يوليو المثقل بدمائهم.. المختطفون يتحولون لإرهابيين ببيانات الداخلية المصرية.. إليك واقعة أثبتتها صحيفة مقربة للسلطة

تم النشر: تم التحديث:
POLICE EGYPT
Amr Dalsh / Reuters

ضرب يوليو/تموز 2017 أرقاماً قياسية في درجات الحرارة على أرض مصر، وفي ظاهرة الاختفاء القسري التي توجه أصابع الاتهام فيها للسلطات الأمنية المصرية، حسب منظمات ونشطاء والمجلس القومي لحقوق الإنسان الحكومي.

ووقفاً لتقرير حقوقي نشره المركز العربي الإفريقي للحقوق والحريات على صفحته على موقع فيسبوك، تم تصفية 45 معارضاً سياسياً للنظام المصري، في الفترة ما بين 23 يونيو/حزيران 2017، إلى 23 يوليو/تموز 2017، ثبت تعرض معظمهم للاعتقال والإخفاء القسري من قبل الأجهزة الأمنية المصرية.


صحيفة موالية للسلطة تفضح الداخلية


"دعنا نقرأ بيان وزارة الداخلية المصرية عن تصفية 8 إرهابيين بتاريخ 23 يوليو/تموز 2017، بمحافظة الفيوم، الواقعة جنوب القاهرة"، يقول الناشط الحقوقي هيثم غنيم، مضيفاً أن هذا البيان نشره موقع البوابة نيوز المقرب من السلطة.

ويقول غنيم: أدعوكم لقراءة الاسم رقم سبعة، الإخوانى الإرهابي عمر عادل محمد عبدالباقي. أضع أمامكم الآن هذا الرابط ومن نفس الموقع، بتاريخ 15 يوليو/تموز 2017، عن القبض على الطالب عمر عادل عبدالباقي بتهمة الانضمام لتنظيم جماعة الإخوان الإرهابية، أي قبل مقتله بثمانية أيام، والآن حدثني عن شعورك"، هكذا يتساءل هيثم غنيم.



egypt



هذه صورة (سكرين شوت) لتقرير موقع البوابة في حال حدف الصفحة

يرد الناشط على نفسه بأن "هناك من يحاول التكذيب ولا يستطيع، وهناك من هو خائف جداً، وهذا هو ما ذكره سابقاً محمد لطفي المدير التنفيذي للجنة المصرية للحقوق والحريات، لموقع CNN، حين قال إن الحكومة المصرية ترتكب جرائم الاختفاء القسري لسببين، أحدهما هو استخدام الاختفاء كأداة لنشر الخوف بين أفراد المجتمع".

تستحق حالة الطالب عمر تحديداً التوقف عندها، فقد ازدادت الملابسات تعقيداً، بعد انتشار مقطع صوتي بعنوان "جزء من وصية الشهيد عمر عادل"، كان مصدره صفحة قاف - Qaaf على فيسبوك، وهي صفحة معنية بنشر أخبار الحركات المسلحة التي تعارض نظام السيسي، حيث اعتبرت بعض المواقع الإخبارية أن نشر "قاف – Qaaf" للمقطع الصوتي هو بمثابة نعي من حركة "حسم" لعمر عادل، وهو ما يعزز رواية الأمن التي تقول بمقتله في اشتباك مسلح.





الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، في حديث لـ"هاف بوست عربي"، قال إنه لا يستطيع أن يؤكد أو ينفي مزاعم قيام الشرطة بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون، لأنه لا يمتلك أدلة إثبات أو نفي هذه التهمة، كما أن المجلس لم يتلق إلى الآن شكاوى رسمية من أهالي من يزعمون أن ذويهم قتلتهم قوات الأمن خارج نطاق القانون حتى يفتح تحقيقاً في الأمر.

لكن عبد القدوس يضيف أنه ليس هناك شك في وجود حالات اختفاء قسري. "أصبحت شيئاً طبيعياً ومؤكداً بنسبة 100%، والمجلس القومي لحقوق الإنسان عمل على هذا الملف كثيراً جداً، أما أن يستتبع هذا الاختفاء قتل خارج إطار القانون فهذا لا أستطيع أن أؤكده أو أنفيه".


الأهل يتحدثون


محمد عبد الباقي، عم القتيل عمر عادل، قال لـ"هاف بوست عربي": إن ابن أخيه اختفى، يوم 13 يوليو/تموز 2017، وهو في طريقه إلى نادٍ رياضي يعمل به مدرباً لحراس المرمى في كرة القدم، وإن بعض معارفهم شاهدوا عمر في نفس اليوم بقسم أول الزقازيق، لكن عندما ذهب والده للسؤال عنه نفى قسم الشرطة وجوده، ما دفعهم إلى تقديم بلاغ للنائب العام باختفاء عمر قسرياً.

ويتابع عبد الباقي: نشرت بعض الصحف، بعد اختفاء عمر بيومين خبراً عن القبض عليه، بدعوى أنه محكوم عليه بالسجن 10 سنوات عسكرياً، بتهمة التظاهر من دون تصريح، والتحريض على أعمال الشغب والعنف، والمشاركة فيها، وزعزعة أمن واستقرار البلاد. فتأكدنا أن عمر بقسم الشرطة، لكن عندما ذهبنا للسؤال عنه، نفى القسم وجوده مرة أخرى.

وأردف قائلاً "كنا نجلس لمشاهدة التلفزيون، حين أذاعت القناة خبر إعلان الداخلية قتل 8 أشخاص بينهم ابننا عمر، هكذا علمنا بالخبر. بعدها بدأت رحلة جديدة من المآسي".


موت بلا جثمان


رحلة المآسي الجديدة التي حكى عنها عبد الباقي، تمثلت في رفض الأمن تسليمهم جثمان عمر إلى الآن، حيث ما زال الأمن يعتبر جثمان الشاب "مجهول الهوية" ويصر على إجراء تحليل DNA للجثمان ولأهل عمر للتأكد من هويته.

ويتساءل محمد: إذا كانت الداخلية قد أعلنت عن اسمه في بيانها فكيف تدعي بعد ذلك أنه "مجهول الهوية"؟ أو ليس هذا دليلاً على أن روايتها كاذبة؟

عند سؤاله عن المقطع الصوتي المنسوب لعمر بدعوى أنه وصيته، أقر محمد عبد الباقي بأن المقطع لعمر، لكنه نفى أن يكون جزءاً من وصيته، وأكد أنها قد تكون خاطرة سجلها عمر، وانتشرت بعد مقتله. فقد كان عمر خطيباً جيداً مفوهاً حسن اللسان، وكان يسجل مقاطع صوتية وخواطر له من آن لآخر، وهذا أحدها لكنه اقتطع من سياقه.


هل انتمى عمر إلى "حسم"؟


رغم أن المقطع الصوتي المنسوب لعمر منشور عبر صفحة محسوبة على تنظيمات مسلحة مناهضة للنظام المصري، إلا أن هذا لا يؤكد انتماءه لهذه التنظيمات، فالمقطع الصوتي لا يوجد به دليل على أنه وصية عمر، كما ذكر في عنوان المقطع، أو على أن عمر انتمى إلى إحدى الجماعات المسلحة.

يدعم رواية عمّ عمر، عن المقطع الصوتي ، مقطع آخر للشاب يقوم فيه بالخطابة واستعراض مهاراته اللغوية، وهو ما قد يشير إلى أن المقطع الصوتي الأول قد يكون منزوعاً من سياقه فعلاً، وربما كان المقطعان من تسجيل واحد.





وبفحص الموقع الرسمي لحركة حسم على الإنترنت، لم نجد به نعياً لعمر عادل باعتباره أحد عناصر الحركة، وهو ما يتنافى مع نهج الحركة التي اعتادت نعي عناصرها المقتولين، كما حدث مع أحمد محمد سويلم الذي قتل في وقت سابق، من يوليو/تموز 2017، والذي نعته الحركة في بيان رسمي بعدها بيومين.


انتقادات حقوقية للنيابة


أجرت "هاف بوست عربي" رصداً للوقائع التي أعلنت وزارة الداخلية المصرية فيها قتل عناصر منتمية إلى جماعات مسلحة مناهضة للنظام، خلال شهر يوليو/تموز 2017، فكان عددها 11 واقعة، قتل فيها 47 شخصاً، قالت الشرطة إنهم اشتبكوا معها، لكن لم تتوفر مصادر أخرى للتأكد من الرواية الرسمية.

ويقول المحامي الحقوقي محمد الباقر لـ"هاف بوست عربي"، إن المتابع يجد نفسه أمام روايتين؛ "الأولى لوزارة الداخلية تدعي فيها أن المقتولين سقطوا خلال مواجهات مع قوات الأمن، دون وجود آلية محايدة للتأكد من هذه الرواية، والثانية للأهالي الذين يدعون أن ذويهم اختفوا قسرياً قبل ظهور جثثهم، ومعهم بلاغات للنائب العام وأدلة أخرى تدعم رواياتهم".

ويضيف أن الفيصل في التحقيق هنا هو النيابة العامة، التي يجب أن تفند الروايتين لكشف الحقيقة، لكن للأسف أصبحت النيابة المصرية تتعامل مع رواية الشرطة على أنها رواية مسلم بها، من دون إجراء تحقيقات جادة، وهو ما يعزز روايات الأهالي حول قتل ذويهم خارج إطار القانون أو "تصفيتهم" بحسب الوصف الإعلامي الدارج.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد تحدثت، في وقت سابق، عن احتمالية وقوع إعدامات غير قانونية في مصر. كما دعت منظمة العفو الدولية، في مطلع يوليو/تموز 2017، السلطات المصرية إلى التحقيق في تعذيب وإعدام 4 أشخاص خارج إطار القانون.


لست موجوداً


بمصر.. رسمياً.. أنت غير موجود.. اختطاف وتعذيب باسم مكافحة الإرهاب هذا هو ملخص تقرير منظمة العفو الدولية عن الحالة الحقوقية بمصر في شهر يوليو/تموز 2016، كما يرويه الناشط هيثم غنيم لهاف بوست عربي.

ويضيف أن شيئاً واحداً قد اختلف عن العام الماضي، "ما كان بالأمس اختطافاً وتعذيباً فقط، أضيف إليه اليوم وبعد مرور عام بالضبط التصفية الجسدية"، حسب قوله.

يقول غنيم إن الحديث عن الاختفاء القسري والتصفية الجسدية بمصر "مجرد كلمات"، ولكنه بالنسبة لأسر المئات من المختفين قسرياً هي أيام يعيشونها بين القلق والخوف وهم يبحثون عن أبنائهم، مستنجدين بكل من يستطيعون مراسلته.

ويروي الناشط مأساة عايشها بنفسه، في شهر يوليو/تموز 2017، المكتظ بمآسي الاختفاء القسري، إذ يقبع في غرفة العناية المركزة بأحد المستشفيات التابعة لمصلحة السجون المصرية، المعتقل سامي فهيم الفار، بعد إبلاغه بتصفية اثنين من أبنائه "المطلوبين سياسياً" بعد اختفائهم قسرياً، في شهر أبريل/نيسان 2017.

علم ذلك من بيان لوزارة الداخلية المصرية، في السبت 8 يوليو/تموز 2017، يعلن عن تصفية اثنين ممن سماهم البيان كوادر مسلحة لحركة "حسم"، في اشتباك مسلح أثناء محاولة القبض عليهم، ولكن الحقيقة أن أحدهما هو نجل علي الفار، وكان مختفياً قسرياً منذ 11 أبريل/نيسان 2017 أي منذ شهرين.

ويقول غنيم "لقد قدمت أسرته بلاغاً للنائب العام يفيد بتعرضه للاختطاف على يد قوات الأمن المصرية، وهو البلاغ الذي نشرت بوابة الحرية والعدالة صورة منه، بالإضافة لتوثيق التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عن اختفائه.

ويتابع الناشط قائلاً "خبر تصفية "علي الفار"، جعل الأسرة في رعب على مصير أخيه عماد، الذي اعتقل قبله بتاريخ 4 أبريل/نيسان 2017، وهو ما دفع ناشطين حقوقيين لإعادة النشر عن اختفائه، وهو ما فعلته أيضاً حملة أوقفوا الاختفاء القسري، ورغم ذلك أعلنت وزارة الداخلية المصرية مقتله تحت مزاعم الاشتباك المسلح، بتاريخ 18 يوليو/تموز 2017، حسب قوله.





يقول غنيم "ليست تلك هي حالة التصفية الوحيدة التي ثبت اختفاؤها قسرياً، بل هناك أيضاً حالة أحمد عبد الناصر عبد الله محمد البهنساوي، الذي قدمت أسرته بلاغاً باختفائه قسرياً، وتتهم فيه جهاز الأمن الوطني باحتجازه، وإرسال صورة له لإيهامهم أنه لم يتم اعتقاله أو إخفاؤه قسرياً، ولكن أسرته فوجئت أن الحائط الذي خلفه يحمل نفس نقش الحائط الوارد بأحد الفيديوهات، الذي أذاعته وزارة الداخلية لاعترافات أحد من تم القبض عليهم.



social


الداخلية تكذب المجلس الحكومي لحقوق الإنسان


خلال يونيو/حزيران 2015، شكل المجلس القومي لحقوق الإنسان (مجلس معين من الحكومة)، لجنة من 4 أعضاء لاستقبال شكاوى حالات الاختفاء ومتابعتها والتقصي بشأنها، لمخاطبة الجهات المعنية لإجلاء مصيرهم أو إدراجهم على قوائم "المختفين قسرياً".

وأوضح المجلس، خلال بيان أصدره حينها، أن الشكاوى بلغ عددها 163 حالة، بينهم 60 حالة بمحافظة القاهرة.

عضو المجلس، والمسؤول عن التحقيق في تلك الشكاوى، المحامي ناصر أمين، قال في حديث مع موقع "دوت مصر" في ديسمبر/كانون الأول 2015، إن الشكاوى أرسلت للداخلية عقب تشكيل اللجنة، ولكنها مع الأسف لم ترد على أي منها (حتى موعد الحديث).

وأوضح أنه للحكم على أشخاص أنهم مختفون قسرياً، لا بد أن يمر على غيابهم أكثر من 24 ساعة حتى مدة غير مقبولة، ولم يستدل عليهم في أقسام الشرطة أو أماكن الاحتجاز أو المستشفيات، أو يتم الإبلاغ أنه متوفّى في أماكن غير معلومة.

كما أكد جورج إسحاق، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن الاختفاء القسري موجود وإنكاره لن يفيد شيئاً، واصفاً هذا الأمر بـ"الجريمة".

وكشف "إسحاق" خلال حواره بأحد البرامج التلفزيونية، في 4 سبتمبر/أيلول 2016، أن المجلس وصلته 317 استمارة عن مختفين قسرياً، وهناك 25 حالة منهم تحت الفحص و27 تم الإفراج عنهم، وهناك 38 لم يستدل عليهم، بالإضافة إلى 16 لم يشر إليهم ولم ترد الداخلية عنهم.

وفي يناير/كانون الثاني 2017، ذكر العميد عصام الجمل، ممثل قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، إن هناك تكليفات من اللواء محمد عبد الغفار، وزير الداخلية، بتشكيل لجنة لفحص الشكاوى التي ترد إلى الوزارة بشأن مزاعم بوجود حالات اختفاء قسري، حيث تضاعفت الشكاوى الواردة إلى هذه اللجنة خلال الفترة الماضية.

وقال الجمل، في كلمة له بلجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، إنه بفحص هذه الشكاوى تبين أن هناك أشخاصاً وردت أسماؤهم بالشكاوى، هربوا خارج البلاد للمشاركة في الأعمال التي تتم في مناطق الصراع في العالم، ومن بينها أعمال إرهابية وجهادية مسلحة، بينما ارتبطت بعض الحالات بـ"الهجرة غير الشرعية"، إلا أن بعضهم لقي حتفه في البحر، حسب قوله.

وقبل ذلك بنحو عام ونصف العام، أكد مساعد وزير الداخلية لقطاع حقوق الإنسان اللواء صلاح فؤاد، في تصريحات صحفية أدلى بها في أكتوبر/تشرين الأول 2015، أنه لا يوجد في مصر أي حالة اختفاء قسري لأي شخص، متهماً تنظيم الإخوان بشن حملة دعائية ضخمة لاستغلال عدد من منظمات المجتمع المدني، سواء الدولية أو المحلية، والترويج لوجود حالات اختفاء قسري فى مصر من أجل تشكيل ضغط على الحكومة المصرية، وغلّ يدها عن إحباط مخططات التنظيم الإرهابية.

وفيما يتعلق بالتقرير الصادر عن المجلس القومي لحقوق الإنسان آنذاك، قال: "أنا لا أستطيع أن أتعامل بهذه الطريقة، فما معنى أن تذكر لي رقماً وتقول إنه لحالات اختفاء قسري، وتقول ابحث عنه، فمن يزعم وجود هذه الحالات عليه أن يرسل لنا الأسماء، بدلاً من تلك الأرقام التي لا تهدف إلا إلى إحداث حالة من الإرباك، والبلبلة"، حسب قوله.