لماذا لا يجدر بإيطاليا الاستهانة بتهديدات الجنرال الليبي خليفة حفتر؟

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

خلال الأيام القليلة الماضية بعث الجنرال حفتر برسالة كراهية إلى الحكومة الإيطالية، أوضح فيها أنه يرفض تدخلها في المياه الإقليمية الليبية، وهدّد باتخاذ الإجراءات اللازمة حال واصلت "غزو" هذه المنطقة.

والجدير بالذكر أن الجنرال حفتر، المدعوم من قبل كل من مصر وروسيا والإمارات، أكد أنه سيمنع السفن الأجنبية من اختراق المياه الإقليمية الليبية، وفق تقرير نشرته النسخة الإيطالية من هاف بوست.

من جهتها، أعربت الحكومة الإيطالية عن استهانتها بهذه الرسالة، وما تضمنته من تهديد، واعتبرت أن ما جاء فيها لا يعدو إلا أن يكون مجرد هراء "لا أساس له من الصحة" ولا يمكن "الاعتماد عليه" ولا داعي للاحتراس منه. في المقابل، بينت المعلومات الواردة عن الحكومة الإيطالية وجهاز المخابرات أنه لا يجدر بإيطاليا التقليل من شأن هذه الرسالة نظراً للتأثير الذي يحظى به حفتر على المستوى الداخلي.

في الواقع، تعتبر هذه المعلومات صحيحة في جزء منها، إذ يجب على إيطاليا توخي الحذر الكامل إزاء هذه القوة التي يتمتّع بها حفتر، الذي لا يزال يتمتع بنفوذ وسلطة كبيرة تجعله قادراً على تنفيذ أشياء غير متوقعة في ليبيا.

من جهة أخرى، أكدت المصادر الحكومية ذاتها أن تدخلها في المياه الإقليمية الليبية جاء بناءً على طلب رسمي من حكومة السراج، المعترف بها على الصعيد الدولي، من قبل الأمم المتحدة.

وفي هذا الطلب، ناشدت الحكومة الليبية السلطات الإيطالية بدعمها وإرسال مرافقة عسكرية إيطالية إلى ليبيا، لمساعدتها على التحكم في حدودها البحرية. وتجدر الإشارة إلى أن الدعم الإيطالي طال حتى مصراتة، الخاضعة لسيطرة الجنرال حفتر.


سبب التهديد


من خلال هذه المعلومات الصادرة عن الحكومة الإيطالية ظهرت الأسباب التي تأتت منها هذه التهديدات؛ حيث يعود سبب توجيه حفتر تهديداً إلى إيطاليا بالأساس إلى كرهه للسراج وحكومته. وعموماً، يرى حفتر أن تدخل إيطاليا في ليبيا جاء بناءً على طلب من عدوه وبمباركة منه. لذلك، يسعى الجنرال في الوقت الراهن إلى إنهاء هذا التدخل.

ومن المثير للاهتمام أن الجنرال حفتر يملك من النفوذ والدعم ما يجعل تهديده جدياً، على غرار الدعم الذي يتمتع به من قبل الرئيس المصري وبعض الدول الخليجية، مماليك الذهب الأسود في الشرق الأوسط، والقبائل والميليشيات، ناهيك عن القدرات العسكرية التي يتمتّع بها في ليبيا والمساحات الشاسعة الخاضعة لسيطرته.

والجدير بالذكر أن رسالة الجنرال حفتر كانت مدعومة من قبل برلمان طبرق. وقد جاءت بعد مرور ساعات قليلة على إعلان أعضائه معارضتهم للعملية البحرية التي تقودها إيطاليا، فضلا عن موافقة رئيس الوزراء، فايز السراج، على الاتفاق الذي أبرمه مع إيطاليا الذي يهدف إلى الخوض في عمليات مشتركة.

في هذا الصدد، أفاد المتحدث باسم برلمان طبرق، عبدالله بليحق، أن تواجد السفن البحرية الأجنبية داخل المياه الإقليمية الليبية يشكل "انتهاكاً للسيادة الوطنية الليبية"؛ نظراً لأن هذا النوع من الاتفاقات المبرم بين الطرفين لا يعد صالحاً إلا بعد موافقة السلطة التشريعية، الممثلة من قبل الليبيين.

وبالتالي، لا يمكن اعتماد اتفاق أبرمه مسؤول في السلطة التشريعية لم يفز بعد بثقة الليبيين. لذلك، وجب علينا الحفاظ على السيادة الوطنية ومنع كل انتهاك من شأنه أن يطال المياه الإقليمية.

في الواقع، لم تكن مسألة السيادة سوى مجرد ذريعة لإخفاء السبب الحقيقي وراء غضب حفتر، الذي أصبح يعتبر أن دعم إيطاليا لحكومة السراج بمثابة عائق سيمنعه من السيطرة على القاعدة البحرية.

وفي الحقيقة، يسيطر حفتر على أكبر قوة عسكرية في ليبيا إذ لا يزال يطلق عليها اسم "الجيش الليبي الوطني، حيث تضم حوالي 30 ألف وحدة عسكرية. وفي نظر كل من هذا القائد، وبرلمان طبرق، تعتبر إيطاليا مذنبة نظراً لأنها حاولت عمداً مقاطعة "عملية باريس"، التي مضى فيها حفتر مع كل من الرئيس الفرنسي والسراج.

وفي اليوم الذي تلى هذا اللقاء، بدأت إيطاليا بمقاطعة "خارطة الطريق"، التي تأسست في باريس والتي كانت من المفترض أن تؤدي إلى هدنة، وإلى ضمان انتخابات حرة في بنغازي وطبرق، ما من شأنه تعزيز طموحات الجنرال حفتر الرئاسية، عن طريق إضفاء الشرعية.

وفيما يتعلق بالسفن الحربية التي ستعمل إيطاليا على إرسالها، أوضحت مصادر من بنغازي أنها "لن تعمل على مكافحة التهريب والقضاء على المهربين، لكنها ستضمن، في المقابل، لحكومة السراج دعماً كاملاً يمكنها من استرداد شرعيتها ونفوذها على نطاق واسع. بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو أن هذه العملية العسكرية ستضمن تهيئة شاملة للظروف التي يعيش فيها الشعب الليبي، والتي ستمكّنه من استعادة سيادته الوطنية. أما بالنسبة لإيطاليا، فلا يعود السراج إلا أن يكون مجرد لعبة".


تهديد واسع


في واقع الأمر، لا يقتصر تهديد الجنرال حفتر على البحر فقط، فقد شمل أيضاً المجال الجوي، إذ يعود ذلك إلى النفوذ الذي يملكه والذي يسمح له باحتكار المجال الجوي الليبي.

من جهة أخرى، قال الخبير في الشأن الليبي، جيسون باك: "يبدو أن أنصار حفتر الدوليين قد وثقوا بالفرضية التي تفيد أنه من المرجح أن تقبل إدارة ترامب بالتزام حفتر خلال الصراع العسكري الذي سينفذه ضد الميليشيات الغربية في ليبيا. من جهتها، تفكر روسيا، التي كانت تربطها علاقات جيدة مع الزعيم الليبي السابق، معمر القذافى، في إمكانية التدخل في ليبيا بشكل كامل، بعد انتهاء مهامها في سوريا.

من جهته، لا يستبعد ماتيا توالدو، الباحث السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إمكانية حصول حفتر على الدعم من قبل روسيا، ومصر، والولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا السياق، صرح ماتيا بأن "إمكانية هذا التعاون واردة جداً خاصةً فيما يتعلق بموقفهم تجاه الإخوان المسلمين، حيث يعتبر كل من الجنرال حفتر، والسيسي، وترامب أن هذه الجماعة لا تقل خطراً عن تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة.

من جهة أخرى، أكدت أمينة السبكي، كبيرة المحللين ومديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات العالمية، أن "كلا من جهود الولايات المتحدة فضلا عن موقف ترامب، كان يشوبها الغموض في الماضي. لكن، أصبح كل ذلك جلياً في الوقت الراهن حيث أثبتت الولايات المتحدة تواجدها الكبير في ليبيا، بحجة تسهيل المصالحة بين الفصائل السياسية الرئيسية المتناحرة، أي حكومة السراج وحفتر".

وأضافت السبكي أنه "في الوقت ذاته، ستعمل الولايات المتحدة على منع المنظمات المتطرفة، على غرار تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، من مزيد التغلغل في ليبيا. من هنا، يتلخص الهدف في التشجيع على تشكيل حكومة وحدة وطنية، معترف بها من قبل الفصائل السياسة الليبية الرئيسية". بالإضافة إلى ذلك، تهدف واشنطن إلى إعادة فتح كل من السفارة في طرابلس والقنصلية في بنغازي، وذلك لضمان مزيد من التفاعل مع القوات العسكرية الليبية لمكافحة الإرهاب.