أكبر عملية إبادة لكائن حي.. أستراليا تتكلَّف 411 مليون دولار لتجنُّب الخطر الذي يهدِّد بقاءها

تم النشر: تم التحديث:
AAP
AAP

تتعرض أستراليا لغزو من أحد أسوأ أنواع الكائنات الحية الدخيلة، إنها جحافل النمل الناري الأحمر القادم من الخارج.

ودفع هذا الخطر أستراليا لشنّ ثاني أكبر عملية للأمن البيولوجي في تاريخها للقضاء على هذا الغزو.

واجتمع وزراء الداخلية، والأراضي، والزراعة الفيدراليون في مدينة ملبورن يوم الأربعاء، 26 يوليو/تموز 2017، واتفقوا على إنفاق 411.4 مليون دولار على مدار الأعوام العشرة القادمة، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وهكذا يكون الوزراء قد صدّقوا على شنّ عمليةٍ للأمن البيولوجي تحلّ في المركز الثاني من حيث الحجم والأهداف بعد الحملة الناجحة للقضاء على مرض السل البقري، والتي بدأت في سبعينيات القرن الماضي واستمرّت ثلاثين عاماً.


85 قتيلاً


واكتُشف وجود النمل الناري للمرة الأولى في أستراليا عام 2001، لكنّه على الأرجح جُلِبَ إلى البلاد قبل ذلك بأعوام، حيث يعتقد أنه جاء من الجنوب الأميركي.

ويقدر أنه يكبد خسائر للاقتصاد الأميركي قيمتها نحو 7مليارات دولار سنوياً، وفقاً لتقرير ورد في موقع "يورو نيوز".

كما تسبب النمل الناري في الولايات المتحدة بقتل 85 شخصاً في أعقاب أزمة الحساسية التي تسببها لدغات هذا النوع من النمل.

أما في أستراليا، ذكر تقرير نشرته السلطات أنه في حال انتشر النمل قد يصل عدد المتضررين إلى الآلاف.

وسُجّلت سبع حالات توغّل فيها هذا النوع على نحوٍ منفصل في أستراليا، أربع في مدينة بريسبان عاصمة مقاطعة كوينزلاند، واثنتان في باقي المقاطعة، وحالة واحدة بمدينة سيدني، وتمكّنت برامج السيطرة، المحدودة بوقتٍ ضيق والمفتقرة إلى التمويل الكافي، من القضاء على جميع حالاتِ التوغّل ما عدا واحدة، حسب الغارديان.


الأطفال


وحسب تقرير "يورو نيوز" فقد اجتاح النمل الناري مدينة إيبسويتش الواقعة جنوبي شرق كوينزلاند، ويقول عمدة المدينة: "لقد اضطررنا لإغلاق حديقة ليسلي، لأنه تم اجتياحها من قبل النمل كما أن الأطفال لدغوا من قبل هذه الحشرات الصغيرة العدوانية".

ويقول الخبراء إنَّه بدون تقديم دفعة كبرى في سبيل القضاء عليه، فإنَّ انتشار النمل الناري سيزداد توسّعاً ويؤدي لاستقراره في البلاد على نحوٍ لا يخضع للسيطرة، وسيغير الطبيعة الأسترالية للأبد.

وبحسب تقرير مراجعة مستقل أجرته الحكومة الفيدرالية، فإنَّ هذا سيكون له أثرٌ أكبر من أثر غزو الأرانب، وضفادع القصب، والثعالب، والجمال، والكلاب البريّة، والقطط الضالة مجتمعين.

وقال أندرو كوكس، الرئيس التنفيذي لمجلس الأنواع الدخيلة: "إذا فشلت أستراليا في القضاء على النمل الناري، لن يسلم رُكنٌ من البلاد من تهديد هذا النوع المفترس".

وأضاف: "يمكن لأعداد النمل الناري التوسّع بسرعةٍ شديدة، كما يمكنها غزو أكثر من 99% من البلاد. وفي حال خروجه عن السيطرة، فإنّ النمل الناري سيهدّد كل جوانب الحياة الأسترالية، ويتضمّن هذا مجتمعاتنا الزراعية، ومدارسنا، وملاعبنا الرياضية، والسياحة، وتراثنا الطبيعي الفريد".

واتفق بن هوفمان، وهو خبيرٌ بأنواع النمل الغريبة في منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية بمدينة داروين، مع كوكس. وقال: "يُصَنَّف هذا النوع كأحد أسوأ الأنواع الدخيلة في العالم لأسبابٍ وجيهة، ويكفيك النظر للولايات المتحدة لترى ما قد يحدث هنا".


هجوم جماعي مضاعفات خطيرة


والنمل الناري هوَ نوعٌ شديد العدائية من النمل، يهاجم بشكلٍ جماعي ويلدغ مسبباً شعوراً بالحكاك والحرقان قد يستمر لمدة ساعة. وقد تسبب الالتهابات الثانوية التي قد تصاحب اللدغة مضاعفاتٍ خطيرة، وقد قتلت ردود الفعل والحساسية تجاه اللدغات أشخاصاً في بعض الحالات النادرة.

ووصفت وزارة الزراعة والثروة السمكية في كوينزلاند النمل الناري بكونه "تهديداً اجتماعياً".

وأضافت: "عادةً ما تتضمّن المواجهات مع النمل الناري وجود العشرات من النمل الذي يتحرّك بسرعة دون أن يُكشَف. وعندما يلدغك، فقد يكون هناك عددٌ كبير من النمل على جسدك، وكلّهم يلدغونك في الوقت ذاته. وقد تسبب لدغات النمل الناري شعوراً مؤلماً بالحكاك والحرقان، وقد يبقى هذا الشعور لساعة كاملة. والتعرض لعدة لدغاتٍ قد يجعلك تشعر أنَّ جسدك يحترق".

ومن خلال المقارنة مع التجربة الأميركية، فإنَّ انتشاره قد يؤثر على نحوٍ بالغ في حياة الأشخاص. وحذّرت وزارة الزراعة والثروة السمكية في مقاطعة كوينزلاند الأسترالية من أنَّه عندما يحدث هذا "لن يخرج الناس في نزهةٍ على العشب، أو يمشوا حفاةً، أو يستقلوا على الأرض، أو حتى يقفوا بنفس المكان لفترةٍ طويلة، لأن هذا سيعني تعرّضهم للّدغ".


45 ملياراً


وقد يكون للنمل آثارٌ بيئية واقتصادية بالغة أيضاً، إذ قدّرت إحدى الدراسات أنَّ النمل الناري سيكلّف جنوب-شرق ولاية كوينزلاند وحده خسائر تُقدَّر بـ45 مليار دولار على مدار 30 عاماً.

ولهذا النوع من النمل القدرة على القضاء على أنواعٍ من الحيوانات الأصلية بالبلاد، وذلك بالتغذّي عليها بشراسة. وبما أنَّ النمل الناري يأكل أيضاً البذور والحيوانات الناقلة للّقاح، ويقوّض منظومة الجذور بالتربة، فإنَّه قد يُحدِث تغييراتٍ كُبرى بالنظام البيئي بأكمله.

وقد يُضِر ذلك بمواقع للتراث العالمي، وبالسياحة، ويكلّف صناعة اللحوم والماشية 308 ملايين دولار سنوياً من خسائر الإنتاج وتكاليف السيطرة، ما يقلل هامش الربح لدى المزارعين بنسبة 40%.

وقال رئيس اتّحاد المزارعين القومي تشارلز بورك، "تشكّل هذه النملة اللادغة العدائية تهديداً كبيراً في وجه بقاء العجول الصغيرة والمواشي في جنوب-شرق ولاية كوينزلاند. وسيتغيّر نمط حياة البشر وأساليب زراعتهم للأبد إذا لم يجر القضاء على النمل الناري الأحمر المستورد".


أكبر إبادة لفصيل حي


وقال هوفمان إنَّ أستراليا قد أصبحت في صدارة العالم فيما يخصّ القضاء على النمل الناري. ومن بين عمليات الإبادة الخمس الناجحة التي أُجرِيَت في أستراليا، تُعَد إحداها، الواقعة بمدينة غلادستون، أكبر عملية إبادة لفصيلٍ من الكائنات الحية في العالم.

وستُؤسس قوة مهام مستقلّة، وستُشَنُ حربٌ كاملة على هذه الحشرات بدءاً من شهر سبتمبر/أيلول 2017.

وقال كوكس: "لقد أُعطِيَ محاربو النمل الناري أخيراً التمويل الكافي لإبادة النمل الناري المميت من أستراليا".

وأضاف: "إنّه استثمارٌ هائل يشِي بعزيمةٍ واضحة من قبل جميع الحكومات والأحزاب السياسية. وهو أمرٌ لم تحاوله أيّ جهة أخرى في العالم".