تهديدات "داعش" جعلت والدها يسمح بهروبها.. فتاة كردية سورية تصور رحلة لجوئها بالفيديو.. كيف وصلت إلى العالمية؟

تم النشر: تم التحديث:
REFUGEE
sm

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية فيلماً وثائقياً قصيراً على صفحتها الرسمية بفيسبوك، لرحلة لجوء فتاة كردية سورية من مدينة كوباني (تابعة لمحافظة حلب)، مع صديقها العربي وهما يحاولان شق طريقهما إلى أوروبا، وحظي بمتابعة أكثر من ٣ ملايين مشاهد وإعجاب الكثيرين.





ويبدأ الفيلم الوثائقي القصير "الفرار من سوريا.. أوديسة رانيا" (٢٢ دقيقة)، بمشاهد لرانيا مصطفى علي في كوباني وهي تقول انها اتفقت مع صديق نرويجي هو الصحفي المستقل المتخصص في وثائقيات مناطق الحرب، أندرياس هامر، على تصوير فيلم لوصولها إلى أوروبا، ثم تطرح الأسباب التي دفعتها إلى مغادرة كوباني بعد وصولها إليها قادمة من الرقة التي كانت تحت سيطرة “داعش”، وهي تتجول فيها ساخرة من مزاعم التنظيم بأنه يتبع نهج النبوة في أعماله، قائلة إن عمرها أصبح 20 عاماً ولم تحقق شيئاً على الصعيد الشخصي، وإنها ترغب بالمغادرة لأنها تخشى من أقاويل عن تغييرات ستشهدها قوانين الاتحاد الأوروبي الخاصة باللجوء، وتريد الوصول قبل حدوث ذلك.

وتقر رانيا في الفيلم، وهي تمشي وسط الدمار في المدينة بأن الرحلة عبر البحر خطرة وسيئة، لكن الوضع حيث تعيش أسوأ.


تركيا


جالسة في غرفتها تطلع رانيا المشاهدين على أغراضها التي أعدتها للسفر، ما بين ملابس وكتب وأشرطة “دي في دي” لمسلسل “صراع العروش” الشهير الذي قالت إنه ليس باستطاعتها الاستغناء عنها، إلى جانب صور عائلتها.

تُظهر بطلة الفيلم مشاهد قصيرة لقطعها الحدود السورية- التركية ليلاً بمساعدة المهربين مقابل 300 دولار، لتصل إلى مدينة أورفه (جنوب شرق تركيا).

ظهرت رانيا مع صديقتها يقين أمام الكاميرا، لتتحدث عن صعوبة قطعها للحدود وكيف رمت نصف ملابسها التي كانت قد جلبتها معها على الطريق، ولم تستطع التصوير كثيراً لأن الوضع كان خطيراً جداً.

والتقت رانيا في تركيا، مع صديقها أيمن، وهو من سكان الرقة أيضاً، الذي بدا عليه التوتر مع بدء رحلة اللجوء، وقالت إن ما يجعلها هي تتوتر هو عدم رؤية أهلها مجدداً، وعبور البحر، فيما قال هو إنه مهما كانت الصعوبات التي سيلاقونها فلن تكون ببشاعة الذي جرى في سوريا، على حد تعبيره.

وتبين رانيا تحضيراتها لعبور البحر، عبر عرض أغراضها وأوراقها المهمة التي لفتها بأكياس بلاستيكية، وستر النجاة، التي قالت إنها ليست متأكدة من كونها أصلية أم لا.

وبعد أن أعلنت وهي خائفة عن توجهها للمنطقة التي سيركبون منها القارب، ظهرت في مشاهد مؤثرة رفقة أطفال ونساء وشباب في قارب مكتظ للغاية وسط البحر، بين بكاء الصغار وتوجيهات البعض الذين كانوا يأملون تفادي الغرق، سيما وأن المهرب، الذي وُصف بأقذع الألفاظ، وضع ٥٢ شخصاً والصغار في قارب مخصص لـ ١٥ شخصاً فقط.


اليونان


ظهرت رانيا مع أيمن على جزيرة ليسبوس في اليونان، وهما يشرحان كيف كانوا على وشك الغرق لولا تدخل سفينة وإنقاذها لهم، ثم توجهوا مساء من الجزيرة بعبارة إلى أثينا، وقد حجزا تذكرتي حافلة للانتقال فوراً للحدود المقدونية، لكنهما اكتشفا عند وصولهما للعاصمة بأنهما تعرضا للاحتيال، وخسرا مبلغ 150 يورو، ولا يستطيعان في الوقت نفسه الذهاب لفندق سيكلفهم 50 يورو كل ليلة، سيما وأن المبلغ المتبقي معهم لا يتجاوز الـ ٦٠٠ يورو.

وبعد قضاء ٣ أيام على الطرقات دون راحة، وصلا إلى مخيم إدوميني للاجئين على الحدود المقدونية، الذي كان وضعه مزرياً، حيث الأمطار الغزيرة والأرض الموحلة وغياب الخدمات، وعثرا على خيمة صغيرة لكل واحد منهما، إلى جانب أخرى لسيدة وطفلتيها الصغيرتين.


الحدود اليونانية - المقدونية


وبعد سماع اللاجئين في المخيم بإشاعة عن إمكانية ترحيلهم إلى تركيا، انطلقوا صوب الحدود المقدونية لتجاوزها مشياً.

ويظهر الفيلم الوثائقي القصير رانيا وصديقها أيمن إلى جانب لاجئين آخرين متعبين عطشى يحاولون شق طريقهم وسط الوحل الذي يعيق حركتهم في ربيع العام الماضي، ثم بعد عبورهما نهراً على الحدود، بينهم أشخاص مقعدون تعاون اللاجئون على حملهم.

وعلى النحو الذي اعتادت عليه في هذا الوثائقي، علقت رانيا ساخرة مرة أخرى على سؤال طرحه أحدهم عليها عن السبب الذي دفعها لعبور الماء البارد، بالقول إنها جاءت إلى هناك بقصد التسلية.

ورغم مواصلتهما المشي في طرق ريفية في مقدونيا، الأمر الذي أسعدهما معتقدين أن ما تبقى لديهما ٣ محطات فقط هي صربيا ومقدونيا وسلوفينيا، تمت إعادة اللاجئين إلى اليونان مجدداً، وظهرت رانيا في مقطع فيديو لاحق متعبة معبرة عن رغبتها في الانتهاء مما هم عليه، تلته مشاهد صادمة للشرطة المقدونية وهي تطلق الغاز المسيل للدموع على اللاجئين الراغبين بعبور الحدود، ما تسبب بوقوع حالات إغماء، وكيف انخرطت رانيا في البكاء بعد أن استنشقت الغاز، وساعدها متطوعون.

وقالت رانيا معلقة، أنها لم تأت إلى هناك ليتعاملوا معهم على هذا النحو وكأنهم ليسوا من البشر، مضيفة لاحقاً أنها تعبت جداً وتفتقد عائلتها، إذ أنها وحيدة هناك، ولم تحقق شيئاً رغم الوضع السيئ الذي هم فيه.


النهاية سعيدة والوصول إلى النمسا


بعد أن فقدا الأمل في الانتقال براً إلى شمال أوروبا، اقترض الاثنان مبلغ ٧ آلاف يورو في شهر أيار ٢٠١٦، وفقاً للغارديان، وتم إعطاؤهما بطاقتي هوية بلغاريتين مزورتين، وتوجيههما بالتصرف كسياح وهما يركبان طائرة متوجهة من اليونان إلى النمسا، وهو ما حصل بالفعل، بعد أن نجحا في تجاوز حواجز التفتيش، قبل أن يُقبض عليهما في مطار فيينا ويقدما طلبي لجوء لاحقاً.

وقالت رانيا لـ”هاف بوست عربي”، إن الشاب الذي ظهر معها في الفيديو هو صديق مقرب لها، يعرفان بعضهما منذ فترة وساعدها كثيراً على الطريق إلى أوروبا، وتم تحويل كل منهما إلى مدينة مختلفة بعد القبض عليهما في المطار، وأنه ليس حبيبها كما فهم بعض المعلقين على الفيديو.

وأضافت أنها حصلت على حق اللجوء بعد ٦ أشهر، وبدأت بتعلم اللغة الألمانية ثم حاولت جاهدة العثور على عمل في مختلف المجالات رغم عدم وصولها إلى مستوى لغوي متقدم، ولم تفلح بعد في سعيها، مشيرة إلى أن عملها مع الصحفي هامر على هذا الوثائقي ألهمها للتوجه نحو دراسة الصحافة، سيما أنها لم تكن قد بدأت بعد بالدراسة الجامعية في بلادها بعد إنهائها للثانوية.

وأكدت أنها تفتقد لعائلتها التي ما تزال متواجدة في كوباني، المكونة من والدها المدرس المتقاعد وأخواتها الـ5، وأن والدها كان خائفاً عليها لا يريد إرسالها وحيدة لكن تلقيها تهديدات من “داعش”، وتنفيذ التنظيم تفجيراً في كوباني دفعه إلى الموافقة، مبينة أن عائلتها بأكملها كانت راغبة في مرافقتها لولا إصابة تعاني منها شقيقتها في قدمها تعيقها من خوض طريق اللجوء الصعب.


ردات الفعل


الفيديو نال تعاطفاً كبيراً من المعلقين على صفحة الغارديان بموقع فيسبوك، وبشكل خاص (٢٢٠٠معلق تفاعل) أشار إلى أن الاثنان ظهرا كشخصين عاديين يرغبان بحياة أفضل، عوض الجلوس في مدينة مدمرة منتظرين أن يحصلا على ما يريدان، واتفق آخرون على أنه لا يأملون قط رؤية المنتقدين من المعلقين وقد انتهى بهم الأمر في وضع كهذا، على الرغم من أنه سيكون مثيراً للاهتمام رؤية كيف ستتغير آراؤهم المتسرعة في مثل هذه الظروف.

وأنب الكثيرون أصحاب خطاب الكراهية ضد اللاجئين من المعلقين داعين إلى معاملة جميع الفارين من بلدان مزقتها الحرب بإنسانية.

ورداً على تعليق مسيء يتهم “غارديان” بالبحث عن سيرة شخصية شابة علمانية على النقيض من الشبان الواصلين لسن الخدمة العسكرية الذين زُعم أنهم يشكلون غالبية اللاجئين، دعا أحدهم إلى النظر للأشخاص الذين كانوا يرافقونها في الفيديو، وكيف كان بينهم أيضاً الكثير من الأطفال والنساء والمحتاجين.

أما على الصعيد الشخصي، فبينت رانيا لـ”هاف بوست عربي” أن والدها كان فخوراً وسعيداً بالفيلم، لكنها تلقت الكثير من الرسائل المسيئة من أشخاص مقيمين في كوباني، لا تدري ما الذي أثار سخطهم في الفيلم، لكنها ذكرت بأن البعض تذمر من ذهابها وحدها كونها فتاة، فيما كان آخرون غاضبون من خروجها مع أيمن، رغم أنهما من قوميتين مختلفتين.

وأشارت إلى أنها تلقت ثناء من آخرين لإظهارها تجربة اللجوء التي مروا بها أيضاً، ورسائل إيجابية من أشخاص من دول أجنبية، معبرة عن سعادتها لمشاركة الممثل الأيرلندي ليام كونينغهام، الذي يلعب دور دافوس سيوورث في مسلسلها المفضل “صراع العروش”، المعروف بدعمه للاجئين، لرابط الفيلم على حسابه بموقع تويتر.