هل فشلت الثورة المصرية؟ رواية "المدينة تربح دائماً" تقدم سؤالاً مختلفاً.. إليك القصة التي لم تُروَ بعدُ

تم النشر: تم التحديث:
S
s

هل فشلت الثورة المصرية؟ "المدينة تربح دائماً"، رواية جديدة للكاتب عمر روبرت هاملتون، تزعم أن هذا قد يكون السؤال الخطأ.

فهل يمكن أن تكشف رواية جوانب من تاريخ ثورة يناير/كانون الثاني المصرية، لم ينتبه لها من عاشوها وشاركوا بها .

الكاتبة: روزينا علي، عضو فريق تحرير مجلة The New Yorker، استعرضت في مقال لها بالمجلة الرؤية ‏المختلفة التي تقدمها هذه الرواية، ‏لافتةً في الوقت ذاته إلى ‏الخلافات التي يعانيها المجتمع المصري بشأن تفسير ماضيه القريب ما بين 25 يناير/كانون الثاني 2011 و30 يونيو/حزيران 2013 وما بعدها والتي تقدم هذه الرؤية.


كأنها لم تحدث!


وأشارت ‏روزينا علي، ‏في مستهل مقالها، إلى أنه عام 2016، بعد 5 سنوات من الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، قررت الحكومة المصرية تغيير الإشارات العامة لثورة 2011. وأغفلت أسماء النشطاء من الكتب المدرسية، وقللت من قيمة الاحتجاجات الجماهيرية في بعض كتب المدارس الثانوية.

وقال كمال مغيث، الباحث في المجلس القومي للتعليم في مصر، لصحيفة واشنطن بوست، في ذلك الوقت: "وكأن الثورة لم تحدث!" .

وفي الشهر الماضي (يوليو/تموز 2017)، أعلنت وزارة التربية والتعليم أنها ستلغي ذكر مظاهرات يناير/كانون الثاني 2011، ويونيو/حزيران 2013، من كتب التاريخ للعام الدراسي المقبل. اتضح أن سؤال الامتحان في العام الماضي كان مثيراً للجدل للغاية: "كيف كانت الأمور ستسير لو لم يلقِ السيسي خطاب 30 يونيو/حزيران 2013 (‏إثر انطلاق التظاهرات المناهضة للرئيس المنتخب السابق محمد مرسي والتي انتهت بإطاحة الجيش به)؟".

تشير الكاتبة إلى أن هذا هو الخطاب الذي وجه فيه عبد الفتاح السيسي، الرئيس الحالي لمصر، إنذاراً إلى الحكومة، بقيادة الرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين آنذاك: عليكم "تلبية مطالب الشعب"، أو أن الجيش "سيعلن خريطة الطريق... للمستقبل." وبعد 3 أيام، قام الجيش بالإطاحة بالرئيس مرسي.

وحسب الكاتبة، فإنه في الأشهر التي أعقبت ذلك، قتل نظام السيسي نحو 1000 متظاهر مؤيد لمرسي ​​في يوم واحد، وحظر جماعة الإخوان المسلمين، واحتجز الصحفيين، وأخفى قسراً وسجن الآلاف من المعارضين. واليوم، يكافح بلد التسعين مليون نسمة، الذي أطاح بالدكتاتور، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة التضخم. كان سؤال الامتحان مثيراً للجدل؛ لأنه يطرح ضمناً سؤالاً آخر: هل فشلت الثورة المصرية؟


السؤال الخاطئ: هل فشلت الثورة المصرية.. فما الصحيح إذاً؟


يبدو أن روزينا تلجأ إلى رواية "المدينة تربح دائماً" للكاتب عمر روبرت هاملتون، للحصول على إجابات، ولكن الرواية لا تقدم إجابة؛ بل تزعم أن هذا قد يكون السؤال الخطأ.

تدور أحداث الرواية في أواخر عام 2011، وتركز على الحياة المتشابكة للناشطة مريم والصحفي خليل.

تقول الكاتبة "ذات مساء، في مكتبة ماكنالي جاكسون، بنيويورك، أصر هاملتون، وهو صحفي ومخرج، على أنه لا يمكن للمرء أن يحدد نهاية الثورة المصرية، وهي ليست لحظة يمكن قياس نجاحها أو فشلها بدقة. لهذا لجأ إلى الرواية. فالمقالات الإخبارية والتحليلية، والأعمال التاريخية، تركز، بطبيعة الحال، على أحداث منفصلة -ثورة 25 يناير؛ مذبحة ماسبيرو في أكتوبر/تشرين الأول؛ احتجاجات يونيو/حزيران 2013- وتعتبرها علامات على التقدم أو الفشل.

أما الخيال، فيعطي الكُتّاب مزيداً من الحرية للنظر في الحياة الداخلية للناس الذين تشكلهم تلك الأحداث. من خلال معالجة هذه العواقب الأقل وضوحاً، يمكن لهاملتون أن يجيب عن نوع مختلف من الأسئلة، ليس ما إذا كانت الثورة فشلت، ولكن ما إذا كان من المنطقي تصور أن الثورة لا تزال على قيد الحياة.


ماسبيرو


تبدأ رواية "المدينة تربح دائماً" بمشرحة المستشفى في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وهو الشهر الذي قتل فيه الجيش المصري أكثر من 20 متظاهراً سلمياً (قبطياً) بالقرب من ماسبيرو، مبنى التلفزيون الحكومي. ووُصف هذا الحدث فيما بعد بأنه "اليوم الأكثر دموية منذ الثورة"، ولكن الجيش نفى أنه استخدم الرصاص الحي على المدنيين.

في المشرحة، مريم، شابة، منفعلة، ومرهَقة، تراقب امرأة تحتضن رجلاً ميتاً بين ذراعيها. ويصر والد أحد القتلى على أن يدفن المتوفى فوراً، في حين يرى آخرون أنه يجب عليهم انتظار تقرير الطب الشرعي؛ فهم يرون أنه طريقهم لتحقيق العدالة.

وتتابع بقية الرواية مريم وخليل وأصدقاءهما الذين يُنشئون معاً مجموعة إعلامية؛ لمواجهة الأخبار التي تسيطر عليها الدولة. شارك هاملتون في تأسيس جمعية "موسرين" الإعلامية غير الربحية، في القاهرة عام 2011. وأيضاً مثل خليل، عاد إلى نيويورك بعد سنوات قليلة من الثورة.

في ماكنالي جاكسون، أصر هاملتون على أن الكتاب ليس سيرة ذاتية؛ ومع ذلك، فإنه يتنقل بمهارة بين الواقع والخيال في الرواية، ويحدد الأحداث بالتواريخ، ويستعين بتغريدات حقيقية، وعناوين الصحف.

يعرف أي شخص على دراية بتاريخ مصر الحديث تسلسل الأحداث. لكن التشويق يكمن في عدم اليقين بشأن كيفية استجابة الشخصيات.


لماذا لا تبدأ الرواية بيوم انطلاق الثورة ؟


وتقول الكاتب إنه من اللافت للنظر أن كتاب هاملتون لا يبدأ بأحداث يناير/كانون الثاني 2011، والانتصار غير المتوقع للمتظاهرين. ولكن هذه القصة "أفسدتها كثرة تفاصيلها"، كما يرى أحد أصدقاء خليل، ويعمل مخرجاً. بدلاً من ذلك، تلوح تلك الأيام الـ18 من أوائل عام 2011 في الأفق مثل شبح على شخصيات الرواية .

ولكن، يبدو أن كل ما يفعلونه يُصدر حكماً على ما حدث حينذاك. قصة الثورة، كما يقول هاملتون، ليست هي الأيام الوردية الأولى؛ بل كل ما جاء بعد ذلك.

جزء من شهادة الرواية على عام 2011 هو مجرد تذكُّر لأولئك الذين ماتوا في يناير/كانون الثاني، وفي السنوات التي تلت ذلك. ولكن حتى هنا، يقاوم هاملتون الشاعرية والرومانسية.

يتداخل الحداد مع الإحساس بالذنب غير المريح: ذنب خليل لعدم قدرته على تحمُّل عبء الأب الذي فقد ابنه؛ وذنب الأم لتشجيع المقاومة وهي تعرف أن شباباً، مثل ابنها، سوف يُقتلون واحداً تلو الآخر. وذنب جيل لمحاولة تغيير بلده، وهو يتساءل عما إذا كان أولئك الذين ماتوا قد ماتوا دون جدوى. "الكثير من القتلى، الكثير من المفقودين" ملاحظة تتكرر في جميع أنحاء الكتاب.


هل كانت يناير سلمية؟


يخدم سرد هاملتون، في جزء منه، تحدياً للرواية الرسمية التي تصرّ على أن الجيش لم يقتل المتظاهرين السلميين وأن السيسي يحمي الثورة.

يتحدى الكتاب أيضاً أسطورة أن يناير/كانون الثاني 2011، كانت جميلة وسلمية. وبهذه الطريقة، فهي تذكّر أيضاً بالقمع والعنف اللذين يستمران.

في هذه الأيام، قد لا ينزل الملايين إلي ميدان التحرير، لكن المعارضين لا يزالون يُقتلون، ولا يزال الناشطون قيد الاحتجاز. "ليس هناك بريق لهذه الأمسيات المؤلمة الطويلة. ولا أحد يرى المشاهد الذابلة".
ما يدفع القصة إلى الأمام، ليس هو تحقيق نظام طوباوي؛ بل الناس الذين يشعرون بهذه الحاجة التي لا تتزعزع للقيام بشيء ما، والخبرة التي عاشوها بهذه الحاجة.

وصف هاملتون قصة الحب في الرواية بأنها عرضية؛ وأنها أداة أدبية لمساعدة القارئ كما قال. ولكنها أداة يتقن هاملتون استخدامها؛ مما يعطي الأحداث شكلاً يتجنب المأساة. يتجلى حب مريم، التي لا تزال تنظم الفعاليات، وخليل، الذي يكافح لفهم الهدف من القيام بذلك، ككناية عن الثورة.

التقى الاثنان في يناير/كانون الثاني 2011، في خضم الأدرينالين وإثارة تلك الأيام الأولى. كافحوا من أجل الحفاظ على هذه العلاقة كما كافحوا من أجل الحفاظ على الثورة على قيد الحياة.

وفي نهاية المطاف، تنتهي قصة الحب. وعندما حدث هذا، لم يكن هناك صراخ، ولا كلمات لاذعة أو دموع.، يبدو أنهما كانا يعرفان أن مثل هذه النهاية لا مفر منها. وعلى الرغم من انقطاع علاقتهما العاطفية، فإنهما استمرا في النضال معاً. ربما هذا ليس أملاً، لكنه يبدو شيئاً من هذا القبيل.