لا زواج لمغتصب.. هكذا رأى القانون الأردني فهل لبَّى مطالب المجتمع؟

تم النشر: تم التحديث:
JORDAN WOMEN
S


على خلاف ما يشاع من أن رغبة الأسر الأردنية تتجه نحو الستر على فتياتهن المغتصبات من خلال الموافقة على تزويج الضحية بالجاني، فإن المطالبة بإزاحة الظلم والابتزاز، الذي تتعرض له الفتاة وأهلها، إنما جاء بعد مطالبات ورسائل كتبت من ذوي الضحايا، أكدت ضرورة وقف ويلات المادة القانونية صاحبة الرقم الشهير 308 من قانون العقوبات الأردني، التي كانت على موعد مع نهاية لا عودة فيها، بدءاً من الأول من شهر أغسطس/آب 2017، بعدما أعلن البرلمان إلغائها.

فأصبحت المادة منذ هذا التاريخ لاغية، بعدما منحت لسنوات ماضية طويلة، الجناة في الجرائم الجنسية فرصة للإفلات من العقاب بزواجهم من الضحية.

النص القانوني الذي شكل جدلاً على الساحة المحلية، جاء حصيلة عمل ميداني لمؤسسات مجتمع مدني، تعاملت مع ضحايا كُثر على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، وكشفت عن أن النص يكافئ الجناة في الجرائم الجنسية، ولا ينصف الفتيات ضحايا الاعتداءات.

وتثبت نتائج دراسة بحثية أعدتها جمعية معهد تضامن النساء الأردنية بخصوص المادة 308، ما كشفت عنه الرئيسة التنفيذية لمركز ميزان للقانون، المحامية إيفا أبو حلاوة في حديثها لـ"هاف بوست عربي"، بأن ما نسبته 92% من الأردنيين يشجعون الضحية على تقديم شكوى ضد الجاني، وأن 54% من الأردنيين لا يشجعون الضحية مطلقاً على الزواج من الجاني.

وكان النص الملغى حديثاً يساعد على "إفلات الجاني من العقاب" في قضايا الاغتصاب، عبر إيقاف ملاحقة المعتدي في حال وجود عقد زواج صحيح لم ينته بالطلاق دون سبب مشروع قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة، وانقضاء خمس سنوات على الجناية من تاريخ إبرامه.


ويلات التطبيق العملي للنص


وتوضح المستشارة القانونية في اتحاد المرأة الأردنية هالة عاهد لـ"هاف بوست عربي"، أن نص المادة الملغاة في قانون العقوبات الأردني، في الباب الأول من الفصل السابع منه على وجه التحديد، كانت تجعل الغاية منه فقط السترة، على ضحايا الاعتداءات الجنسية؛ بحجة: من سيقبل الزواج بالضحية أو الناجية من الاعتداء؟

وتقول المحامية أبو حلاوة: "من خلال القضايا التي تعاملنا معها، شعر ذوو الضحايا بالاستفزاز من النص القانوني، وكانوا يقولون: أعطونا البديل، ما بدنا نجوز بناتنا".

ووفق ما توضحه أبو حلاوة لـ"هاف بوست عربي"، فإن النص لم يقتصر تطبيقه على الضحايا من البيئات المهمشة أو الفقيرة، بل تنوعت ضحاياه وشملت أيضاً الطبقات الغنية وسكان الضواحي، وحتى ضحايا ينتسبن لعشائر أردنية.

وتتساءل المحامية: "مَن الأب الذي يقبل زواج ابنته تحت الضغط والابتزاز؟".

وتلفت إلى أن النص كان يُطبق على القاصرات (أقل من 18 عاماً)، اللواتي يكشف أمرهن من خلال وجود الحمل أو اقتران الاغتصاب بخطف أو ما شابه، إلا أن البالغات كن يحجمن عن الشكوى والإبلاغ عن الجريمة خشية تعرضهن لمثل هذا النوع من الزواج.

خطورة النص لم تقف عند عدم ملاحقة الجاني بحسب ما ذكرت أبو حلاوة، بل إن السنوات الماضية من تطبيق النص القانوني، أثبتت التناقض والتحايل الذي يلجأ إليه الجاني من زواج لا يراد له الاستمرارية، وإنما فقط للإفلات من العقوبة المقررة.

وأوضحت أن الضحايا هن من يلجأن للمطالبة بالطلاق قبل انقضاء المدة الزمنية في النص (وهي خمس سنوات)، نتيجة لسوء المعاملة أو الاستغلال والعنف الذي تجده الضحية، فضلاً عن أنه في حال وقوع طلاق فإنه لا يجري إبلاغ المدعي العام بالطلاق وإعادة الملاحقة القانونية بحق الجاني.

وتذكر أبو حلاوة أن واحدة من القضايا التي عملت عليها، جرى فيها الطلاق قبل انقضاء المدة المشترطة، ما استدعى تقديم طلب بإعادة الملاحقة الجزائية للجاني، إلا أن الطلب رُدَّ من قِبل المحكمة، ولم يلاحق الجاني.

وتضيف المستشارة عاهد في حديثها، إن المادة كانت تسمح بوقف الملاحقة بحق الجاني قبل صدور حكم يقضي بثبوت ارتكاب المتهم للفعل أو ببراءته، ما يعني أن يقبل المتهم بالزواج خشية من السجن، حتى وإن كان بريئاً؛ ما قد يفتح المجال للابتزاز والشكاوى الكيدية.


الواقع العملي بعد إلغاء 308



وتؤكد عاهد لـ"هاف بوست عربي" أن إلغاء النص 308 يعني أنه لن يكون أمام الجاني في الجرائم الجنسية فرصة الزواج من الضحية، والإفلات من العقاب، بل ستُطبق أحكام قانون العقوبات الخاصة بكل جريمة، باعتبار أن الغاية من القاعدة القانونية تحقيق الردع العام وإنصاف الضحايا وإصلاح الجاني.

بيد أنها تطرح تساؤلاً: "هل إلغاء المادة 308 حلّ للضحية، وهل ستجبر الآثار النفسية والصحية والاجتماعية التي يوقعها الاعتداء الجنسي؟ إن إلغاءها حمل انعكاسات سلبية على الضحية".

وترى المستشارة القانونية، أن النص بإلغائه لم ينتصر فقط للضحية، بل للمجتمع أيضاً، الذي كان يتأثر بترك الجاني حراً طليقاً يهدد أخريات، دون أن تكون له برامج إعادة تأهيل ليعود سوياً للمجتمع سلوكه قويم.

وتضيف: "حتى قبل الإلغاء لم نتوقف عن المطالبة بتنفيذ برامج إرشادية، وبرامج أخرى للتعامل مع الضحية نفسها وذويها أيضاً، لمعالجة الأضرار النفسية والاجتماعية التي لحقت بهم".

"لا يعني انتهاء 308 أن منظومة الحماية القانونية لا تحتاج لإصلاح؛ إذ إن صعوبة الأمر تستدعي وجود دعم لذوي الضحية، وهذا دور يتطلب تعاوناً من قبل الجانب الرسمي مع مؤسسات المجتمع المدني".

وتلفت إلى ضرورة العمل على برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، ورفع الوعي القيمي؛ إذ ثمة حاجة لمنهج شمولي متكامل يطبق للضحية وذويها وللجاني والمجتمع أيضاً، ليس فقط مجرد قرارات بالحبس أو ما شابه".

وتابعت: "نحتاج للعمل على تفعيل الدعم النفسي والاجتماعي لضحايا الاعتداءات الجنسية، إلى جانب أن يجبر القضاء الشرعي الآباء البيولوجيين من تلك العلاقات -في حال وجود أطفال- بالإنفاق عليهم".

وأبدى رواد الشبكات الاجتماعية ترحيباً بقرار البرلمان الأردني، مؤكدين أنه انتصار للمرأة.