"خوسيه ديلغادو".. العالِم الذي سعى للسيطرة على العقل البشري باستخدام الكهرباء

تم النشر: تم التحديث:
RODRIGUEZ DELGADO
other

قد تظن أن السيطرة على العقل ضرب من ضروب الخيال، لكن هذا ما فعله العالم الإسباني "خوسيه ديلغادو" على أرض الواقع؛ بهدف إيجاد الأساس البيولوجي للعواطف الشخصية سواء في الإنسان أو الحيوان، إلى جانب القدرة على السيطرة على الأمراض العقلية مثل الفصام والاكتئاب عن طريق التحفيز الكهربائي في الدماغ.

بدأ التحفيز الكهربائي للعقول يؤتي ثماره في منتصف القرن العشرين، بعدما تمكن عدد من العلماء من تحريك أطراف وصنع استجابات حركية معينة لبعض الحيوانات المُخدرة، عن طريق تمرير تيارات كهربائية ضعيفة على أدمغتهم.


من يكون "خوسيه ديلغادو"؟


وُلد "خوسيه مانويل رودريغيز ديلغادو" عام 1915م في بلدية "رُندة" التابعة لمقاطعة "مالقة" في جنوبي إسبانيا، وبدأ "ديلغادو" في دراسة علم وظائف الأعضاء، وخاصةً التشريح العصبي للحيوانات عام 1933م في كلية الطب بمدريد، على يد الطبيب الإسباني "سانتياغو رامون إي كاخال" الحائز جائزة نوبل عام 1906م.

لكن ديلغادو ترك إسبانيا إبان الحرب الأهلية عام 1936م، فانضم "ديلغادو" آنذاك إلى أطباء المستشفى الجمهوري في إسبانيا، وحصل بعد ذلك على درجتي الماجستير والدكتوراه.

اخترع "ديلغادو" جهازاً له أقطاب كهربائية زرعه في أدمغة الحيوانات، ليتمكن من إحداث تغييرات في سلوكياتها، كما كان له اختراع آخر يُمكن من خلاله تتبع الأنماط في منطقة معينة من الدماغ، بالإضافة إلى أنه يُعطي إشارة معينة عند ظهور النمط المحدد.

وأول استخدام للجهاز كان في الفص اللوزي في دماغ الشمبانزي، فعندما يُنتج هذا الفص نمطاً مغزلياً، يُحفّز الجهاز تلقائياً المنطقة الرمادية المركزية في الدماغ، فتحدث حالة من الغثيان، وكان الغرض من هذا الاختراع التحكم في مرض الصرع.


مرحلة جامعة "ييل" الأميركية


بدأ "ديلغادو" العمل على أبحاثه حول الفيسيولوجيا العصبية عبر التحفيز الكهربائي في الحيوانات عام 1942 م، وحصل في عام 1950م على منحة دراسية من جامعة "ييل" الأميركية، وعمل فيها حتى حصل على درجة الأستاذية في علم وظائف الأعضاء والطب النفسي.

أجرى "ديلغادو" الجزء الأكبر من أبحاثه خلال عمله في جامعة "ييل" في فترة الخمسينيات والستينيات، وتمكن في تلك الفترة من زرع أقطاب كهربائية داخل أدمغة القرود بطريقة يدوية، واستطاع من خلالها التحكم في حركة الأطراف المعقدة لديها.


التحكم في الثور على طريقة الريموت كنترول!


كانت أكثر تجارب العالم الإسباني "خوسيه ديلغادو" جذباً للأنظار عام 1963م، بعدما زرع أقطاباً كهربية داخل رأس ثور، وفي اليوم التالي لوّح "ديلغادو" باللون الأحمر أمام الثور، لكن قبل وصوله إليه بلحظات أوقفه عن طريق جهاز تحكم لا سلكي في يده، وبعد ذلك ضغط زراً آخر فتحول الثور إلى ناحية اليمين وأسرع بعيداً.

أوضح "ديلغادو" بعد إجراء العديد من تجاربه أنه يستطيع التحكم ببعض الوظائف التقليدية المرتبطة بالعقل، كالحب والسرور والتعبير اللفظي عن طريق التحفيز الكهربائي للدماغ، وقد استطاع عن طريق التحفيز الكهربائي التحكم في القرود والقطط كالألعاب.



electric therapy head


ساعدته تقنية "تايم لابس"


يعد "ديلغادو" أهم العلماء الذين أجروا مثل هذه الأبحاث التي تستخدم التحكم عن بُعد لتحفيز أدمغة الحيوانات، وكان يقوم بالقياس عن بُعد لدراسة النشاط الفسيولوجي للعقول والأعضاء الأخرى عن طريق تقنية تصوير "تايم لابس"، أي تقليل الفارق الزمني بين الصور ليظهر مشهد سريع يظهر خلاله التغيير المراد تصويره بوضوح.


الانتقال من الحيوانات إلى البشر


خضع ما لا يقل عن 25 شخصاً أغلبهم من النساء لتجارب "ديلغادو"، وذلك لرغبتهم في تلقي العلاج المناسب، وكانت النتيجة أنه استطاع التحكم في حركة أطراف البشر، لكن بصورة أقل من تلك التي أجراها على القرود، وأوضح العالم الإسباني فيما بعد أنه من الصعب التحكم في توجيه شخص ما إلى سلوك معين، لكن من الممكن التحكم في زيادة أو نقص العدوان لديه.


لم ينجُ من الانتقادات


عُقدت جلسات في "الكونغرس" الأميركي عام 1972م؛ لإنهاء تمويل الأبحاث الخاصة بجراحات من النوع الذي يعمل عليه "ديلغادو"، وظهر في تلك الآونة أيضاً غضب عام وسياسي تجاه التجارب السرية التي تجريها المخابرات المركزية الأميركية للسيطرة على العقل من أجل مكافحة الشيوعية.

غادر "ديلغادو" الولايات المتحدة الأميركية متجهاً إلى إسبانيا عام 1975م، بعدما رفع عليه بعض الأشخاص قضايا تفيد بأنه زرع جهازه في أدمغتهم دون موافقتهم، وأكمل حياته العلمية رئيساً لقسم العلوم الفسيولوجية في كلية الطب في مدريد مرة أخرى، واستمر في إجراء تجاربه، حتى تقاعد في التسعينات ووافته المنية أواخر عام 2011م.


الحلم يتحقق


وافقت إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية عام 2011م، على استخدام التحفيز الدماغي العميق لعلاج مرضى الاكتئاب وداء "باركنسون"، عن طريق إدخال قطب كهربي في المنطقة المستهدفة في الدماغ بطريقة جراحية، فيولد نبضاً كهربائياً يُحفز تلك المنطقة لإفراز مركبات معينة تعمل على إحداث التوازن الكيميائي في الدماغ، مما يمنع ظهور العَرَض الخاص بالمرض المُستهدف علاجه.


ما الذي تركه "ديلغادو" للبشرية؟


بلغ عدد المنشورات العلمية للعالم الإسباني "خوسيه ديلغادو" 134 منشوراً علمياً عن التحفيز الكهربائي في القطط والقرود والبشر، كما كتب حوالي 500 مقالة صحفية، ونُشرت له ست كتب كان آخرها كتاب السعادة الذي نُشر عام 1989م.

من أشهر أقواله: "ستتم السيطرة على جيوش العالم والجنرالات يوماً ما عن طريق التحفيز الكهربائي للدماغ"، فهل يا تُرى سيتحقق ذلك في المستقبل؟