كان الزجاج يتطاير ورأيتُ الرجال يتساقطون.. "الناجي الوحيد" في قاعدة الملك فيصل بالأردن يروي تفاصيل جديدة

تم النشر: تم التحديث:

قال جندي أميركي -هو الناجي الوحيد في حادثة إطلاق نار بقاعدة عسكرية بالأردن- إنه ظل يصرخ مع زملائه باللغتين الإنكليزية والعربية: "إننا قواتٌ صديقة"، لكنَّ دون جدوى.

الحادثة التي قتل فيها 3 جنود أميركيين، وقعت في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بينما كان موكبهم في إحدى بوابات دخول قاعدة الملك فيصل الجوية بمدينة الجفر (جنوبي الأردن)، حيث انطلقت طلقاتٌ نارية من أحد الجنود الأردنيين في مواقع الحراسة.

وحكمت محكمة أمن الدولة الأردنية، في جلستها العلنية التي عُقدت برئاسة القاضي العسكري العقيد محمد العفيف، بـ"الأشغال الشاقة المؤبدة مدى الحياة" على الجندي معارك التوايهة (39 عاماً)، وهو برتبة رقيب وأب لـ3 أطفال.

كما قررت المحكمة خفض "رتبته إلى جندي ثانٍ وطرده من الخدمة العسكرية".
والضحايا هم: الرقيب ماتيو سي ليولين (27 عاماً) من مدينة كيركفيل بولاية ميسوري؛ والرقيب كيفن جيه مك إنرو (27 عاماً) من توسون بولاية أريزونا؛ والرقيب جيمس إف موريارتي (27 عاماً) من كيرفيل بولاية تكساس.

وأدلى المدعى عليه وبعضٌ من حراس البوابة (المدخل) بشهادتهم بأنهم سمعوا صوتاً يشبه دوي إطلاق نار من مسدس قادم من اتجاه القافلة الأميركية. وصرح المدعى عليه بأنه فتح النار؛ لخوفه أن تتعرض القاعدة لهجوم. وذكر بعض حراس البوابة أنهم أحجموا عن إطلاق النار؛ لعدم قدرتهم على تحديد مصدر الصوت.


فيديو المراقبة


استناداً إلى فيديو المراقبة الذي أصدره الجيش الأردني، الإثنين 24 يوليو/تموز 2017 واللقاء الصحفي الذي أُجرِيَ مع الرقيب الأميركي، البالغ من العمر 30 عاماً، الناجي الوحيد من إطلاق النار- فالمشهد يبدو أكثر إثارة للقلق: اشتباكٌ دام 5 دقائق ردَّ عليه الجنود الأميركيون بإطلاق النار، وهم مختبئون خلف الحواجز يُلوِّحون بأيادٍ يائسةٍ لوقف إطلاق النار، قبل أن يحاول الجندي الأردني المُسلَّح ببندقيةٍ الإجهاز عليهم، وفق تقرير صحيفة نيويورك تايمز.

وكان الجندي الناجي قد راجَعَ الفيديو مع صحفيٍ من صحيفة نيويورك تايمز الأميركية يوم الإثنين؛ مما ساعد على تفنيدِ ما حدث في ذلك اليوم.

وقال الجندي: "لقد شعرنا بالذُعر والارتباك، لم نكن نعرف ماذا يجري، أو لماذا أو عدد الرجال الذين يهاجموننا!".

ويُظهر الفيديو في بدايته طريقاً صحراوياً قاحلاً يؤدي إلى إحدى بوابات قاعدة الملك فيصل الجوية في مدينة الجفر (جنوب الأردن)، حيث كان الجنود الأميركيون يُدرِّبون أفراداً تابعين للمعارضة السورية في إطار برنامجٍ سريٍ تديره وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.



وبحسب الفيديو، يبدو مدخل القاعدة في الجفر بحالة طبيعية الساعة 12:04 ظهراً، وتنتظر السيارات ثم تدخل، بعد أن أزال أحد الحراس الحاجز عند المدخل وهو في حالة ارتياح من دون أن يحمل سلاحه.

ودخلت سيارة إسعاف بوابة القاعدة، ثم يبدأ التوايهة إطلاق النار على السيارة التالية في القافلة، فيقتل عسكريين أميركيين، فيما يحتمي أحد حراس القاعدة خلف ساتر.

ويستمر الجندي في إطلاق النار دقائق، ويظهر لاحقاً وهو يتقدم نحو المركبات، فيما خرج جنديان أميركيان من السيارات؛ للاحتماء خلف السواتر وهما يرفعان أيديهما إلى الأعلى، في إشارة إلى أنهما أصدقاء.

لكن التوايهة الذي ارتدى سترة واقية من الرصاص، استمر في إطلاق النار وهاجم الجنديَّين الأميركيَّين قبل أن يردا بإطلاق النار عليه، بحسب التسجيل.

وفي الدقيقة الأخيرة من التسجيل، يظهر التوايهة وهو على بُعد أمتار قليلة من جندي أميركي استطاع أن يصيبه ويعيقه.

وقال الرقيب -الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته؛ لأنَّه غير له مُخوَّلٍ التحدث إلى وسائل الإعلام: "كان الزجاج يتطاير، ورأيتُ الرجال يسقطون". وكان الفريق مُدرَّباً على زيادة سرعة المركبات عند مواجهة الكمائن للهروب منها، وقال: "انتظرتُ بضع ثوانٍ على أمل أن ينجح الرجال الذين كانوا أمامي في تأمين طريقٍ للخروج، ولكنَّ ذلك لم يحدث".

وصحيحٌ أنَّ مقطع الفيديو بلا صوت، ولكنَّ الرقيب الناجي قال وفق نيويورك تايمز إنَّ صوت إطلاق النار الذي أعقب ذلك كانت تتخلله أصوات صراخٍ من كلا الجانبين؛ إذ كان الرجل المُسلَّح يصرخ مطالباً إياهم برفع أياديهم، وكانا يصرخان قائلين إنَّهما قواتٌ صديقة. وفي محاولةٍ منهما لتهدئة الرجل المُسلَّح، أظهَرا رأسيهما ورفعا أياديهما من دون أسلحتهما طالبَين وقف إطلاق النار، ثم سرعان ما خفضا رأسيهما؛ إذ أظهرت انفجارات الطلقات والغبار الصادر منها أنَّ الطلقات كانت تُصيب الحاجز على بُعد بضع بوصاتٍ فقط من رأسيهما.

وأكمل الرقيب الناجي حديثه قائلاً: "وضعتُ سلاحي على الأرض، ورفعتُ يداي قليلاً، فأطلق النار ناحيتي، وحينئذٍ، أدركنا أنَّ ذلك ليس حادثاً عرضياً على الأرجح".

وفي هذا الحصار، ناقش الرقيب الناجي مع الرقيب موريارتي خياراتهما للنجاة من الموت مناقشةً سريعة.

وأضاف: "كنا نحاول التلويح بأيادينا ونحن تحت وابل الطلقات، ثم يئستُ من محاولة فهم ما يجري مع الرقيب، وقلتُ له إنَّنا يجب أن نقتل هذا الرجل".

كان كلاهما لديه خزنتا طلقاتٍ كاملتان، أي ما مجموعه 60 طلقة، ولكنَّهما كانا يحتاجان إلى وضعٍ دفاعيٍ أفضل، وبعد نحو أربع دقائقٍ، هرعوا من وراء شاحناتهم إلى حواجز خرسانية أخرى تبعُد أكثر عن البوابة.

وقال الرقيب: "اعتقدنا أنَّ ذلك سيمنحنا بعض الوقت، لعلَّ المساعدة تأتي".

أمطر الرقيب التوايهة الجنديين الأميركيين بوابلٍ من الطلقات، فصوَّب الأميركاين مسدسيهما نحوه مباشرةً، ولكنَّ الرقيب التوايهة تمكَّن من إصابة الرقيب موريارتي، الذي انهار على ركبتيه ثم سقط على الأرض.

وتمكَّن الرقيب الناجي من مراوغة الرقيب التوايهة عند أحد الحواجز، ثم أطلق عليه النار فأسقطه أرضاً خلف الحاجز.

ووسط حالةٍ من الارتباك، حين تدخَّلت قواتٌ أردنية وأميركية لتحديد ماهية ما حدث، كان زميل الرقيب الناجي قد نزف حتى الموت خلف الحاجز حيث أُصيب بالطلقات النارية. وبينما كان الرقيب الناجي يصف لحظات تبادل إطلاق النار، كشفت لعثمته شعوره العميق بالأسف لعجزه عن مساعدة زملائه.

وقال الرقيب: "لم أعُد إلى جيمي (يقصد زميله جيمس موريارتي)، لم أكن أعرف أنَّ الهجوم قد انتهى، ولم أعتقد أنَّ بإمكاني مساعدته وإطلاق النار لا يزال جارياً".


قبيلة الجندي الأردني


لم يُعرَض شريط الفيديو في محاكمة التوايهة، الذي أفاد في أثناء المحاكمة بأنَّه اعتقد أنَّه كان يتصرَّف في إطار قواعد الاشتباك. وقال والد القتيل المغدور جيمس موريارتي، وهو محامٍ من مدينة هيوستن الأميركية، إنَّه بعدما أثارت إدانة التوايهة احتجاجات قبيلته، نشر الجيش الأردني ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي الفيديو؛ على أمل أن يساعد في تهدئة الاضطرابات.

ولم ينجح إصدار الفيديو في تهدئة غضب قبيلة الرقيب التوايهة سوى بنسبةٍ ضئيلةٍ، وتشتهر هذه القبيلة، التي تحمل اسم الحويطيات، في الأردن؛ لدورها في الانتفاضة العربية التي مهَّدت الطريق لإقامة المملكة الحديثة. ولا يزال الكثيرون يعتقدون أنَّ الرقيب التوايهة كان يؤدي واجبه، ولا يُعاقَب سوى لإرضاء الولايات المتحدة.

وقال شقيقه عبد الرحمن أبو تايه في حوارٍ صحفي: "هذه الاتهامات باطلة، ولكنَّ حكومتنا تلهث وراء الأموال، وستفعل أي شيءٍ للحصول عليها".


خدم بالجيش 10 أعوام واختلط كثيراً مع الأميركيين


وأضاف وفق نيويورك تايمز أنَّ الرقيب التوايهة خدم في الجيش أكثر من 10 أعوام، وكثيراً ما عمل مع جنودٍ أميركيين؛ ومن ثم فمن غير المنطقي أن يفعل ذلك.

وقال لافي أبو تايه، وهو أحد أقارب الرقيب التوايهة، يساعد في تنسيق الاحتجاجات: "عشنا مع الأميركيين طيلة أعوامٍ وأعوام، فلماذا سنختلق مشكلةً معهم الآن؟ ولكن منذ صدور الحكم، لم يعد وجودهم هنا مُرحَّباً به".

وقال الرقيب الناجي، الذي حضر أجزاءً من محاكمة الجندي الأردني المُدان، إنَّه أيضاً متحيِّرٌ من دوافعه، وأضاف الرقيب أنَّ التوايهة لم يتنازل طوال المحاكمة عن إصراره على أنَّه كان يعتقد أنَّ القاعدة تتعرض لهجوم.

وتابَع حديثه قائلاً: "ولكن، لا يوجد شخصٌ عاقل يطارد شخصين مُهاجمين وهو مُحصَّنٌ داخل كشك حراسة دون دعم، لا يزال ذلك أمراً غير منطقي".