أبادت عائلات بأكملها واقترب عدد ضحاياها من المليون.. حوادث المرور فعلت بالجزائريين ما عجز عنه الإرهاب

تم النشر: تم التحديث:
ALGERIA ACCIDENTS
s


بين انحناءات الأرقام الإحصائية الجامدة لحوادث المرور في الجزائر، تختفي تفاصيل مرعبة لظاهرة صارت توصف "بإرهاب الطرقات"، أبادت عائلات بأكملها وعجزت شباباً في مقتبل العمر، وأرهقت كاهل الدولة بخسائر مالية معتبرة.

ولم تستطع دول العالم أن تُزحزح الجزائر عن المراتب الأولى في عدد الوفيات جراء حوادث المرور، حيث تسجل قتيلاً كل 3 ساعات، وحادثاً كل 20 دقيقة، ومجازر جماعية تقشعر لها الأبدان من حين لآخر.

وباتت الحوادث المرورية مادة دسمة لصفحات شبكات التواصل الاجتماعي، التي توثق قصصا وشهادات وصوراً مؤلمة، تهدف في مجملها إلى إشعار السائقين بقيمة النفس البشرية.


الطرقات تقتل أكثر من الإرهاب


يكتظ الموقع الرسمي، للمركز الوطني للوقاية والأمن عبر الطرق، بالمنشورات الإرشادية والتعليمية والتوعوية، حول قواعد قيادة السيارات وقانون المرور والوقاية من الحوادث، لكن وبمجرد النقر على باب الإحصائيات ينكشف واقع مرعب.

حيث يقترب عدد ضحايا حوادث الطرقات بين قتيل وجريح من عتبة المليون شخص، خلال الفترة الممتدة بين 2003 و2016.

واطَّلعت "هاف بوست عربي" على إحصائيات رسمية، تفيد بأن المعدل السنوي للوفيات لا يقل أبداً عن 4000 قتيل، بينما يقترب معدل الجرحى من عتبة الـ60 ألفاً.

وبشكل أدق يقترب قتلى حوادث الطرقات منذ مطلع الألفية الجديدة من الـ100 ألف قتيل، ويناهز عدد الجرحى الـ900 ألف.

هذا الرقم المهول، يفوق بكثير ما خلَّفته الكوارث الطبيعية في البلاد من زلازل وفيضانات، بل ولا يصمد أمامه حتى ضحايا العشرية السوداء (الأزمة الأمنية خلال سنوات التسعينات)، التي خلَّفت 200 ألف ضحية.

وحسب تقرير صادر سنة 2014، حلت الجزائر ثالثة خلف السعودية والإمارات في عدد الوفيات الناجمة عن حوادث المرور، بمعدل قتيل كل 3 ساعات، وحادث كل 20 دقيقة.


مليار دولار خسارة سنوية


ولا تتوقف خسائر حوادث المرور في الجزائر عند إزهاق الأرواح، وترك أمراض دائمة من شلل وفقدان أعضاء حيوية للآلاف من الأشخاص، حيث تخلف أيضاً تكلفة مالية باهظة جداً.

وأعلن وزير الداخلية والتهيئة العمرانية، نور الدين بدوي، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، خلال جلسات وطنية لحوادث المرور " تقدر بـ100 مليار دج (1 مليار دولار)".

وقال بدوي "الحصيلة الخطيرة بكل الأبعاد لا تعبر عن الصورة الحقيقية لهذه الظاهرة الأليمة، كونها أرقاماً لا تُظهر للعيان حجم الألم والمعاناة التي تتكبدها عائلات الضحايا".

ولم تفلح الحملات التوعوية والإجراءات الردعية الصارمة للسلطات العمومية في الحدِّ من حوادث المرور بشكل كبير، فما زال المعدل السنوي للقتلى يقدر بـ4000 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى.

وتشير الإحصائيات إلى أن العامل البشري هو السبب الأول وراء حوادث المرور، بنسبة 95%، ويتصدر الإفراط في السرعة والنوم قائمة الأسباب.


قصص أليمة وقبور جماعية


ووراء كل حادث أليم قصة، لا يعلم بتفاصليها عادة سوى عناصر الإسعاف ومَن شهد الحادث وأهل الضحايا.

ومع انتشار استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، بات التوثيق لمجازر المرور بالصوت والصورة متاحاً.

وتعتبر صفحة "حوادث المرور في الجزائر" الأكثر شهرة على موقع فيسبوك، حيث يرصدها أكثر من مليون ونصف المليون متابع، وتتلقى المئات من الرسائل والتبليغات عن الحوادث بشكل يومي.

ومن المشاهد المؤلمة، التي نقلتها الصفحة، الثلاثاء 1 أغسطس/آب 2017، صورة لأربعة قبور محفورة بإحدى مقابر ولاية بسكرة جنوبي البلاد، تنتظر جثامين عائلة كاملة هلكت في حادث سير ببلدية مخادمة.

algeria accidents

ومن القصص الحزينة التي نقلتها الصفحة تحت هشتاغ "#حادث_و_عبرة"، قصة شاب روى تفاصيل حادث تعرَّض له وهو قادم من مدينة سيدي بلعباس (غربي البلاد) نحو العاصمة.

وقال "كان سبب الحدث المطر، وكانت جدتي وعمتي وولداها معي داخل السيارة، كنت أسير بسرعة 90 كلم، سقطت في حفرة بالطريق وانزلقت بنا السيارة نحو الممر الأول للطريق، وبعدما ظننت أني نجحت في التحكم بها، صدمتنا شاحنة ذات مقطورة، ماتوا جميعاً وبقيت أنا، وأصبحت أعرج بالمشية".

وفي 25 يوليو/تموز 2017، صعقت مدينة خراطة بولاية بجاية (البلاد)، بكارثة مرورية، بطلتها شاحنة من الوزن الثقيل تسببت بمقتل 4 نساء من عائلة واحدة، بعدما قطعت الفرامل وعجز السائق عن التحكم بها.

بعد 4 أيام من هذا الحادث الأليم، نشرت الصفحة رسالة لصاحب الشاحنة، يقول فيها "أنا صاحب الشاحنة التي تسببت بالحادث في خراطة يوم 25 /07/ 2017، لأن الشاحنة فقدت المكابح، أريد طلب السماح والغفران أولاً من الله عز وجل ومن أهل ضحايا الحادث من قريب أو بعيد، قدر الله وما شاء فعل، إن ساعة الله لآتية، وقد عجز لساني عن التعبير وجزاكم الله خيراً".


زد من سرعتك فهناك أطفال بانتظار الدهس


وأمام جنون الوضع وصعوبة التحكم فيه، لجأ سكان أحد أحياء ولاية قسنطينة (شرقي البلاد)، إلى طريقة غريبة لحث السائقين على خفض سرعتهم والوعي بمخاطر الحوادث المرورية.

ونصبوا لافتات كتب عليها "زد من سرعتك فهناك أطفال لم يتم دهسهم بعد"، واعتبرت توعية عن طريق الصدمة، وعكس ما يجب فهمه لتحقيق الهدف المنتظر، بعدما فشلت مختلف الأساليب في التقليل من هذه الظاهرة.