الاستياء يتفاقم بين العراقيين المُحرَّرين من قبضة داعش.. فهل تشهد البلاد عودة للتنظيمات المتشددة؟

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

يواجه العراق تحدياً جديداً في إعادة إعمار المُدن والبلدات المُحرَّرة من تنظيم داعش، وسط حلقةٍ من الطائفية لا تُظهر سوى القليل من علامات النهاية، وتمردٍ لا يزال مشتعلاً في سائر أنحاء البلاد.

لطيفة رشيد، البالغة من العمر 74 عاماً، هي ربة أسرة عربية سُنِّية كانت تعيش تحت حُكم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حتى قبل عامٍ مضى. وكان أحد أبنائها واثنان من أحفادها قد قاتلوا ضمن صفوف التنظيم، وقُتلوا على أيدي القوات العراقية التي انتزعت مدينتهم من المتطرفين، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

قالت لطيفة، وأبناؤها، وأحفادها الباقون على قيد الحياة إنِّهم كانوا مستعدين لمعانقة عراقٍ جديدٍ تحت لواء الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد، لكنَّ الميليشيات الشيعية التي تحرس مدينتهم قالت إنَّها ستعتقل هؤلاء الرجال إذا عادوا إلى المدينة.

ظل العراقيون من الأقلية السُنِّية العربية خارج السُلطة منذ إطاحة نظام صدام حسين عام 2003، وقد أدى ذلك إلى اضطرابٍ أسفر عن عودة ظهور تمرّد تمخَّض عن تنظيم داعش.

وقبل 3 أعوام، حين استولى داعش على 40% من الأراضي العراقية، كانت مكاسبه مقتصرةً على المقاطعات الثلاث ذات الأغلبية السُنِّية في العراق.

ومع إعادة الاستيلاء على مدينة الموصل مؤخراً، تكون القوات العراقية قد استعادت السيطرة على معظم الأراضي السُنِّية، غير أنَّ ثلث سكان العراق السنَّة العرب قد نزحوا من بلداتهم. ومُنِعَ بعضهم من العودة عند نقاط التفتيش التي تُديرها ميليشياتٌ شيعية أو كردية لكشف المُسلَّحين، وحُرِم آخرون من العودة بسبب الألغام التي نشرها تنظيم داعش.

y

ولا يمتلك الكثيرون منازل أخرى ليعودوا إليها بعدما دمَّر المقاتلون والمعارك الطاحنة التي تسببت في إجلائهم مدنهم وبلداتهم.

يقول إبراهيم العوسج، قائمقام (موظف إداري دون المحافظ) مدينة الرمادي السُنِّية التي انتُزعت مرةً أخرى من المتطرفين منذ أكثر من عام: "يُمثِّل الفقر واليأس تربةً خصبةً لنمو تنظيم داعش. سنرى نسخةً ثانية، أو ثالثة، أو رابعة من التنظيم".

وأضاف أنَّه وسط هذا المناخ تكافح عشرات الآلاف من أرامل الحرب لإطعام أطفالهن، وكثيرٌ منهم من أبناء مقاتلي تنظيم داعش وبناتهن. وهذا يترك العائلات عُرضةً للمتمردين الذين جنَّدوا جنوداً من الأطفال، وأغروا المحرومين بمنحهم رواتب مُجزية.

وبالنسبة للعديد من السُنَّة، فإنَّ بغداد لا تبذل جهداً كافياً لإعادة الإعمار. تقول لطيفة: "هذه الحكومة نموذج للفشل التام، والشيء الوحيد الذي تؤديه بنجاح هو نشر الفساد والطائفية".


هكذا نشأ داعش


وقد ساعد هذا الرأي في تغذية العديد من الكيانات المعبرة عن التمرد في العراق، ففي أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، ظهرت جماعةٌ من مقاتلين عراقيين وأجانب كفرع تنظيم القاعدة في العراق. وسرعان ما انضم إلى هذه الجماعة ضباطٌ عسكريون أقالتهم الولايات المتحدة من مناصبهم إلى جانب آلاف المسؤولين الحكوميين لأنَّهم كانوا أعضاءً في حزب البعث الذي كان يرأسه صدام.

وكانت مجموعةٌ من ضباط الأمن الساخطين قد غرست بذرة التمرد الذي يطارد العراق حالياً.

وقتل المتمردون آلاف الجنود الأميركيين والعراقيين، قبل أن تضعف هذه الجماعة بشدة بحلول عام 2007، وانصهر أفرادها مرةً أخرى في بوتقة السُكان.

وفي الأعوام التي أعقبت ذلك، سعوا إلى تحقيق تمردٍ سري مع الحفاظ على علاقاتهم مع المجتمعات السُنِّية المحلية.

واستمر السخط تجاه الحكومة في التفاقم، وفي عام 2013، استغل متمردون التظاهرات المناهضة للحكومة في بعض أجزاء العراق، وأطلقوا على أنفسهم اسم "الثوار القَبَليون"، ثم في عام 2014، رفعوا راياتهم السوداء، وتحولوا إلى تنظيم داعش.

وبينما سعت الجماعة إلى تأسيس إمبراطوريةٍ دينية في العراق وسوريا، قدَّمت نفسها كحاميةِ الأقلية السنية المحاصرة.

ولم تُسفر 3 أعوامٍ من الحرب ضد تنظيم داعش عن شيءٍ يُذكر لعلاج الانقسامات بين الشيعة الأغلبية، والأقليتين الكبيرتين من السُنِّة العرب والأكراد.

وتعمل الحكومة العراقية على استعادة ثقة السكان لمحاربة التطرف في المستقبل، وذلك بتوظيف سكانٍ محليين للمساعدة في إعادة الإعمار.

ولا تزال بغداد تفتقر إلى الأموال الكافية لإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، إذ يعتمد اقتصاد العراق اعتماداً كبيراً على النفط، ولذلك، جعل الانهيار العالمي في أسعار النفط الحكومة المركزية بلا إيراداتٍ كافية. ويُذكر أنَّ نحو 210 ملايين دولار قد وُضِعَت في صندوق إعادة إعمار العراق منذ إنشائه عام 2015، وذلك أقل بكثير من 100 مليار دولار التي تحتاج إليها الحكومة وفقاً لتقديراتها.

وفي بعض الأماكن التي شهدت بداية عملية إعادة الإعمار، يقول بعض السكان إنَّ هناك فساداً يتسرّب إلى العملية.

من ذلك ما يحدث مع سعد الحمادي، البالغ من العمر 33 عاماً، الذي ينظف شوارع مدينة الرمادي من فُتات حطام ما بعد الحرب. بصفته موظَّفاً تابعاً للمدينة، فمن المفترض أن يتقاضى 15 ألف دينار عراقي يومياً، أو حوالي 13 دولاراً. لكنَّه قال إنَّه عادةً ما يتقاضى 10 آلاف دينار فقط؛ لأنَّ إدارة البلدية تتهمه باستخدام أدواتها، وهذا غير قانوني على حد قوله.

وفي بلدة يثرب الواقعة في محافظة صلاح الدين، مُنِعَ أفراد قبيلة عادل الحشماوي السُنِّية المكوَّنة من 60 ألف شخصٍ من العودة إلى ديارهم على أيدي قبائل وميليشيات شيعية تتهمهم بدعم تنظيم داعش.

وربط الحشماوي هذه المعاملة بالمظالم التي ساعدت تنظيم داعش في المقام الأول في امتلاك مقاليد الحُكم.

وردَّ العبادي مؤخراً على الاتهامات الموجَّهة لميليشياتٍ شيعية والحكومة بمعاقبة أفرادٍ سُنَّة عقاباً جماعياً، قائلاً: "نريد تطبيق القانون وليس معاقبة الأبرياء".

وقال الحشماوي إنَّ بلدته أدركت في نهاية المطاف أهوال تنظيم داعش، وحاول الكثيرون، ومن بينهم هو نفسه، الفرار.

وأضاف أنَّ قبيلته دفعت نحو 3 ملايين دولار كتعويضاتٍ، "ديَّات" للقبائل الشيعية المجاورة التي فقدت أفراداً منها في هجمات تنظيم داعش، لكن هناك مظالم جديدة تظهر يومياً.

واتهم الحشماوي إحدى أكبر الميليشيات الشيعية في العراق، وهي عصائب أهل الحق، بالتعاون مع قبائل شيعية لمنع عودة قبيلته إلى ديارها، ولكنَّ قاسم الدراجي، وهو أحد مسؤولي حركة عصائب أهل الحق، ألقى باللوم على بعض القبائل الشيعية، وقال إنَّ حركته تحاول الوساطة لإنهاء الأزمة.

ما يظهر جلياً في يثرب هو غياب الحكومة. وقال الدراجي: "نحتاج إلى المصالحة الاجتماعية، لكن ذلك صعبٌ في العراق".