أخطر من خلاف القاهرة مع دول إفريقية حول نهر النيل.. هذا ما ستفعله التغيرات المناخية بشريان الحياة لمصر

تم النشر: تم التحديث:
NILE RIVER EGYPT
Amr Dalsh / Reuters

تلقي التغييرات المناخية بأثرها على نهر النيل الذي يعتبر شريان حياة مصر، وأحد أبرز الملفات التي تسببت بتوتير علاقاتها مع دول إفريقية على رأسها إثيوبيا، بسبب بناء الأخيرة لسد النهضة الذي ترى القاهرة أنه يشكل خطراً عليها.

ويُحتَمَل أن يلوح في الأفق تعقيدٌ كبيرٌ حول أي نقاش بشأن مستقبل النيل الذي يعد بمثابة شريان الحياة لمصر، وهو تغيُّر المناخ.

فبحلول عام 2050، سيصل عدد الذين يعيشون في البلاد التي يتدفَّق من خلالها نهر النيل وروافده إلى مليار شخص. وذلك وحده من شأنه أن يضع ضغطاً هائلاً على إمداد المياه، وفقاً لما ذكرته صحيفة "الإيكونوميست" الخميس 3 أغسطس/آب 2017.

وأشارت الصحيفة إلى دراسة أجراها الباحثان محمد صيام، والفاتح الطاهر، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تبين أن التغيُّرات المُحتَمَلة في تدفُّق النهر والناتجة عن تغير المناخ من الممكن أن تضيف إلى هذا الضغط.


فيضانات وجفاف


واستنتج صيام والطاهر أنه في ظل المجريات الحالية من الممكن أن يزيد التدفق السنوي بنسبة تصل إلى 15% في المتوسط. هذا قد يبدو أمراً جيداً، ولكن النيل يمكن أيضاً أن يصبح متغيراً أكثر بنسبة 50%. بمعنى آخر، من الممكن أن تكون هناك فيضانات وجفاف أكثر وأسوأ.

وتقول الصحيفة أنه بالتأكيد هناك شكوكٌ في هذه التوقعات، ليس أقلها أن النماذج المناخية العالمية المختلفة تعطي أرقاماً متفاوتة، ولكن فكرة أن تدفُّق النيل من المُحتَمَل أن يصبح أكثر تغيُّراً تعطي مصداقيةً للتوقُّعات، كما أكد الباحثان من واقع أن المجريات على مدار عقودٍ تبدو متفقةً معها، ومع وضع تأثيرات ظاهرة النينيو (ظاهرة مناخية طبيعية تحدث كل ثلاث سنوات في المحيط الهادئ) في الاعتبار.

وترتبط هذه التقلبات المناخية الهائلة، المدفوعة بفعلِ تغيُّراتٍ في درجة حرارة المحيط الهادئ، بتدفُّق نهر النيل، وتتوقَّع دراساتُ تغيُّر المناخ حدوث ظاهرة النينيو بدرجة أشد في السنوات المقبلة، ومن ثم تُعزِّز فكرة أن يصبح النيل أكثر تغيراً.

وستكون هناك حاجةٌ إلى المزيد من سعة التخزين للتعامل مع تدفُّق النيل. ولكن على عكس السد العالي في محافظة أسوان في مصر، والذي بُنِيَ مع وضع تخزين المياه في الاعتبار، فإن سد إثيوبيا الجديد مُصمَّمٌ لإنتاج الكهرباء. وبمجرد أن تتدفَّق المياه خلال توربيناته، من المُتوقَّع أن ينتج أكثر من 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء. ومن غير الواضح، رغم ذلك، ما إذا كان السد يتمتَّع بالمرونة اللازمة لتلبية احتياجات المصب في فترات الجفاف الطويلة.

وتشير "الإيكونومست" إلى أن المحادثات حول حوض النيل، تتجاهل الآثار المحتملة لتغيُر المناخ، مضيفةً أنه يجري التفاوض حول ملء الخزان منذ سنوات، ولكن الطبيعة قد لا تتعاون مع جدولهم الزمني.

ولفتت إلى أنه من الأفضل أن تُركِّز الدول على حجم المياه الذي يحتاجه المصب، والذي سيختلف في السنوات الرطبة والجافة، حسبما يقول الخبراء.


بناء سدود جديدة


كما ينبغي وضع اعتبارات مماثلة في الحسبان عند تشغيل السد، فتقول دراسةٌ أخرى من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: "لا يوجد مكان في العالم يحتوي على سدين هائلين في نفس النهر بدون تنسيق وثيق". ولكن التعاون ليس بالقدر الكافي حتى الآن.

وبمجرد أن يكتمل بناء السد وتشغيله، سيكون من الممكن السيطرة على تقلُّبات النيل لحوالي 60 عاماً، حسبما يذكر الباحثان صيام والطاهر، بفرض أن السد مرن بما يكفي وأن الدول تعمل معاً. حتى ذلك الحين، يجب أن يزداد التخزين بنسبة حوالي 45% للحفاظ على استقرار الأمور في السنوات الستين المقبلة، لذلك تمتلك الدول الوقت لبناء سدود جديدة، ولكن ذلك سيحتاج تعاوناً أكبر.

وفي يونيو/حزيران الماضي، انعقدت قمة دول حوض النيل على مستوى الرؤساء في أوغندا، دون التوصل إلى اتفاق حول القضايا المطروحة، نتيجة للتباينات العميقة في النقاط الخلافية حول اتفاقية "عنتيبي" الناظمة لتقاسم مياه نهر النيل.

وتنص الاتفاقية الموقع إطارها العام في 2010، على أن "مرتكزات التعاون بين دول مبادرة حوض النيل تعتمد على الانتفاع المنصف والمعقول من موارد مياه المنظومة المائية لنهر النيل"، وفقاً لوكالة الأناضول. وستؤدي الاتفاقية إلى حرمان مصر من حصتها الكبيرة من مياه النيل.

ويعيش حالياً أكثر من 430 مليون شخص عبر 11 دولة تشكل دول حوض النيل، وهي: مصر، والسودان، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، ورواندا، وبوروندي، وتنزانيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإريتريا.

وبموجب معاهدة عام 1929 كانت مصر تحصل على حصة الأسد من مياه النيل هي والسودان، ويُقدر أن حصة مصر تصل إلى 55.5 مليار متر مكعب من المياه التي تقدر بنحو 84 مليار متر مكعب، وفقاً لوكالة رويترز.

وهذان البلدان يعتمدان على المياه أكثر بكثير من جيرانهم في المنبع؛ ولا تتعرض مصر على وجه الخصوص لهطول الأمطار، بل تعتمد على مياه نهر النيل العظيم بنسبة 97 في المئة من احتياجها إلى المياه. ولكن على مر السنين، أخذت بلدان المنبع تطعن في هذه المسألة التي تضمنت أحكام هذا الاتفاق الذي مضى عليه عدة عقود، والذي لم يكونوا أطرافاً فيه أبداً.

في عام 1999، شكلت تسعة بلدان واقعة على ضفاف النهر "مبادرةَ حوض النيل" لمحاولة إدارة مياهه. وأصبح جنوب السودان العضوَ العاشر بعد حصوله على الاستقلال في عام 2011؛ وتتربع إريتريا على كرسي المراقِب.

وبدأ العمل في المبادرة على إطار جديد لحكم النهر، لكن مصر والسودان رفضَتَا التوقيع على اتفاقية تم التوصل إليها من قبل دول أخرى في عام 2010، والمعروفة باسم "اتفاقية عنتيبي".

وبحسب التوقعات فإن عدد سكان مصر سيتزايد بمقدار 30 مليوناً بحلول 2030، وسيزيد في المقابل طلبها على الماء.

وأشار تقرير نشره موقع "World Politics Review" في يوليو/تموز الماضي أيضاً إلى مخاطر التغيرات المناخية على نهر النيل وتدفقه، متحدثاً عن سنوات قادمة ستشهد فيضانات وجفاف.

وأشار الموقع إلى أنه مع مرور الوقت "ستُجبر مصر على توقيع اتفاقية جديدة أو تعديل اتفاقية إدارة النهر"، بحسب توقعات سلمان سلمان الخبير والمستشار الأسبق في قانون المياه لدى البنك الدولي.

وأضاف: "ستنظر مصر يميناً ويساراً وستجد أن السد انتهى العمل فيه وأن إثيوبيا تحاول بناء سدود أخرى والخيار الوحيد المتبقي بالنسبة لها هو التعاون"، ويتابع: "الوقت ليس في صالحهم".

وحذرت القاهرة، السبت 1 يوليو/تموز 2017، من "إضاعة مزيد من الوقت"، في ملف سد النهضة الإثيوبي، مطالبة بتدخل سياسي في الأمر وإزالة أية عقبات قد تعيق إتمام
الدراسات الفنية للسد وتأثيرها على مصر.