على ذمة روبرت فيسك: Dunkirk نسخة مضللة تتجاهل شجاعة الجنود المغاربة والمسلمين وذوي البشرة السمراء

تم النشر: تم التحديث:
PIC
social media

تحت عنوان "فيلم Dunkirk.. نسخة مضللة تتجاهل شجاعة الجنود من السود والمسلمين" نشر الكاتب البريطاني الشهير مقالًا في صحيفة Independent حاول من خلاله إنصاف الجنود الأفارقة والعرب من أصول مغاربية وجزائرية وباكستانيون، شاركوا في صفوف الجيش الفرنسي في المعركة التي انتهت بانسحاب لجيشها، لم يغفره لها حتى أشد حلفائها دعمًا.

في المقال استرجع فيسك وهو الآن في العقد الثامن من العمر، ذكريات لزيارته مع أبيه وأفراد عائلته إلى مدينة دانكيرك لمشاهدة شواطئها الشهيرة في يوم وصفه بالغائم، حيث كان هناك بعض النفايات المجهولة الصدئة بطول الشاطئ، وكانت العديد من فنادق الشاطئ القديمة ما زالت قيد الإصلاح، "ومر التاريخ بهذه الطريقة وعاد البريطانيون إلى شواطئ أخرى على بُعد 250 ميلاً (402 كم) غرباً بعد أربع سنوات، وقتل هتلر نفسه وألقينا قنابل ذرية على اليابان".

وأضاف حتى يعطي لمحة أوضح للقارئ عن أجواء ما كان يحيط بتاريح الزيارة "بحلول الوقت الذي وصلتُ فيه إلى دانكيرك، كنا قد خسرنا جنوداً في كوريا وكانت فرنسا الفقيرة الهَرِمة قد بدأت لتوها حربها المحكوم عليها بالفشل مع الجزائر".


احتقار البريطانيين للفرنسيين






ألقى فيسك الضوء على حقيقة شهدها بنفسه، وسجلتها لحظة مقتضبة من فيلم المخرج البريطاني الشهير كريستوفر نولان الأخير الذي وثّق معركة Dunkirk، يتعلق بازدراء البريطانيين للجنود الفرنسيين لانساحابهم من تلك المعركة.

قائلًا "من وقتٍ لآخر خلال رحلتنا باتجاه الحدود الألمانية، كانت هناك جسور في الطرق لا تزال قيد الإصلاح -إذ كانت الحرب قد انتهت قبل ذلك بأحد عشر عاماً فقط- وكانت مجموعات الجنود الفرنسيين التي تحرسها تقف وتقدم التحية عندما يرون علم الاتحاد الصغير الذي وضعه أبي في مقدمة سيارتنا.

وعاتبني والدي قائلاً: "لا تلوح لهم يا بني. لقد خذلونا واستسلموا"؛ ولذا فإنَّ مشاعر الازدراء ضد فرنسا التي برزت لوقتٍ قصير في فيلم Dunkirk الجديد للمخرج البريطاني كريستوفر نولان -إذ يرفض ضابطٌ بريطاني في الفيلم السماح للقوات الفرنسية بالمشاركة في الإجلاء- لم يكن شيئاً جديداً في التاريخ السينمائي".

كان والد فيسك قد حارب في فرنسا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ما يزال يشعر بخيانة الدولة التي عرَّض حياته للخطر من أجلها عندما استسلمت للألمان عام 1940، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على مغادرة آخر الجنود البريطانيين والفرنسيين لمدينة دانكيرك.

وكان البريطانيون مهيَّئين من جانب الجنرال ميسون ماكفارلين لكراهية حلفائهم الفرنسيين، فهو حسب فيسك "الجنرال الذي أصدر بياناً موجزاً غير رسمي للصحفيين في لندن يوم 29 مايو/أيار 1940، أبلغهم فيه بإلقاء اللائمة على القوات الفرنسية فيما يتعلَّق بتدمير قوات الاستطلاع البريطانية؛ وسارع الصحفيون في اليوم التالي إلى نشر "الأخبار الحصرية" -وبدون ذكر مصادر بالطبع (كالمعتاد)- لتعكس بدقةٍ كلمات الجنرال".

في تقريره شبّه فيسك الجنرال ميسون ماكفارلين بالسياسي البريطاني غريب الأطوار نايجل فاراج عضو البرلمان الأوروبي الحالي، وزعيم حزب الاستقلال البريطاني السابق، وأحد قادة معسكر التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.





ولم يغفل فيسك التذكير بما فعله المؤرخون البريطانيون في العقود التالية للمعركة، إذ اعترف بتشويههم لسمعة جنود القوات الفرنسية عام 1940 ووصفهم بالسكارى والجبناء، مع أنَّهم كتبوا أيضاً عن نهب البريطانيين وإفراطهم في شرب الكحوليات في دانكيرك، وهو الأمر الذي جرت الإشارة إليه بوضوحٍ في مشهدٍ لشاطئ دانكيرك مدته خمس دقائق ونصف في فيلم Atonement للمخرج البريطاني جو رايت.


إنصاف العرب والمسلمين


وقال فيسك في مقاله منتقدًا فيلم نولان "بلا شك كُتِب في صحيفة Guardian ، عن إغفال نولان الاعتراف بوجود قوات مسلمة في دانكيرك؛ وهم جنود الكومنولث من الهنود المسلمين (الذين ينتمون لما يُعرَف الآن باسم باكستان)، وأفواج الجنود الجزائريين والمغاربة في الجيش الفرنسي، بينما وتضمن فيلم Atonement بالفعل ظهور جندي بريطاني أسود أثناء الانسحاب إلى دانكيرك، رغم عدم وجود صور تدل على وجود قوات من السود في فرنسا عام "1940.

فيما حاول فيسك إنصاف الأقلية العرقية من الشعب البريطاني التي أظهرت حسب وصفه شجاعةً هائلة، حتى في هذه المرحلة المبكرة من الحرب العالمية الثانية.

فيما وصف فيسك تصرفات الحكومات المغربية والجزائرية بـ "المخزية"، إذ رفضت وحتى وقتٍ قريب للغاية، تكريم جنودها الذين حاربوا في صفوف الجيش الفرنسي ضد النازيين.

"فقد كان يُعتَد بالقومية العربية أكثر من معاداة الفاشية في جزائر ما بعد الاستقلال" حسب تفسيره.





فيما أثنى فيسك على الفيلم الفرنسي Indignes -الذي طُرح في المملكة المتحدة تحت اسم Days of Glory- لأنه أعاد إلى الأذهان شجاعة الجنود الجزائريين في قتال النازيين بعد وصول الحلفاء إلى جنوبي فرنسا، وأيضاً عنصرية رفاقهم الفرنسيين البيض.

إذ يظهر في الفيلم أحد الجنود من شمال إفريقيا مستلقياً ومتأثراً بجروحه، ويتلو آيات القرآن، قبل أن يُعدم على يد جندي ألماني.


صنّاع الأفلام يكتبون التاريخ وليس المنتصرون وحدهم




وبحسب فيسك "ما يثير الفضول هو أنَّ الدول المسلمة التي محت تاريخها في الحرب العالمية الثانية بعد الاستقلال -ومحت محاربتها لليابانيين وكذلك الألمان- قد شابهت حالة فقدان الذاكرة التي أصابت الجمهوريين الأيرلنديين فيما يتعلَّق بتاريخهم في الحرب العالمية الأولى، وهم الذين إلى وقتٍ قريبٍ لم يكن لديهم وقت مُخصَّص لتكريم رجالهم الذين لقوا حتفهم في معارك السوم، أو غاليبولي، أو باشنديل، ضمن صفوف الجيش البريطاني".

فيسك لجأ إلى مقال للكاتب الفرنسي فرانسوا بيدرون على موقع Paris Match، للتأكيد على السخرية من فيلم نولان الأخير الذي " أشار وعلى نحوٍ صحيح، إلى أنَّ 18 ألف جنديٍ من القوات الفرنسية دفعوا حياتهم ثمناً لحماية محيط مدينة دانكيرك، وأنَّ 35 ألفاً قد أُسِروا، وأنَّه جرى إنقاذ حوالي 140 ألف جندي فرنسي من دانكيرك، لكن ليس المنتصرون فقط هم من يكتبون التاريخ.

فكما ذكر فرانسوا في مقاله، يكتب صنَّاع الأفلام هم أيضاً "التاريخ".

فيسك قال أن فرانسوا محقٌ في ذلك "فالقصة الحقيقية للقوات الجزائرية والمغربية ما زالت لم تُوثَّق في أي فيلم، ستصنع هذه القصة دراما مخيفة.

فقد ألقى الألمان لحوماً نيئة داخل أقفاص السجن المحتجز داخلها الجنود الجزائريين والأفارقة؛ ليُظهروا لرواد السينما كيف أنَّهم حاربوا من أجل الطعام ومزقوه إلى قطعٍ كالحيوانات".

وذكّر فيسك بتعرض الجزائريون للذبح على يد النازيين لأسبابٍ عنصرية، في تصرف يدعم بقوة شكوك بعض العرب الأذكياء في وقتنا الحالي، وهو أنَّ هتلر، وبعد تدميره يهود أوروبا والشرق الأوسط، كان سيوجه غضبه الشديد تجاه إخوانهم العرب الساميين.

لكن بالطبع، نُفى المفتي العام للقدس، أمين الحسيني، إلى ألمانيا في عهد هتلر، وحثََّ المسلمين على دعم النازيين؛ الأمر الذي سمح لإسرائيل بمساواة العرب بألمانيا النازية إلى الأبد - رغم أنَّ الفلسطينيين العرب مدفونون بجانب الفلسطينيين اليهود في مقابر الكومنولث بمدينة العلمين المصرية.

وفي النهاية تساءل فيسك "كيف تفسر ذلك في الفيلم؟ إذا كان الفرنسيون أُهينوا في فيلم Dunkirk الأخير، فكيف يكون الحال مع المسلمين؟ أو الجنود السود؟ لا عجب إذن أنَّ نايجل فاراج قد حثَّنا على مشاهدة فيلم نولان.

ففي نهاية المطاف، كان البريطانيون عام 1940 وحدهم. وقد استغرق الأمر جيلاً آخر لتأسيس أوروبا التي لن يكون فيها المزيد من المذابح الدولية. ومرَّت 72 عاماً من السلام، والآن، نُعيد ارتكاب خطأ دانكيرك كله من جديد".