هل فنزويلا على شفا حربٍ أهلية؟.. إليك خبايا ما يحدث في البلد الغني بالنفط ومخاوف تكرار "نموذج مصر"

تم النشر: تم التحديث:
VENEZUELA
NurPhoto via Getty Images

تعقَّدت أزمة فنزويلا سريعاً على مدار الأشهر الماضية، وسط الاحتجاجات اليومية في الشوارع، وأعمال العنف، والانهيار الاقتصادي الذي خلَّف وراءه العديد ممن يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة.

ويبدو أن الجدل حول من يضع الدستور الذي شهدته العديد من دول الربيع العربي ولاسيما مصر قد انتقل لفنزويلا بشكل مختلف.

ففي يوم الأحد، 30 يوليو/تموز 2017، أُجري تصويت مثير للجدل يُمكن أن يُغيَِّر مستقبل الدولة الغنية بالنفط والتي تقع في أميركا الجنوبية.

تقرير لصحيفة التليغراف البريطانية حاول إلقاء نظرة أعمق عمَّا يجري في هذا البلد الأميركي الجنوبي.


ماذا حدث في انتخابات الأحد 30 يوليو/تموز؟


دعا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى إجراء تصويتٍ لانتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية المكلَّفة بإعادة صياغة الدستور، وهي خطوة يقول مادورو إنَّها ستعيد الاستقرار إلى الدولة التي تعاني من الفوضى، غير أنَّ المنتقدين يصفونها بأنَّها إجراءٌ استبدادي لإحكام قبضته على السلطة.

وصوَّت الناخبون على انتخاب 364 عضواً، 181 عضواً منهم تختارهم اللجان المُمثِّلة للقطاعات الاجتماعية، التي تشمل العمَّال، والمزارعين، والسكَان الأصليين.

ويبدو أنَّ الدافع الظاهري لذلك هو حل الأزمة السياسية التي أنهكت الدولة الغنية بالنفط منذ سيطرة المعارضة على الجمعية الوطنية (البرلمان) في عام 2015.

وقد أعلنت المحكمة العليا المليئة بالموالين للحكومة أنَّ الجمعية الوطنية لا تحترم السلطة القضائية، وفي مارس/آذار 2017 حاولت الاستيلاء على سلطاتها في خطوة انتقدها العالم بوصفها انقلاباً تشريعياً. وجرى التراجع عن القرار سريعاً، لكن ليس قبل أن يشعل احتجاجاتٍ انتشرت في الشوارع في مختلف أنحاء الدولة مستمرة حتى الآن.

وتقول المعارضة -التي يدعمها معظم المجتمع الدولي بالإضافة إلى المدعية العامة لويزا أورتيغا دياز المتمردة- إنَّ الجمعية التأسيسية سترسخ تحوُّل فنزويلا إلى دولة ديكتاتورية. ويتمثَّل السؤالان الأساسيان اللذان يجب طرحهما في إلى أي مدى ستحاول الجميعة التأسيسية تجنُّب الجمعية الوطنية، وكم سيستمر سريانها، ولم يجر الإجابة عن أيٍّ منهما بوضوح. يقول النقَّاد إنَّها ستؤدي إلى وجود كونغرس على النمط الكوبي، بينما يُصر مادورو على أنَّها ستنقل السلطة إلى الشعب على نحوٍ لم يسبق له مثيل.

وتقول اللجنة الانتخابية الموالية للحكومة إنَّ 8 ملايين شخص صوَّتوا الأحد - وهو رقم شكك في صحته المنتقدون، الذين أشاروا إلى مزاعم عن خلو اللجان الانتخابية من الناخبين في جميع أنحاء الدولة.

ونقلت المعارضة والصحافة المستقلة عن مصادر حكومية دون تسميتها إنَّ العدد الحقيقي للمصوتين أقل من 2.5 مليون - لكن مع عدم وجود مراقبين مستقلين، ومع حظر اقتراب وسائل الإعلام من اللجان الانتخابية لمسافة 500 متر، يستحيل تحديد تأكيد رقم محدد.


هل يُمكن قانوناً لمادورو تعديل الدستور؟


ينفي المنتقدون ذلك، بما فيهم العديد من الخبراء الدستوريين.فقد كُتب الدستور الحالي في عام 1999 في ظل قيادة هوغو تشافيز، عن طريق جمعية تأسيسية أيضاً، لكنَّ تلك الخطوة طُرحت للاستفتاء أولاً. ولم يدع مادورو لتصويتٍ مماثل. غير أنَّ المحامين الدستوريين الذين يعملون لصالح الحكومة يرفضون هذا التفسير، مشيرين إلى طلب المحكمة العليا تطبيق إجراءاتٍ لصون النظام الدستوري، والمحكمة هي القيِّمة على الدستور الفنزويلي.

كما اُتهم السيد مادورو بتمزيق إرث سلفه -الذي ما يزال معظم المؤيدين لتشافيز ينظرون إليه باعتباره قائدهم الروحي- لكنَّ مادورو يصر على أنَّ الدستور يجري تحسينه فقط ليصبح "مثالياً" من أجل تعزيز الثورة.


ما هو التصويت الذي أُجري في الـ16 يوليو/تموز؟


في محاولةٍ لإيقاف انتخاب الجمعية التأسيسية، دعت الجمعية الوطنية إلى استفتاءٍ خاص بها وغير ملزم. وقد صوَّت في هذا الاستفتاء أكثر من سبعة مليون مواطن فنزويلي، ذهبت أصوات 98 بالمئة منهم لصالح تأجيل انتخابات الـ30 من يوليو/تموز، وتشكيل حكومة من وحدة وطنية حتى إجراء انتخابات جديدة. لكنَّ مؤيدي الحكومة قاطعوا هذا الاستفتاء.

وتقول المعارضة إنَّ الاستفتاء أعطاهم تفويضاً للتغيير، وصعَّدت موقفها الهجومي بحملة "ساعة الصفر" التي تتضمَّن إضرابات عامة، واحتجاجات مكثَّفة، وتعيين محكمة عليا جديدة. كما تعمل على تشكيل حكومة وحدة مستعدة لاستلام السلطة من مادورو، الذي هاجم هذه الخطوات بوصفها محاولة لإقامة حكم موازي، وبدأ في إلقاء القبض على أولئك القُضاة البدلاء.


ما حجم الدعم الشعبي الذي يحظى به مادورو؟


وفقاً لاستطلاعات الرأي المستقلة، لا يحظى مادورو بالكثير من الدعم. فلا يتعدى عدد مؤيديه 20% تقريباً، ما يعني ضعف نسبة الإقبال على انتخابات 30 يوليو/تموز.

وقد انصرف عنه معظم مؤيدي الرئيس السابق تشافيز لأنَّ الدولة قد غرقت في أزمة اقتصادية. ومع أنَّ الرئيس تشافيز اعتبره وريثاً له قبل وفاته نتيجة مرض السرطان في مارس/آذار 2013، فإنَّ مادورو لم يفز إلا بنسبةٍ ضئيلة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الشهر التالي.

وكان مُعدَّل التضخم في فنزويلا في ظل حُكم تشافيز يُعَد خارج السيطرة بالفعل، لكنَّ أيام تشافيز تلك تبدو ورديةً الآن بالمقارنة مع الصراع الاقتصادي الحالي. فعندما تولَّى السيد مادورو منصبه، كانت قيمة العملة الفنزويلية، البوليفار، في السوق السوداء المستخدمة على نطاق واسع هي 23 بوليفارا مقابل الدولار الأميركي - واليوم تقترب من 10000.

وفي ظل الأسعار المتصاعدة، ترك النقص الحاد في الغذاء والأدوية العديد من الفنزويليين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، ويسعى العديدون الآن للحصول على حق اللجوء في الدول المجاورة.

ومع ذلك، يُصَِّر السيد مادورو على أنَّ الأزمة ليست بسببه، ويدَّعي بدلاً من ذلك أنَّ السبب هو عمليات التخريب على أيدي المعارضة والقوى الأجنبية. ويظل مؤيديه الأوفياء موالين له بشدة، وإذا لم يكن هذا الولاء له هو شخصياً، فللثورة التي يمثِّلها.


لماذا تهاجمه المدعية العامة؟


أصبحت لويزا أورتيغا دياز، التي كانت مساعدة مؤيدة له سابقاً، من أعلى الأصوات انتقاداً لمادورو. وقد انفصلت هي والوزارة العامة التي تقودها عن الحكومة بسبب الجمعية التأسيسية وإجراءات المناورة القانونية الأخرى المعادية للجمعية الوطنية، والتي تقول إنَّها ترقى إلى انقلاب.

كما أغضب لويزا أورتيغا دياز ما تقول إنَّه انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان على يد قوات الأمن والميليشيات المرتبطة بالحكومة، والتي كانت السبب في معظم حالات الوفاة التي تصل إلى نحو 100 حالة منذ الاحتجاجات التي بدأت في أبريل/نيسان 2017. كما استنكرت اعتقال مئات المتظاهرين والمعارضين، الذين لاتزال أماكنهم غير معلومة.

وينظر إليها البعض باعتبارها مرشَحة محتملة لرئاسة حكومة الوحدة، ويرفض مؤيدو الحكومة مزاعمها على اعتبار أنَّها تأتي مدفوعة بطموحاتها السياسية.


هل توجد أي فرصة للتفاوض على حل للخروج من الأزمة؟


يبدو هذا الأمر غير محتمل، على الأقل في المدى القصير. فقد قدَّم مادورو تنازلات في محاولة لتهدئة حالة التوتر؛ فنقل قائد المعارضة المسجون ليوبولدو لوبيز إلى منزله ليخضع للإقامة الجبرية، ووافق على إجراء تصويتٍ على الدستور الجديد فور إعادة صياغته. لكنَّ ذلك لا يتعلَّق فحسب بالجمعية التأسيسية.

فقد أدى الانهيار الاقتصادي، ومعدلات الجريمة العنيفة التي تُعَد من بين الأعلى في العالم، وزيادة الإحساس بالفوضى إلى إخضاع الدولة وتحطيم صورتها، ويبدو هذه المرة أنَّ المعارضة تستغل ضعف الدولة.

وقبل إجراء التصويت بقليل، حظر مادورو الاحتجاجات، وأعلن أنَّ المهمة الأولى للجمعية التأسيسية ستكون سجن "الإرهابيين" المعارضين. لكن مع عدم ارتداع المتظاهرين، يبدو أنََ هناك القليل من الأمل فحسب فيما يتعلَّق بعدم التصعيد.


ماذا يفعل المجتمع الدولي؟


لاقى تصويت الأحد اعتراضات واسعة في المنطقة وخارجها بوصفه غير شرعي وخطوة تجاه تأسيس دولة ديكتاتورية.

وقد حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي هاجم مادورو ووصفه بأنَّه "قائد سيئ" وراغب في "الديكاتورية"، من أنَّ جميع الخيارات سُتطرح على الطاولة في حال إجراء التصويت.

ويُقال إنَّ ترامب يدرس فرض عقوبات على صناعة النفط الفنزويلية. وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على 13 شخصية رفيعة مشتركة في الجمعية التأسيسية. غير أنَّ شخصيات رفيعة في عهد تشافيز قد استُهدِفت من قبل دون أن يحقق ذلك تأثيراً كبيراً.

وقد تتسبَّب العقوبات على شركة بترول فنزويلا المملوكة للدولة والمعروفة باسم "بتروليوس دي فنزويلا" في إفلاس حكومة مادورو، لكنَّها قد تؤدي أيضاً إلى زيادات مؤلمة في أسعار الوقود الأميركي، وهي مخاطرة قد لا يرغب ترامب في خوضها. كما ستلحق أضراراً تزيد من معاناة الشعب الفنزويلي، في ظل احتمالية حدوث عواقب وخيمة على الصعيد الإنساني، والتي قد تزيد في حقيقة الأمر من الموالين لمادورو من أجل مواجهة "العدو" الأجنبي.

وتدفع القوى الأميركية الجنوبية، لاسيما المكسيك وكولومبيا، بشكلٍ متزايد نحو التغيير في فنزويلا.

وقد استغل مادورو الأسبوع الماضي التعليقات التي أصدرها رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) عن أنَّ الولايات المتحدة انخرطت في مناقشاتٍ مع كلتا الدولتين على أنَّها دليلٌ على وجود خطة بدعمٍ أميركي ضده، ومرةً أخرى استخدم هذا الأمر كدعوةٍ من أجل الدفاع عن نفسه.


هل يُمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية؟


بينما تغرق فنزويلا أكثر في أزمتها منذ أعوام، يشعر الكثير أنَّها وصلت إلى نقطة تحوُّل. فقد أصبح العنف السياسي الآن حدثاً يومياً وأصبح الحديث عن صراع مكتمل أمراً معلناً الآن. وكان وزير الداخلية السابق في حكومة مادورو قد حثَّ على تأجيل التصويت لتجنُّب "حرب أهلية".

وشهدت انتخابات الأحد أكثر أيام الاحتجاجات دمويةً حتى الآن؛ إذ قُتل 15 شخصاً واندلعت الاشتباكات في عدة أماكن في الدولة. وفي كاراكاس، ضرب انفجار يبدو أنَّه ناتج عن عبوة ناسفة يدوية الصُنع موكب دراجات نارية للحرس الوطني، ما يشير إلى لجوء عناصر "المقاومة" الأكثر تطرفاً إلى أساليب العنف المتزايدة.

وهناك عامل أساسي، ومجهول إلى حدٍ كبير، يتمثَّل في مدى الدعم الذي يحظى به مادورو وسط قوات الأمن. إذ توجد علامات اضطرابات وسط الرتب الأدنى، ومنها تقارير تشير إلى حالات هروب من الخدمة العسكرية ووجود ظاهري لفئة غامضة هاجمت المحكمة العليا باستخدام طائرة مروحية تابعة للشرطة في يونيو/حزيران 2017 . لكن الآن، يبدو أنَّ القيادات العليا ما زالت موالية، وقد أوضحت للحكومة أنَّها ستدافع عن الثورة بالقوة.

يبدو أنَّ فنزويلا فعلاً تدخل في مرحلةٍ نهائية فوضوية -ودامية على الأرجح- لكن من غير الواضح إلى الآن إلام ستؤول.