أقسام شرطة مكيفة وتطوير لسيارات الترحيل وأماكن الاحتجاز.. كيف ردَّ النشطاء على الداخلية المصرية؟

تم النشر: تم التحديث:
SDF
sm

يُطلقون عليها "السجون المتحركة"، وداخلها قُتل العشرات من السجناء المصريين، أشهرهم 37 سجيناً قُتلوا أمام سجن أبو زعبل، في أغسطس/آب 2013، مختنقين بالغاز والجو الحار، بعد احتجازهم 6 ساعات داخلها، وروت "الغارديان" البريطانية قصتهم المأساوية.

إنها "سيارة الترحيلات"، الاسم السيئ السمعة للعربات التي يجري بواسطتها نقل المساجين في مصر، وهي عبارة عن صندوق مستطيل الشكل من الحديد مغلق من كل مكان باستثناء شبابيك قليلة مسيَّجة بأسلاك لا تتعدى مساحتها 15x15 سم، تحوِّلها إلى "فرن" لا يتحمله السجناء الذين يظلون بها عدة ساعات في الحر، أو "ثلاجة" باردة في الشتاء القارس.



وبسبب السمعة السيئة لهذه العربة، أُنتج عنها فيلم "اشتباك"، وتدور أحداثه بعد عزل الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، في عربة ترحيلات تابعة للشرطة تكتظ بالمتظاهرين المؤيدين والمعارضين، ويدعو الفيلم للمصالحة عبر رصد قصتهم، وعُرض في مهرجان "كان" الشهير.

وزارة الداخلية المصرية نشرت، علي حسابها بفيسبوك، صوراُ لأتوبيسات ترحيلات حديثة، قالت إنها مجهزة بأحدث التقنيات الحديثة لنقل السجناء، طبقاً للمواصفات العالمية وحقوق الإنسان، وأن أول دفعة منها وصلت إلي مديرية أمن السويس (شرق القاهرة).


وفسرت هذا الأمر بأنه "في إطار حرص أجهزة وزارة الداخلية على إعلاء قيم حقوق الإنسان، وتطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء السجون والمتهمين المحتجزين على ذمة قضايا".


600 جهاز تكييف للسجون


وتزامن الإعلان عن سيارات ترحيلات مكيفة مع تأكيد وزارة الداخلية أنها دعمت مراكز الشرطة بـ600 جهاز تكييف و1000 "شفاط هواء"، ونُقل عدد من المحبوسين احتياطياً بمراكز الشرطة إلى السجون المركزية؛ للتخفيف من الزحام بأماكن الحجز، والتأكد من التهوية اللازمة لكل عنبر، في ظل موجة الحر الشديد التي تشهدها مصر وارتفاع درجات الحرارة إلى 41 درجة.

وطالب وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، عاطف مخاليف، في وقت سابق، بوضع تكييف في السجون المصرية؛ حتى لا يتعرض المساجين للأمراض أو للوفاة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

وأوضح "مخاليف" خلال حواره مع قناة "دريم" المصرية، أن حجز المساجين عبارة عن حجرة صغيرة بها شفاط، وتابع متسائلاً: "هيعمل إيه ده في أيام الحر؟!"، منفعلاً: "دول بني آدمين".

واعترض اللواء شرطة مصطفي الباز، على هذا الاقتراح خلال الحلقة، قائلاً: "العنابر بالسجن مزودة بمراوح، وهناك شفاطات هوا كذلك، وأتحدى أن يكون في مكان احتجاز مثل هذه الأمور، أنا أول مرة أسمع موضوع إننا نكيف السجن دي!".


سجون 5 نجوم


وسبق لمساعد وزير الداخلية ورئيس مصلحة السجون، اللواء حسن السوهاجي، القول في مقابلة مع "اليوم السابع" إن الوضع في السجون المصرية يشبه المنتجعات السياحية العالمية، وإن علاج المسجونين في مراكزها الطبية لا يختلف عن المراكز العالمية؛ ما أثار سخرية على مواقع التواصل؛ لتزامن التصريحات مع حالات وفاة داخل السجون بفعل الإهمال الطبي، بحسب تقارير حقوقية.

وقال اللواء "السوهاجي" إن حالة السجون دفعت السجناء لرفض الخروج من "السجون السياحية ذات الـ5 نجوم" على حدّ وصفه، وقال إن "الانتهاكات داخل المعتقلات مجرد شائعات".

كما ردَّ وزير الداخلية، اللواء مجدي عبد الغفار، على الانتقادات الحقوقية المتعددة عن التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون، قائلاً إنه "لا يوجد تعذيب ممنهج فى الأقسام أو اختفاء قسري، والشرطة جهاز سمعته طيبة في مصر".


معارضون ومؤيدون


في المقابل، يقول مراقبون وحقوقيون إن هذه الإعلانات عن أماكن احتجاز مكيفة الهواء "محاولة لتزييف الحقائق". ويرى الدكتور صلاح سلّام، عضو "المجلس القومي لحقوق الإنسان"، المختص بالحالة الطبية للسجناء، أن السيارات المكيفة لن تحل مشكلة حالات الوفيات بالسجون، ولكنها قد تقلل منها، مرجعاً الأمر إلى أن "الطاقة الاستيعابية للسجون وصلت إلى 300% والتكدس بداخلها أصبح أمراً كارثياً".

ويضيف: "التكدس يؤثر على حياة المحتجز، فضلاً عن انتقال العدوى بشكل سريع، وهذا ما يفسر انتشار الأمراض التنفسية والجلدية، فالمحتجزون محرومون من كل حقوقهم من النوم ومن قضاء الحاجة، ويصل الأمر إلى الحرمان من حق التنفس من شدة التكدس، والأمر هنا يتطلب إرادة إنسانية حقيقية، واحترام احتياجات المحتجز كإنسان يستحق الحياة"، بحسب تعبيره.


5 أبواب بين الطبيب والسجين المريض!


ويؤكد رئيس لجنة الحقوق الصحية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي)، لـ"هاف بوست عربي"، أن "ما يضعف الأوضاع الصحية داخل السجون المصرية أنه يوجد بين الطبيب والسجين المريض 5 أبواب، أي موافقات أمنية! وبعد الساعة الخامسة، تغلق كل الأبواب، فإذا تعرض أحد السجناء لجلطة أو غيبوبة سكر بعد الساعة الخامسة فعليه أن ينتظر لصبيحة اليوم التالي، أو يُترك للموت".

حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، يرى أن "السيارات المكيفة شيء إيجابي، لكن السجناء لا يموتون في السيارات، ولكن في السجون وأماكن الاحتجاز، حيث يبلغ عدد المسجونين في 45 سجناً فقط قرابة 120 ألفاً، بينما قدرتها الاستيعابية 60 ألفاً فقط".

ويؤكد: "كل زياراتنا للسجون معدَّة بشكل مسبق، وتنقل صورة غير حقيقية للواقع داخلها، وهي نقطة الخلاف التي يحارب من أجلها أعضاء المجلس الحاليون، بحيث تكون الزيارة للسجون بمجرد الإخطار، دون الحصول على تصريح من وزارة الداخلية أو النائب العام".

وأشار تقرير سابق لـ"التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" إلى أن وزارة الداخلية أعلنت أن "التكدس في أماكن الاحتجاز وصل إلى نسبة 400 في المائة"، وعقَّبت "التنسيقية" قائلة: "وهو ما يعني الموت الحتمي لآلاف السجناء"، وتحدثت عن أن الإهمال الطبي أدى إلى وفاة 102 معتقل في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2015 وحتى مايو/أيار 2016".

من جانبه، قال الناشط الحقوقي ناصر أمين إن "وزارة الداخلية تمنع عن السجين العلاج وتعلن توفير تكييف له، فبم يستفيد السجين المريض من التكييف، في حين ينقصه العلاج والرعاية الصحية؟!"، مشيراً إلى أن هناك "العشرات من الشكاوى يتلقاها المجلس القومي لحقوق الإنسان شهرياً تكشف انتهاكات داخل السجون".


الوفيات ليست بسبب التكدس


اللواء فؤاد علام مساعد وزير الداخلية سابقاً، ردَّ قائلاً لـ"هاف بوست عربي" إن "هناك توسعات كبرى فى بناء السجون، وإن الداخلية خصصت جزءاً كبيراً من ميزانياتها لهذا الغرض؛ من أجل التغلب على تكدس السجناء، أما التقارير الحقوقية التي تشير إلى كثرة الوفيات بسبب الإهمال الطبي فبها كثير من المبالغات والأكاذيب"، حسب قوله.