هل تسببت "ماكينزي" بتفريق عَائِلات اللاجئين السوريين ؟ .. هكذا صاغت سياسات أوروبا خلال أزمة النزوح

تم النشر: تم التحديث:
REFUGEES GERMANY SYRIA
Sean Gallup via Getty Images

خلال ذروة أزمة النزوح قبل شتاء 2015 تجاوزت مراكز استقبال اللاجئين في ألمانيا طاقتها الاستيعابية وبدأت حينها برلين في البحث عن حل سريع، ولذا لجأت لطلب مساعدة شركات الاستشارات الإدارية متعددة الجنسيات، من بينها شركة ماكينزي وشركاه العملاقة الواقعة في نيويورك، لإدارة وتنظيم إجراءات طلبات اللجوء.

دفعت ألمانيا لشركة ماكينزي 34 مليون دولار، وفق تقرير لصحيفة واشنطن بوست، وذلك مقابل عملها مع مكتب الهجرة الفيدرالي الألماني، الذي بدأ منذ أكتوبر/تشرين الأول 2015 وحتى يومنا هذا.
واستعان المكتب أيضاً بشركتين أوروبيتين وهما "رولاند بيرغر" و"إرنست أند يونغ".

الشركة طورت مراكز البت السريع في طلبات اللجوء عن طريق إنهاء الإجراءات في غضون أيام.
وأتت طلبات جديدة للاستعانة بخدمات ماكينزي الاستشارية من اليونان والسويد.
وخلال العام الجاري، 2017، قدَّمَت شركة ماكينزي عرضاً لإدارة مشروعٍ مع الأمم المتحدة.


ملفات متراكمة


ولكن خبراء في القانون الدولي قالوا حسب ما ذكرت واشنطن بوست إن الوضع في ألمانيا يُوضِّح المخاطر المُرتَبِطة بعمل شركة ماكينزي.
فقد بات مكتب الهجرة الفيدرالي يبت في طلبات اللجوء بوتيرةٍ أسرع لكنه خلَّف وراءه عدداً متزايداً من المهاجرين بقدرٍ أقل من الحقوق، وأهمها الحق في لم شملهم بعائلاتهم، وأدى هذا إلى تقديم مئات الآلاف من طلبات الاستئناف على قرارات مكتب الهجرة أمام المحكمة، الأمر الذي خلَّف العديد من الملفات المتراكمة - ليس في مراكز اللجوء بل في المحاكم الألمانية.

ولمّ شمل العائلة، من أكثر القضايا التي تشغل القادمين الجدد، إذ مازال الكثيرون منهم لم يتمكنوا من جلب عائلاتهم إلى ألمانيا ولذلك أسباب تتعلق بنوع الحماية التي يحصل عليها اللاجئ.

ووفق تقرير لموقع dw الألماني فإن الشخص الذي يرغب بلمّ شمل عائلته عليه أن يتقدم بالطلب خلال ثلاثة أشهر من صدور قرار البت بطلب اللجوء. علماً أن طلب لمّ شمل العائلة يتم تقديمه لدى دائرة الأجانب في المدينة التي من المفترض أن تجتمع فيها العائلة. وبالمقابل يتوجب على العائلة التقدم بطلب فيزا من السفارة الألمانية الأقرب من مكان سكنها.

ولكن خبراءٌ قانونيين قالوا إن التحوُّلَ السريع نحو مايعرف بالحماية المحدودة (التي تقلل فرص اللاجئ لجلب عائلته)، والتي أصبحت سمةً مصاحبة لعمل مراكز البت السريع في قضايا اللجوء منذ بدايتها ولإجراءات الرفض السريع لطلبات لجوء المهاجرين من طبقاتٍ اجتماعية معينة، لا يمكن فصله عن الهدف الأشمل الرامي إلى تحقيق الكفاءة الإدارية والتحكم في حركة المهاجرين - وهي أهدافٌ تدافع عنها شركة ماكينزي.

وتعني "الحماية المحدودة" أن من يحصل عليها يحق له البقاء في ألمانيا لمدة عام قابل للتمديد لعامين آخرين ولكن يحرمه من حق لم شمل العائلة لمدة عامين على الأقل.


إجراءات الشركة ومخاوف حقوق الإنسان


وقالت نورا ماركارد، أستاذة القانون الدستوري في جامعة هامبورغ ومديرة مركز قانون اللاجئين التابع للجامعة: "إنه مجالٌ قانونيٌ حسَّاسٌ للغاية، إذ لا يمكنك ببساطة تمرير الإجراءات لإنهائها. لست واثقة من أن منهج عمل شركة ماكينزي قائمٌ على أخذ مخاوف حقوق الإنسان في الحسبان بطريقةٍ منهجية".

ولاحظت نورا أن تقديم الإجراءات التي توصف بأنها الأكثر كفاءة جاء في نفس الوقت الذي منح فيه مكتب الهجرة الفيدرالي حماية فرعية فقط لعددٍ متزايدٍ من المهاجرين السوريين -وهو وضع يعترف باحتمالية تعرض طالب اللجوء لضررٍ جسيم في بلده الأم لكنه لا يستحق الحصول على حماية اللاجئين الكاملة ، ما يعطيهم تصريحاً بالإقامة في ألمانيا لعامٍ واحد فقط بدلاً من الإقامة لثلاث سنوات مثل اللاجئين العاديين، وحرمانهم من حق لم شملهم بعائلاتهم.

وأضافت نورا: "لم يكن حدوث هذه التغيًّرات في نفس الوقت مصادفةً. كان يتعيَّن على الحكومة التعامل مع عددٍ كبير من الوافدين بسرعةٍ كبيرة، ما يعني أن جزءاً من هدف تطوير كفاءة الإجراءات كان يتمثَّل في الحد من دخول اللاجئين إلى البلاد بأي طريقةٍ ممكنة".



وصمَّمَ المسؤولون الحكوميون الألمان، الذين أُجري معهم حوارٌ صحفي، على رأيهم بأن عمل شركة ماكينزي لم يتضمَّن تحديد نوع اللجوء الممنوح للمهاجرين.
فقد قالت أندريا برينكمان، المتحدثة باسم مكتب الهجرة الألماني، عندما سُئِلَت عمَّا إذا كانت شركة ماكينزي قد أدلت برأيها بشأن استخدام الحماية الفرعية، قائلةً: "بالطبع لا".

وبفضل موظفيها الـ14 ألف، ومكاتبها المنتشرة حول العالم، قدَّمت شركة ماكينزي استشاراتٍ لشركاتٍ في العديد من المجالات بدءاً من صناعة الطيران وحتى المنتجات الورقية، بالإضافة إلى مؤسسات القطاع العام بدءاً من المدارس وحتى وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه).


دمج اللاجئين وإنعاش الاقتصادات الوطنية


ويشرح تقريرٌ بعنوان "تحرُّك الأفراد: آثار الهجرة الدولية والفرص المتاحة"، كان قد صَدَرَ في العام الماضي 2016، كيف يمكن أن يساهم تنفيذ إجراءات أكثر كفاءةً لدمج اللاجئين في إنعاش الاقتصادات الوطنية ومساعدة المهاجرين في الوقت نفسه.
ويطرح التقرير، الصادر عن معهد ماكينزي الدولي "أدواتِ تحليلٍ اقتصادي ورؤى قادة قطاع الأعمال" لأزمة اللاجئين الدولية.

وقال خالد الرفاعي، أحد كاتبي التقرير، إن شركة ماكينزي ترى أن توظيف "الحالة المؤقت"، وهو إشارة مختصرة إلى وضع الحماية الفرعية ، يعد أداةً فعَّالة لإدماج الوافدين الجدد سريعاً في سوق العمل وتوفير المساكن لهم، لكنه لم يتحدَّث عن حرمان المهاجرين من حق لم شملهم بعائلاتهم.

وأضاف: "بشكلٍ عام، يمكننا القول إن إصدار تصاريح إقامةٍ مؤقتة، تلك التي تسمح للأشخاص بالوصول إلى سوق العمل، والإسكان، والصحة، يعد أمراً مفيداً في معظم الحالات على المدى القصير، وذلك من منظورٍ اقتصادي. وهو مفيدٌ على المدى الطويل من منظورٍ اجتماعي".

وقال الرفاعي، الذي بات خبيراً اقتصادياً بالممارسة، إنه لم يكن "مُتخصِّصاً في القانون الإنساني مُتعمِّقاً في دراسة اتفاقيات جنيف"، بل كان اهتمامه بدافعٍ شخصي، إذ أنه يحمل الجنسيتين الألمانية والسورية.

ليس سرا ولكن لاتعليق
وقال كاي بيتر راث، المتحدث باسم شركة ماكينزي، إنه لا يستطيع تأكيد تفاصيل المشروعات المُتعلِّقة باللاجئين.

وأضاف: "لا أريد أن أسميه سراً. لكن سياستنا قائمةٌ على ترك القرار لعميلنا إذا ما أراد التحدُّث بشأن الأمر".

غير أن الوثائق الحكومية والحوارات الصحفية مع المسؤولين الحكوميين تُظهِر أن تأثير شركة ماكينزي على سياسة التعامل مع اللاجئين يمتد عبر أوروبا - وهو دورٌ غير معلنٍ عنه بل ويُعد مفاجئاً لبعض خبراء القانون، حسب تقرير واشنطن بوست .

ونجحت الإجراءات الجديدة في خفض وقت البت في طلبات اللجوء حتى عام 2015، عندما ساهمت موجةٌ جديدة من طالبي اللجوء في تراكم سجلات المصلحة.
وبات المهاجرون مجدداً مضطرين إلى الانتظار حوالي 500 يوم قبل صدور قرارٍ بشأن طلبهم، وفقاً لفيرونيكا. وحصلت شركة ماكينزي على أكثر من 2 مليون دولار مقابل عملها.

وفي نهاية عام 2016 وبداية عام 2017، بدأت شركة ماكينزي في العمل على تقليص عدد طلبات اللجوء المتراكمة في اليونان، متعاونةً في البداية مع المفوضية الأوروبية، ثم عبر مشروعٍ مُمَوَّلٍ من قبل المكتب الأوروبي لدعم اللجوء، وفقاً لما قالته ناتاشا بيرتود، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية.
وقال جان بيير شمبري، المتحدث باسم مكتب دعم اللجوء المتمركز في جزيرة مالطا إن الشركة حصلت على حوالي مليون دولار مقابل المشروع النهائي.


لماذا رفضت الأمم المتحدة التعامل معها؟


وتسعى الشركة إلى توسيع نطاق نشاطها. وخلال فصل الربيع الماضي (ربيع 2017)، قدَّمَت عرضاً لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين لإدارة مشروعٍ يتعلق بإعادة توطين اللاجئين.
وعبر رسالةٍ إلكترونية، طلب مدير مشروع في فرع شركة ماكينزي بألمانيا من خبيرة قانونية أميركية التوقيع على مقترحها. لكن المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قالت إن "العرض المقدم من شركة ماكينزي قد رُفِضَ في نهاية المطاف".

ورفضت الخبيرة، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، لأنه غير مُصرَّحٍ لها بالحديث عن الطلب المقدم من الشركة، الانضمام إلى المشروع.
وقالت إنها لم تقتنع بأن الشركة شكَّلَت فريقاً من الخبراء يتمتَّع بقدرٍ عال من الكفاءة لمعالجة قضية إعادة توطين اللاجئين.


هل تصدر ألمانيا تأشيرات لم الشمل؟


أصدرت السفارات الألمانية في الربع الأول من 2017 أكثر من 17 ألف تأشيرة للم الشمل العائلي لسوريين وعراقيين في ألمانيا. هذا ما يكشفه تقرير قدمته وزارتا الداخلية والخارجية للجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الألماني.

ووفق تقرير موقع dw فإن السفارات الألمانية أصدرت في عام 2016 نحو 50 ألف تأشيرة لسوريين وعراقيين هرب أفراد عائلاتهم إلى ألمانيا. ووصل عدد التأشيرات للم الشمل العائلي في 2015 إلى 25 ألفا.

ونقل دويتش فيليه عن موقع "فيلت الألماني" أن حالات لمّ شمل زادت حتى شهر سبتمبر/ أيلول 2016 بمقدار 40 بالمئة مقارنة بعام 2015.
ورغم أن الأرقام تظهر تزايد في عدد اللاجئين الذين تمكنوا من لمّ شمل عائلاتهم، لكن لازال هناك الكثيرين الذين لم يتمكنوا من ذلك، لنوع الحماية دور مهم في ذلك.