فيسك يكشف وجود تنسيق سري بين قوات الأسد والروس والأكراد.. ويتكهن بالهدف القادم للنظام

تم النشر: تم التحديث:
S
s

كشف الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك عن وجود تنسيق سري بين قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد وبين الروس والنظام السوري لمنع وقوع اشتباكات في محيط مدينة الرقة معقل داعش الأخير الذي تستعد قوات سوريا الديمقراطية للانقضاض عليه.

وقال فيسك -في مقال نشر في صحيفة الإندبندنت البريطانية التي يعمل كمراسل لها بالشرق الأوسط - إنه بعد تقدُّمٍ سوري عسكري كاسِح حتى حافة "عاصمة" تنظيم (داعش) المُحاصَرة في الرقة، أقام الروس، والجيش السوري، وأكراد ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية –الحليفة نظرياً للولايات المتحدة– مركز"تنسيقٍ" سري في صحراء سوريا الشرقية لتجنُّب "الأخطاء" بين القوات المدعومة من روسيا والولايات المتحدة التي تواجه بعضها البعض عبر نهر الفرات.

وأضاف "يمكن إيجاد الدليل على ذلك هذا الأسبوع في قريةٍ صحراوية تتألَّف من أكواخٍ ذات جدران طينية وحرارتها قائِظة – كانت درجة الحرارة 48 درجة مئوية – حيث جلس فيسك نفسه على أرضية فيلا مطلية بطريقةٍ سيئة مع عقيدٍ في سلاح الجو الروسي يرتدي زياً مُموَّهاً، وضابطٍ شاب من الميليشيا الكردية – يضع شعار وحدات حماية الشعب الكردية على كُمِّه – ومجموعة من الضُبَّاط السوريين والمُسلَّحين القبليين المحليين.


هل تقع المواجهة؟


وحسب فيسك "فقد أظهر وجودهم بوضوحٍ أنَّ كلا الطرفين في الواقع يبذل قصار جهده لتجنُّب المواجهة، على الرغم من ادِّعاءات الغرب المولع المُتحرِّق للقتال، لاسيما الولايات المتحدة، بأنَّ القوات السورية تتداخل مع حملة "الحلفاء" ضد داعش.

وقال "كان العقيد الروسي يفغيني، وهو شخصٌ نحيلٌ، شعره قصيرٌ للغاية، وشاربه داكن اللون، يبتسم بأدبٍ، لكنَّه رفض الحديث معي – فصحيفة الإندبندنت البريطانية هي أول وسيلة إعلام غربية تزور القرية الصغيرة القريبة من مدينة الرصافة –.

غير أنَّ نظيره الضابط الكردي، والذي طلب عدم الكشف عن هُويته، أصرَّ على أنَّ "جميعنا نقاتل في حملةٍ واحدة ضد داعش، وأنَّ هذا هو السبب في وجود ذلك المركز، وتجنُّب الأخطاء".

وأومأ العقيد يفغيني برأسه موافِقاً على هذا التوصيف، لكنَّه حافظ على صمته – فهو رجلٌ حكيم كما يعتقد فيسك – ولابد أنَّه آخر الضباط الروسي الموجودين في أقصى الشرق في سوريا، على بُعد أميال قليلة فقط من نهر الفرات.

وقال مُمثِّل وحدات حماية الشعب الكردية ذو الـ24 عاماً، وهو محاربٌ قديم قاتَلَ ضد داعش في مدينة كوباني على الحدود التركية، إنَّه قبل أسبوعين فقط – بعد أن باغت الهجوم السوري الأخير قوات داعش الموجودة غرب الرقة – استهدفت غارة جوية روسية موقعاً كردياً بطريق الخطأ. وقال: "لهذا أقمنا مركزنا هنا قبل 10 أيام. إنَّنا نتحدَّث يومياً، وبالفعل لدينا مركز آخر في عفرين لتنسيق الحملة. فعلينا أن نشكِّل قوة واحدة تقاتل معاً".

ويُظهِر وجود هؤلاء الرجال في تلك النقطة الصحراوية البعيدة مدى الجدية التي تنظر بها موسكو لاستراتيجية الحرب السورية والحاجة لمراقبة "قوات سوريا الديمقراطية" الأكبر التي دخلت الرقة فعلاً بدعمٍ من الضربات الجوية الأميركية.

ويقول فيسك "يُنظَر إلى قوات سوريا الديمقراطية – التي ما مِن شيءٍ ديمقراطي حيالها سوى جداول رواتبها ربما –، حسب تعبيره، بريبةٍ شديدة من الأتراك، الذين سيكونون غاضبين للمعرفة بشأن التعاون السوري الكردي.

ولفت إلى أن هذا التعاون يجري رغم معارضة كلٍ من أنقرة ودمشق الشديدة لإقامة دولة كردية مستقبلية.
ويضيف "على الرغم من الهشاشة التي قد تكون عليها الارتباطات بين وحدات حماية الشعب الكردية والروس والسوريين، فإنَّها تُظهِر أنَّ كافة الأطراف عازِمةٌ على تجنُّب أي مواجهةٍ عسكرية بين موسكو وواشنطن".


النفط


يصف فيسك الوضع قائلاً "يوجد حولنا على الأرضية الصحراوية مئات من آبار النفط التي فجَّرها أو أهملها داعش، فقد شُكِّلت على نحوٍ رديء براميل حديدية ومنصات خرسانية استخرج منها داعش النفط لتمويل خِلافته، التي امتدت في وقتٍ من الأوقات من هذا المكان وبطول الطريق حتى الموصل. وأصرَّ ضابط وحدات حماية الشعب الكردية على أنَّ موقع المركز الروسي السوري الكردي ليس له أي صلة بحقول النفط السورية الأوسع المحيطة بنا، لكنَّ الدلائل على الهجمات الروسية والأميركية الأخيرة على منشآت داعش كانت في كل مكان.

وتوجد ناقلات نفط محترقة، وشاحنات، وحتى بعض الدبابات السورية المُفجَّرة – ومن يُفتَرَض أنَّهم ضحايا ينتمون لداعش – عبر الصحراء. وكانت إحدى الشاحنات
تقف مُتفحِّمة بجانب الطريق.

وتعرَّضت حتى إحدى سيارات اللوري التي تحمل بطاطس لغارةٍ. ولم تُوجَد أي علامة لجثث، لكنَّ الجيش السوري، وبدافع السخرية، قد ترك رايات داعش البيضاء والسوداء الأصلية كما هي على الطريق الرئيسي من حمص، "تُرحِّب" بزوَّار "عاصمة خِلافة داعش في الرقة".

وتتجمَّع الوحدات الأمامية السورية من الدبابات المصنَّعة روسياً والمشاة المُدرَّعين ليس بعيداً عن مدينة الرصافة الأموية والرومانية، التي لا تزال جدرانها الضخمة وأبراجها الحجرية قائمة، لم تمسَّها سنتا سيطرة داعش المعادي للحضارة، ربما لأنَّ نقوشها لم تتضمَّن رسوماً بشرية أو حيوانية. وكانت تُرعى قطعانٌ من آلافٍ الجمال في الجهة الخرى من المدينة التي بناها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك مُخلِّفَةً وراءها ضباباً ودخاناً غطَّى الآليات العسكرية والجنود على حدٍ سواء.
وكانت الرصافة هي المدينة الرومانية "سيرجيوس"، التي سُمِّيت تخليداً لقائد المئة الروماني سيرجيوس الذي عُذِّب وقُتِل بسبب دينه، تماماً كما حدث مع ضحايا داعش المسيحيين هنا في الصحاري قبل 3 سنوات.

وكان يُتوقَّع أن يكون الطريق السريع شرقي حمص هو طريق الهجوم السوري هذا الشهر. ولذا كانت الـ"حواف" الأرضية الواسعة والجدران الرملية الدفاعية التي نصبها داعش على طول الطريق. لكن بالنسبة لداعش، أزاح هذا التكتيك الذي يستخدمه الجيش السوري، بمهاجمته أعداءه من الخلف والخاصِرة، داعش عن مئات الأميال المربعة من الأرض غربي الفرات.


هل تدخل قوات الأسد؟


ويقول اللواء صالح، القائد الوحيد لفرقة الجيش السوري عند نهر الفرات، والذي تبنَّى هذه السياسة عدة مرات، إلى جانب زميله الضابط وصديقه، العقيد "نمر" سهيل، إنَّ قواته بإمكانها، في حال رغب، أن تصبح في مركز الرقة في غضون 5 ساعات "إذا ما قرَّرنا ذلك".
وتحدَّث عن كيف أعاد جنوده تنظيم القاعدة وداعش من مدينة الشيخ نجار الصناعية خارج حلب إلى بحيرة الأسد، وكيف قاموا بحماية إمدادات المياه إلى المدينة بخسارةٍ فادحة من قواته، وكيف تحرَّكوا شرقاً من قاعدة كويريس الجوية للسيطرة على دير حافر ومسكنة وغيرهما من البلدات في ريف حلب، ثُمَّ اندفعوا فجأة في اتجاه الجنوب الشرقي، جنوب نهر الفرات باتجاه الرقة.

وقال اللواء وهو يصيح تقريباً: "قواتنا الآن على بُعد 7 أميال (11.3 كم) من الفرات بين الرقة ودير الزور، و14 ميلاً (22.5 كم) من مركز الرقة، و10 أميال (16.1 كم) من قاعدة الطبقة الجوية القديمة. كم قتلنا من داعش؟ لا أكترث. ولستُ مهتماً بذلك. فداعش، وجبهة النُصرة، والقاعدة كلهم إرهابيون وموتهم لا يهم. إنَّها حرب".


الهدف القادم


يقول فيسك "ولكنَّني – ولأَّنَّني درستُ خرائطي التي غطَّتها الرمال واستمعتُ إلى كثيرٍ من المحاضرات العسكرية في دمشق مؤخراً – أكَّدتُ للواء صالح أنَّ هدفه المقبل بكل تأكيدٍ لن يكون الرقة (التي تحاصرها جزئياً القوات المدعومة أميركياً)، بل مدينة دير الزور التي تضم الآلاف من المدنيين المحاصرين".

فردَّ اللواء: "قال رئيسنا إنَّنا سنستعيد كل شبرٍ من سوريا"، مكرِّراً كلمات كل مسؤولي النظام السوري. وسألني: "لماذا تقول دير الزور؟"، فأجبت قائلاً لأنَّ ذلك من شأنه أن يُحرِّر 10 آلاف جندي سوري في المدينة من أجل القتال على جبهة الحرب.
ولم يكن على وجه اللواء سوى علامة تجهُّم، لكنَّها تلاشت بعد ذلك.

يضيف روبرت فيسك قائلاً "في الواقع، لا أعتقد أنَّ السوريين سينضمون إلى القوات المدعومة أميركياً التي تقاتل من أجل السيطرة على الرقة – فبعد كل شيءٍ كان ذلك هو هدف مركز "التنسيق" الصغير الذي رأيته في الصحراء – لكنَّني أعتقد أنَّ الجيش السوري سيتَّجه إلى دير الزور. وبطبيعة الحال لم يقل اللواء شيئاً عن ذلك. ولا يبدو واضحاً أنَّه يهتم بإحصاء القتلى.


كيف سيهيمنون على الرقة؟


حسب فيسك فإن هناك تكتيكاً آخر يجري استخدامه من جانب الإدارة السورية. إذ يُنشئ محافظ ريف الرقة الآن مقراً بالقرب من قافلة اللواء صالح. فالمحافظ المحلي، لا يكاد يبعد سوى ميلٍ واحد (1.6 كم)، يُخطِّط لإعادة إمدادات المياه والكهرباء، وتمويل الأشغال العامة، وإغاثة اللاجئين.

وحين غادرتُ المنطقة، كانت 29 أسرة – وعربات تحمل أطفالاً وسيداتٍ يرتدين أزياء سوداء إلى جانب أرائك مقلوبة – قد وصلت للتو إلى الرصافة قادمةً من دير الزور طلباً لمساعدة محافظ الرقة.
وكانت 50 أسرة أخرى قد وصلت في اليوم السابق. وبدا واضحاً تماماً أنَّه إذا ما ترك الجيش السوري أصدقاء الولايات المتحدة الأكراد يحتلون الرقة، فإنَّهم سيساعدون الإدارة المدنية التابعة للحكومة السورية للسيطرة على المدينة بقوة البيروقراطية. كيف سيكون ذلك مقابل انتصارٍ غير دموي؟


هل مازالت داعش موجودة؟


لكنَّ ثقة الجيش السوري بنفسه هي غالباً ما تؤدي إلى المصائب. فالطريق السريع الذي يُشكِّل طرف مثلث حمص – حلب قد امتد الآن 60 ميلاً (96.6 كم) إلى الرصافة، ولا يُخفي اللواء صالح أنَّ داعش ومن على شاكِلته يعودون عبر الصحراء بعد حلول الظلام ليهاجموا جنوده. ويسكن هؤلاء الرجال – والكثير منهم مراهقون – في خيامٍ منصوبةٍ بجانب الطريق، تحميها الدبابات والمدافع المضادة للطائرات. ومعركتهم مستمرة، فداعش ما زال يزرع العبوات الناسفة على جانب الطريق السريع اليوم. وحين سافرت لاحقاً عبر الصحراء إلى حمص، تبعت لبعض الوقت شاحنةً تحمل مدفعاً من عيار 155 ملم متهالِك لدرجة أنَّ فُوهته قد تصدَّعت.

ومع ذلك، يعيد المهندسون السوريون الطاقة الكهربية من محطات التوليد الموجودة في الصحراء والتي حتى وقتٍ قريب لم تكن سوى مخابئ لقادة داعش، وهو نظام طاقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقول النفط السورية التي تتعافى ببطءٍ من عدوان داعش، والتي تظل "لؤلؤة سورية في الصحراء"، بالرغم من تواضعها مقارنةً بموارد النفط الضخمة في الخليج، والعراق، وإيران.

ومن يسيطر على آلات الثروة تلك والكيفية التي سيُوزَّع بها الإنتاج الآن بعد أن حُرِّرت من مافيا داعش سيُحدِّد جزءاً من تاريخ سوريا السياسي في المستقبل.