الهجرة الشرعية إلى أميركا تواجه تغييرات هي الأشمل منذ عقود.. ترامب أعلنها ومعارضوه يقدمون مبرراتهم لرفضها

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Carlos Barria / Reuters

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعضوان جمهوريان بمجلس الشيوخ، الأربعاء 2 أغسطس/آب 2017، عن خطة في البيت الأبيض لتقليص عدد المهاجرين، القادمين بشكل قانوني للولايات المتحدة، إلى النصف، مع تفضيل الوافدين الذين يتحدثون الإنكليزية.

وألقى ترامب بثقله خلف مشروع قانون وضعه السيناتور توم كوتون والسيناتور ديفيد بيرديو، يقولان إنه يقلص عدد الوافدين بشكل قانوني للولايات المتحدة بواقع 50% خلال 10 أعوام، من خلال الحدّ من قدوم الأقارب الذين يمكن للمهاجرين أن يستقدموهم للبلاد. ويواجه مشروع القانون طريقاً طويلاً للمرور عبر الكونغرس.

الخطة ستقرُّ تغييراتٍ هي الأشمل في نظام الهجرة الشرعية منذ عقود، ما يمثل أحدث جهود الرئيس الأميركي الرامية إلى وقف تدفق الوافدين الجدد إلى الولايات المتحدة. ومنذ توليه الحكم، حظر ترامب دخول العديد من المسافرين من دولٍ محددة ذات أغلبية مُسلِمة إلى الولايات المتحدة.

وقال ترامب: "عملية التقديم التنافسية هذه ستفضِّل المتقدمين الذين يستطيعون التحدث بالإنكليزية، ويدعمون أنفسهم وأسرهم مالياً، ويُظهرون مهارات ستسهم في اقتصادنا".

وانتقد ترامب ومشرِّعون جمهوريون نظام الهجرة الحالي، وقالوا إنه عفى عليه الزمن ويضر بالعمال الأميركيين بتقليص الأجور.

وقال ترامب: "الإصلاحات ستساعد في ضمان استيعاب الوافدين الجدد لبلدنا الرائع ونجاحهم وتحقيق الحلم الأميركي".

وبموجب القانون الجديد، ستعطي الولايات المتحدة أولوية للمهاجرين أصحاب المهارات العالية، بإنشاء نظام قائم على الجدارة، يشبه ذلك الذي تستخدمه كندا وأستراليا.

وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، قال ترامب: "لن يستعيد هذا القانون فقط قدراتنا التنافسية في القرن الحادي والعشرين؛ بل أيضاً سيُعيد روابط الثقة المُقدَّسة بين الولايات المتحدة ومواطنيها". وأضاف: "يُبرهن هذا القانون على تعاطفنا مع العائلات الأميركية التي تعاني وتستحق نظام هجرة يضع احتياجاتها والمصالح الأميركية على رأس أولوياته".

إلى ذلك، قالت صحيفة واشنطن بوست إن الرئيس دونالد ترامب أفصح عن كرهه لطالبي اللجوء؛ "لكونهم أشخاصاً سيئين"، خلال مكالمة هاتفية أجراها مع رئيس الوزراء الأسترالي، مالكوم تورنبول.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست (خاصة)، المحادثة بين ترامب وتورنبول، والتي قالت إنها جرت في 28 يناير/كانون الثاني الماضي، بعد تسريبات حصلت عليها لعدد من المكالمات الهاتفية التي جمعت الرئيس الأمريكي وعدداً من المسؤولين.

وخلال المكالمة التي استمرت نحو 24 دقيقة مع المسؤول الأسترالي، قال ترامب: "أكره استقبال هؤلاء الأشخاص (اللاجئين)، وأؤكد لك أنهم في السجون الآن؛ لأنهم سيئون".

وأضاف: "حال سمحنا بدخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة فسنكون سيئين للغاية".

وأعرب الرئيس الأميركي عن رفضه الاعتراف بأهلية طالبي اللجوء للعمل والانخراط في المجتمعات، قائلاً: "لن يتحولوا إلى أشخاص رائعين حال ذهبوا إلى العمل، أو تحولوا إلى فلاحين في الولايات المتحدة".

ومن خلال الوقوف بكل ثقله وراء مشروع القانون الجديد، أضاف ترامب أولويةً أخرى ضعيفة الاحتمال إلى قائمة تشريعاته الجاهزة بالفعل، منذ فشل الجمهوريين في إلغاء واستبدال برنامج الرعاية الصحية خلال فترة حكم الرئيس باراك أوباما. وتعهَّد الرئيس بالفعل بإصلاح قانون الضرائب، وإعادة بناء الطرق والمطارات وغيرها من البنى التحتية.

لكن بتبنّيه مشروع قانونٍ يحدُّ من الهجرة الشرعية، وهي خطوة لطالما كان يدعمها، يعود ترامب إلى الفكرة الرئيسة التي ميَّزَت تاريخه السياسي القصير وألهبت حماسة قاعدة مؤيديه من المحافظين في وقتٍ تتراجع فيه نسبة تأييده باستطلاعات الرأي باستمرار. ففي استطلاعٍ حديث تابع لجامعة كوينيبياك، وافق 33% من الأميركيين فقط على أدائه في الحكم، وهو أدنى مستوى تأييد حظي به منذ توليه الرئاسة، متراجعاً عن نسبة تأييده خلال الشهر الماضي، يوليو/تموز، والتي بلغت 40%.

وسرعان ما عارض الديمقراطيون وبعض الجمهوريين الخطوة. وقال توم بيريز، رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي: "بدلاً من إلقاء القبض على المجرمين، يريد ترامب تمزيق مجتمعات ومعاقبة عائلات مهاجرة تُقدِّم إسهامات ذات قيمةٍ لاقتصادنا. ليست هذه هي المبادئ التي تدافع عنها الولايات المتحدة".

وسينشئ مشروع القانون، الذي قدَّمه النائبان في مجلس الشيوخ توم كوتن عن ولاية أركنساس وديفيد بيردو عن ولاية جورجيا، نظاماً قائماً على الاستحقاق لاختيار الأشخاص المسموح لهم بدخول البلاد والحصول على تأشيرة الإقامة الدائمة بناءً على مهاراتهم، وتعليمهم، وقدراتهم اللغوية بدلاً من علاقاتهم بأناسٍ موجودين بالفعل في الولايات المتحدة. ويُعيد مشروع القانون إحياء فكرةٍ كانت جزءاً من تشريعٍ أشمل للهجرة، وكان يدعمه الرئيس السابق جورج بوش الابن، لكنه فشل في تمريره في عام 2007.

ويُمنَح أكثر من مليون شخص تأشيرةَ إقامةٍ شرعيةٍ كل عام، وسيُقلِّص القانون المقترح هذا العدد بنحو 41% في أول عام لتطبيقه، و50% في عامه العاشر، وفقاً لتوقعات مقدمي المشروع. وتستهدف نسبة كبيرة من هذا الخفض الأشخاص الذين يأتون إلى البلاد عبر علاقاتهم الأسرية. وسيبقى عدد المهاجرين، الذين يحصلون على تأشيرة إقامةٍ شرعية بناءً على مهاراتهم الوظيفية والبالغ عددهم نحو 140 ألف شخص، دون تغييرٍ تقريباً.

ووفقاً للنظام الحالي، يُسمَح بدخول غالبية المهاجرين الشرعيين إلى الولايات المتحدة بناءً على روابطهم الأسرية؛ إذ يستطيع المواطنون الأميركيون كفالة أزواجهم، وآبائهم، وأطفالهم القصَّر لعددٍ غير محدودٍ من تأشيرات الإقامة، بينما يُمنَح الأشقاء والأطفال البالغون الأفضلية للحصول على عددٍ محدود من التأشيرات المتاحة لهم. ويستطيع أيضاً المقيمون الدائمون في الولايات المتحدة بشكلٍ شرعي وحاملو البطاقات الخضراء كفالة أزواجهم وأطفالهم للحصول على تأشيرة الإقامة.

وسيمنح القانون نقاطاً للمهاجرين بناءً على تعليمهم، وقدرتهم على تحدث اللغة الإنكليزية، وعروض الوظائف مرتفعة الأجر، والسن، وسجل الإنجازات، ومبادرات قطاع الأعمال.

وتفيد توقعات داعمي مشروع القانون بأن عدد المهاجرين الشرعيين سينخفض إلى 637 ألفاً و960 شخصاً في أول عام لتطبيق القانون، ثم إلى 539 ألفاً و958 شخصاً بعد مرور 10 سنوات. وقال النائب بيردو: "إن نظامنا الحالي غير صالح للعمل؛ فهو يعيق القدرة التنافسية للولايات المتحدة ولا يلبي الاحتياجات الحالية لاقتصادنا".

وقال النائب كوتون إن العمالة المهاجرة متدنية المهارة أدت إلى خفض مستوى أجور هؤلاء الذين يعملون بأيديهم. وأضاف: "ربما يعتقد بعض الأشخاص أن هذا رمزٌ لفضيلة وكرم أميركا. لكنني أعتقد أنه رمزٌ لعدم الوفاء بالتزاماتنا تجاه الأميركيين من الطبقة العاملة. نحتاج إلى تغيير هذا الأمر".


نائب جمهوري معارض


لكن النائب الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية ليندسي غراهام، أشار إلى أن قطاعي الزراعة والسياحة يعدان أفضل القطاعات الاقتصادية أداءً في ولايته. وقال: "إذا تحول هذا المشروع إلى قانون، فسيُدمر اقتصاد ولايتنا، التي تعتمد على هذه العمالة المهاجرة. ستخبرك الفنادق، والمطاعم، وملاعب الغولف، والمزارع بأن مشروع خفض عدد المهاجرين الشرعيين إلى نحو النصف سيُصيب أعمالهم بالشلل".

وقال منتدى الهجرة الوطني، وهي منظمة حقوقية، إن البلاد تواجه أصلاً فجوة في حجم العمالة المطلوبة بنحو 7.5 مليون وظيفة بحلول 2020. وقال علي نوراني، المدير التنفيذي للمنظمة: "سيتسبب خفض عدد المهاجرين الشرعيين، من أجل الحد من الهجرة فقط، في ضررٍ يتعذر إصلاحه للعامل الأميركي وأسرته".

وتُظهِر استطلاعات الرأي أن معظم الأميركيين يعتقدون أن المهاجرين الشرعيين مُفيدون للبلاد. وفي مسح رأي، أجرته مؤسسة غالوب في يناير/كانون الثاني الماضي، كان 41% من الأميركيين راضين عن مستوى الهجرة بشكلٍ عام، بارتفاعٍ قدره 11 نقطة مئوية عن العام السابق له، وهي أعلى نسبة منذ طرح هذا السؤال في 2001. لكن، لا يزال 53% من الأميركيين غير راضين عن مستوى الهجرة.


ترامب يردُّ على صحفي


أدت الخطة، التي يتبناها ترامب وفق نيويورك تايمز إلى اشتعال الجدل أثناء الإدلاء ببيانٍ موجز في البيت الأبيض عندما دافع ستيفن ميلر، مستشار سياسات الرئيس والداعم لفرض قيودٍ على الهجرة منذ وقتٍ طويل، عن القانون المقترح. وفي محاولةٍ لتوظيف الإحصاءات لدعم مزاعمه بأن الهجرة تجعل الأميركيين يخسرون وظائفهم، أشار ميلر إلى عدة دراسات كانت محل جدلٍ بين الخبراء.

عندما قرأ مراسلٌ صحفي بعض الكلمات المنقوشة على تمثال الحرية -"امنحوني جماهيركم المحتشدة، الفقيرة، المنهَكة، والتوَّاقة إلى تنفُّس الحرية"- رفضها ميلر وقال عنها: "أُضيفت القصيدة التي تُشير أنت إليها في وقتٍ لاحق. لم تكن فعلياً جزءاً من التمثال الأصلي".

وأشار إلى أن الولايات كانت تسمح بدخول المهاجرين في عام 1970 بعددٍ لا يتجاوز ثلث عدد المهاجرين الشرعيين الذين تسمح لهم بدخول البلاد حالياً. وقال: "هل كان هذا يشكل انتهاكاً لقصيدة قانون الأرض المنقوشة على تمثال الحرية؟".