"فتوى الأكشاك" تستسلم.. لماذا قررت الحكومة المصرية إغلاق مكاتب الأسئلة الدينية في محطات مترو الأنفاق؟

تم النشر: تم التحديث:
METRO CAIRO FATWA
sm

بينما ينتظر الجميع، اندفع شاب يتوسل المنتظرين ليسبقهم في الدخول إلى كشك الفتوى لارتباطه بموعد القطار، "قطار الشرقية فاضل له 10 دقايق وعندي سؤال مهم جداً، مسألة حياة أو موت جزاكم الله خيراً".

وسط محطة مترو الشهداء، حسني مبارك سابقاً، اصطف نحو 10 رجال، بجوار طابور آخر من امرأتين فقط. كانوا يتابعون ما يجري في كشك من الزجاج والألمونيوم لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، يحمل عبارة "لجنة الفتوى – مجمع البحوث الإسلامية"، إلى جانب شعار الأزهر الشريف، وبداخله شيخان يرتديان الزي الأزهري، جبة وقفطان وعمامة.

وافق المنتظرون على توسلات الشاب بعد جدل دار بينهم حول المدة التي قضاها كل منهم منتظراً أن يعرض على الشيخين سؤاله. وبعد مرور بضعة دقائق، دخل الشاب "الشرقاوي" إلى غرفة الشيخين، وقص عليهم مشكلته ثم رد عليه أحد الشيخين، ثم جاء له الشيخ الثاني بدفتر كبير وطلب منه التوقيع بكتابة اسمه كاملاً لإثبات حصوله على فتوى من المكتب.

هنا اعترض الشاب ورفض التوقيع، فأصر الشيخان على ضرورة التوقيع، وكتابة رقم تليفون طالب الفتوى، وأخبراه بأن هذا الدفتر هو أمر خاص بمنطقة وعظ القاهرة ولا تطلع عليه أي من أجهزة الأمن. بعد مرور قرابة 10 دقائق، طلب المنتظرون من الشاب أن يوقع في الدفتر ويغادر ليتسنى لهم عرض أسئلتهم على الشيخين، فاضطر للتوقيع.

كان هذا أحد المشاهد التي سجلتها "هاف بوست عربي" في جولتها داخل كشك الفتوى بمحطة مترو الشهداء، وسط العاصمة المصرية القاهرة، حيث بدأت لجنة الفتوى التابعة لمجمع البحوث الإسلامية، المعني بتجديد الثقافة الإسلامية بمؤسسة الأزهر في مصر، أول تجربة لإنشاء مراكز للإفتاء داخل محطات المترو.

لكن بعد أسبوع واحد من التجربة، أعلن وزير النقل هشام عرفان إنهاء التجربة بحلول عيد الأضحى، وبدلاً من الفتوى ستكون هناك أنشطة ثقافية وفنية بالتنسيق مع وزارة الثقافة بدلاً من مجمع البحوث الإسلامية.

المصريون قابلوا مراكز الفتوى بموجة عالية من السخرية والرفض، وأطلقت مواقع التواصل الاجتماعي عليها الاسم الساخر "أكشاك الفتوى"، وحذرت من فتنة طائفية لتمييزه للمسلمين على أصحاب الديانات الأخرى في مصر، وتعارضه مع مدنية الدولة.

وتساءل البعض عن جدوى تقديم فتاوى لركاب المترو الذين عادة ما يكونون مسرعين في طريقهم لعملهم.


موعظة يومية بعد صلاة العصر


"أردنا أن نقدم خدمة توعية دينية للراكب" هكذا يحدد أحمد عبد الهادي المتحدث باسم شركة المترو الهدف من إنشاء مكتب للجنة الفتوى داخل محطة مترو الشهداء، مضيفاً لـ"هاف بوست عربي" أن محطة الشهداء يتوافد عليها أكثر من نصف مليون مواطن يومياً، خصوصاً لأنها محطة وصل بين خطوط مترو الأنفاق الثلاثة، يمر من خلالها جميع الركاب من وإلى محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية. المحطة في ميدان رمسيس بوسط القاهرة، على بعد خطوات من محطة سكك حديد مصر التي تنقل المواطنين إلى جميع المحافظات، وعلى بعد بضع خطوات أيضاً من مواقف سيارات الأجرة التي تصل بين القاهرة وغالبية محافظات الجمهورية الـ27.

"نشغل أغاني في الخط الثاني لمترو الأنفاق " شبرا – المنيب" طوال اليوم، ومن باب تنوع الخدمات، قررنا تقديم خدمة الوعظ والفتوى للركاب، بإنشاء مكتب للجنة الفتوى يضم شيوخ أزهريين يقدمون النصيحة للركاب سواء مسلمين أو مسيحيين مجاناً، حتى نوفر عناء انتقال المواطنين وخاصة قاطني المحافظات البعيدة إلى مشيخة الأزهر"، كما يقول عبد الهادي.

تمت التجربة الأولى في شهر رمضان الماضي، ببث الإذاعة الداخلية لمترو الأنفاق طوال الشهر موعظة دينية عقب صلاة العصر، مدتها ربع ساعة. وتعاقب شيوخ من مجمع البحوث الإسلامية على الخطبة القصيرة طوال أيام شهر رمضان. "وجدنا استحساناً للأمر من الركاب، حتى أن كثيرين كانوا يتوقفون للاستماع، ويركبن القطارات بعد انتهاء الخطبة، ولهذا بدأنا بإنشاء مكتب للفتوى بمحطة الشهداء، كمرحلة أولية يسبقها تأسيس مكتبين آخرين في محطة حلوان بجنوب القاهرة، وأخرى في محطة المرج بشمال شرق القاهرة، للتسهيل على المواطنين".


وانتصر فيسبوك في معركة كشك الفتوى


بدأ مكتب الفتوى بمترو الأنفاق العمل صباح الأحد الموافق 16 يوليو الجاري، باستقبال عشرات الأسئلة والاستفسارات.

ووفقاً للشيخ سيد عفيفي مدير عام التوجيه بمنطقة وعظ القاهرة والمشرف على المكتب، أصدر المكتب طوال الأيام السبعة الأولى من عمله قرابة الألف فتوى رداً على أسئلة واستفسارات المواطنين.

يعمل المكتب طوال أيام الأسبوع عدا الجمعة، لمدة 11 ساعة يومياً مقسمة على فترتين، صباحية تبدأ من التاسعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، ومسائية تمتد إلى الثامنة مساءً. ويتعاقب على العمل أسبوعياً 36 شيخاً خلال كل فترة يتواجد داخل المكتب شيخان إلى جانب شيخ ثالث للإشراف.

ويضيف توفيق أن متوسط الفتاوى التي يصدرها المكتب خلال كل فترة يزيد عن 70 فتوى، غالبيتها تخص المعاملات الاقتصادية للمواطنين وموقف الدين من القروض وفوائد البنوك، وأنه بعد قرار وزير النقل بإنهاء عمل المكتب بنهاية شهر أغسطس المقبل، سيواصل مجمع البحوث الإسلامية عمله في محاربة التطرف والإلحاد داخل المساجد وخارجها.

أحد شيوخ مراكز الفتوى، وهو يعرف نفسه لـ"هاف بوست عربي" بالشيخ حسن، اعترض على قرار وزير النقل بإنهاء عمل هذا المكتب في نهاية شهر ذي القعدة. "قالوا إننا كشك يقدم الفتوى ديليفري لكن لم يكلف أي منهم نفسه عناء الانتقال إلينا ومعرفة الطريقة التي نقدم بها الدين الإسلامي للمسلمين وغير المسلمين وجهاً لوجه".

يلفت الشيخ حسن إلى أنه يقدم خدمة مجانية للمواطنين لا يتقاضى عليها أجراً، حيث أنه في الأساس واعظ بمنطقة وعظ القاهرة ويتقاضى أجره عن الوعظ في المساجد التابعة لنطاق عمله، ويأتي إلى مكتب الفتوى يوماً واحداً في الأسبوع لتقديم المعلومة الصحيحة عن الدين.

"المواطنين هم الخاسرون من وأد التجربة في مهدها وعدم تعميمها على مستوى الجمهورية، والمسؤولون انساقوا إلى الغوغاء السوشيال ميديا، بدلاً من أن يقيموا التجربة علمياً ويعرفوا إيجابياتها وسلبياتها. هناك أشخاص يكفرون مجرد تهنئة الأقباط في عيدهم، ونحن نستقبل المسلم والقبطي والكافر والملحد ونقدم لهم النصيحة جميعاً".


هل المواصلات العامة صالحة للنقاش في أمور الدين؟


يؤكد العاملون بالشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق ووعاظ مجمع البحوث الإسلامية على أهمية الاتصال المباشر بين شيوخ المجمع وبين المواطنين من خلال كشك الفتوى بمترو الأنفاق، لكن الشيخ أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يقلل من أهمية هذه المكاتب. ويعتبر كريمة أن قرار وزير النقل بإغلاقها هو عين الصواب. "الحديث عن أكشاك الفتوى لغط لا داعي منه، ولا أهمية لوجودها داخل المواصلات العامة. نحن لا نعاني من أزمة فتوى، لدينا دار للإفتاء تقدم خدماتها بطرق كثيرة، والمواصلات العامة ليست صالحة للنقاش في أمور الدين"، كما قال كريمة لـ"هاف بوست عربي".

وتقدم دار الإفتاء المصرية على موقعها على الإنترنت خدمة طلب الفتوى إما عن طريق تسجيل طالب الفتوى لبيانات الشكوى محل الطلب عبر الموقع، وانتظار تلقي الرد عبر البريد الشخصي لطالب الفتوى أو عن طريق تسجيل الطلب بكود ثم البحث عن الفتوى بهذا الكود.

كما توفر دار الإفتاء خدمة "هاتف الإفتاء" للرد على اتصالات المواطنين داخل مصر وخارجها، من الساعة التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً كل أيام الأسبوع عدا الجمعة والسبت وأيام العطلات الرسمية.

مواطنون تعاملوا مع كشك الفتوى بمحطة مترو الشهداء قالوا لـ"هاف بوست عربي" إنهم يفضلون استمرار أكشاك الفتوى. بيتر حنا تعمد أن يذهب لكشك الفتوى من باب الفضول، لكنه ارتاح للفكرة بعد تجربتها، "وجدت الكشك أشبه بغرفة الاعتراف في الكنيسة، واستمع لي الشيوخ ونصحوني ودعوا لي بصلاح الحال".

سيدة مسنة عرفت نفسها بأنها "أم سيد من قنا"، شكرت "أهل الله" الذين يحسون بمشاكل الناس. "أنا جيت مع ابني من قنا عشان يتعالج في القصر العيني وإحنا راجعين عدينا على الشيخ وقلت له إن ابني عايز يحرم أخواته البنات من ورثهم في أرض أبوهم، والشيخ كلم ابني واقنعه إن دا حرام".

الشاب "الشرقاوي" الذي استأذن المنتظرين أمام مكتب الفتوى قال لـ"هاف بوست عربي" لدى خروجه إنه يتمنى استمرار كشك الفتوى وتعميمه بجميع محطات القطار على مستوى الجمهورية وخاصة محافظة الشرقية، "ارتكبت معصية والشيخ فوقني".