تقييم شروط الاتفاقية الفعلية، بنى الرئيس وحلفاؤه موقفهم على الشكاوى الأخرى التي لدى الولايات المتحدة من إيران في ملفات مختلفة، بما في ذلك اختبار الأسلحة ودعم الجماعات الإقليمية المسلحة، بالإضافة إلى الإيمان العام بأن طهران ينبغي أن يُنظر إليها على أنها أحد محاور الشر.

ولكن هل يبدو منطقياً من الناحية السياسية التخلي عن الاتفاقية، في الوقت الذي سيؤدي مثل هذا التصرف إلى تجديد مسألة حدوث مواجهة عسكرية في منطقة الخليج العربي، وفي الوقت الذي تفتقر فيه الولايات المتحدة إلى الدعم الأوروبي اللازم للإبقاء على فاعلية العقوبات المفروضة على إيران؟ أو هل ستضع الولايات المتحدة في الحسبان أن الحكومة الإيرانية، التي لن يكون اجتثاثها بالقوة من جذورها بالأمر السهل، جادة بما يكفي للإبقاء على نفاذ الاتفاق النووي، وأنها مشغولة كلياً بمنافسة جيرانها على النفوذ.

من وجهة نظر تقرير ستراتفور، فإنه إذا كان الهدف الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه هو تجنب مزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بينما تمتلك هي نفسها كثيراً من ألغاز السياسة الخارجية التي تحتاج التعامل معها، فإن الاعتماد حينئذ على أدوات أكثر مهارة متمثلة في الاستخبارات السرية لمواصلة الرقابة على برنامج إيران النووي، وفي الوقت نفسه اللعب على أوتار التوتر الحالي بين إيران والقوى السنية الكبرى في الشرق الأوسط- قد يكون أكثر فاعلية في الإبقاء على طموح إيران تحت السيطرة، بدلاً من إشعال فتيل الأزمة النووية من جانب أحادي، وهو ما قد يستهلك بكل سهولة القدرات العسكرية للولايات المتحدة.


عندما يتعلق الأمر بروسيا، تقدَّم بحذر


في غضون ذلك، وعلى الرغم من كل الدراما الحديثة التي تحيط العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، تعتبر سياسة واشنطن نحو موسكو واضحة وضوحاً كبيراً.

إذ إن الكرملين، الذي يدرك قضاياه الداخلية التي يواجهها في الأعوام القادمة، يحاول الوصول إلى صيغة تفاهم مع الولايات المتحدة والغرب كله يُعترف من خلالها بمجال نفوذ روسيا على الاتحاد السوفيتي السابق. تأمل موسكو على سبيل المثال، من خلال وضع حد أمام توسعات الناتو وإقناع الغرب برفع عقوباته، أن تعزل نفسها عن الولايات المتحدة وحلفائها.

ومن أجل هذه الغاية، كرَّست روسيا كمية كبيرة من الطاقة لإدخال نفسها في الصراعات التي تكون لدى الولايات المتحدة مصلحة محققة فيها. ومن هناك، تعتقد موسكو أنها تستطيع تأسيس مجموعة من نماذج سياسة العصا والجذرة لتستخدمها في توجيه واشنطن نحو مفاوضات أجدى.

لا تتنافس الولايات المتحدة ضد روسيا في حرب أيديولوجية، مثلما كان الحال في الحرب الباردة، ويوجد بكل تأكيد مساحة للتعاون بينهما في بعض المجالات ذات الاهتمام المشترك. بيد أن التنازلات أمام موسكو -حتى وإن تعلق الأمر بالمسائل التكتيكية- تتكلف في الغالب سعراً باهضاً، كما أن بيع الحلفاء الأوروبيين على أعتاب الكرملين هو ببساطة كلفة كبيرة لتدفعها واشنطن.

وحتى بدون المضاعفات الهائلة التي خلقتها العمليات المعلوماتية الروسية ضد إدارة الولايات المتحدة، وبدون تزايد إجبار الكونغرس على التحقق من نفوذ الرئيس على سياسة واشنطن نحو روسيا، سوف تبقى موسكو وواشنطن على خلاف جوهري فيما بينهما على كثير من الجبهات. غير أن الولايات المتحدة سوف تحتاج أن تبقى متأهبة أمام مناطق ظهور الصراعات عندما ستحاول روسيا إعاقة خطط واشنطن، وتقدم كوريا الشمالية نموذجاً لذلك.


القتال الحقيقي في آسيا


عندما يتعلق الأمر بفنزويلا وإيران وروسيا، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك خيارات حول كيفية اختيار طريقة تقدمها.

لكن كوريا الشمالية تركت بصورة خطيرة مساحة صغيرة أمام الولايات المتحدة للمناورة.

تجاوزت بيونغ يانغ وواشنطن مرحلة المفاوضات المجدية. إذ إن كوريا الشمالية في طريقها نحو تطوير سلاح ردع نووي، وبما أنها تقترب من مرحلة امتلاك سلاح نووي يمكن الاعتماد عليه ونظام توصيل قادر على مهاجمة الولايات المتحدة المتجاورة داخل قارة أميركا الشمالية، ستكون واشنطن مجبرة على أن تضع في حسبانها جدياً التدخل العسكري ضدها.

سوف يقع هذا القرار على عاتق إدارة ترامب، وربما يكون خلال الـ18 شهراً القادمة. في محاولة للتخلي عن العمل العسكري، سوف تُجبَر الولايات المتحدة على الاعتماد على التعاون مع الصين وروسيا لفرض عقوبات، أو تنفيذ أعمال سرية تستهدف جميعها زعزعة استقرار حكومة كوريا الشمالية، وتحبط طموحها النووي.

وعلى الرغم من أن واشنطن تسعى خلف هذه السياسة بسبب ما تحتمه الضرورة الدبلوماسية، فهي تعرف أنه من غير المرجح أن تكون مثمرة. إذ إنه بقدر كراهية الصين وروسيا لفكرة وجود دولة كورية شمالية نووية على أبواب بلادهما، فهما لا يرغبان في مواجهة التداعيات الأوسع من خليج كوري غير مستقر، أو فتح الباب أمام بصمة عسكرية أميركية أكبر في المنطقة.

ولذا سوف تحاول الدولتان أن يصلا إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، في ظل محاولتهما في الوقت ذاته لدفع واشنطن نحو التراخي.

ونتيجة لعدم استطاعتها الاعتماد على نفوذ الصين وروسيا لتهدئة سلوك كوريا الشمالية، سوف تقاوم الولايات المتحدة مطالبهما لكبح تواجدها العسكري في آسيا والمحيط الهادئ، في ظل تنامي التهديد النووي من كوريا الشمالية.

ومن ثم سوف تتعارض حاجة واشنطن لمواجهة التهديد الكوري الشمالي مع حتميات بكين الشخصية لترسيخ مجال نفوذها البحري، مما يزيد من المخاطر في منطقة ذات صراعات متزايدة وشديدة التعقيد.

يصم قرع طبول الحرب في شمال شرق آسيا الآذان عند مقارنته بالقرقرة الخافتة التي تُسمع من فنزويلا وإيران وروسيا. بيد أن التقاء هذه الأزمات -التي يمكن تجنب بعضها أكثر من أخرى- هو ما يشكل خطورة خلق سياسة خارجية متنافرة النغمات لن تتمكن حتى هذه المشاحنات السياسية في واشنطن من أن تطغى على أصدائها في الشهر القادم.