سبب جديد لنشوب الحرب في سوريا.. رواية مختلفة تماماً حول اندلاع أكبر مأساة بالوطن العربي

تم النشر: تم التحديث:
S
s

جفاف شديد جراء الاحتباس الحراري العالمي سبب "هجرة جماعية" داخل سوريا من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، مما أسهم بدوره في الانتفاضة التي جرت عام 2011، وتصاعدت حدتها فيما بعد حتى وصلت إلى حرب أهلية، خلَّفت ملايين المهاجرين والقتلى والجرحى.


هذه القصة التي نشرها موقع The Conversation تفترض وجود علاقة بين الجفاف والهجرة والصراع. ومع هذا، لا تعتبر هذه العلاقة واضحة المعالم. ويكمن قلقنا في أن التأكيد بشكل كبير على المناخ يُغفل دور العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تحديد تعرُّض المجتمع للإجهاد البيئي. فالصراع ليس بالأمر الحتمي في مواجهة الجفاف.


عانت سوريا من جفاف شديد إلى متوسط الشدّة خلال الفترة الواقعة بين 1998 حتى 2009؛ فعلى مدى 7-11 سنة تلقّت معدل أمطار أقل من المعدل الطبيعي الذي كان سائداً في الفترة بين 1901 حتى 2008.


الهجرة ثم الصراع


هذا أحد الاستنتاجات التي تم التوصل إليها من خلال العمل على الجفاف وإدارة الموارد في سوريا. وفق التقرير تم تقسيم الادعاء المنتشر الذي يتعلق "بحرب المناخ" إلى جزئين –العلاقة بين الجفاف والهجرة والعلاقة بين الهجرة والصراع– لمعرفة مدى توافق هذه العوامل مع بعضها البعض.

أولاً الفكرة الأولية التي تتعلق بالهجرة المدفوعة بيئياً. وتكمن المشكلة في أنه من الصعب للغاية تحديد الأسباب الحقيقية وراء مغادرة الناس لمنازلهم والبحث عن فرص في مكان آخر، فالتغير البيئي من المحتمل أن يمثل أحد العوامل العديدة وحسب، وليس بالضرورة الأكثر تأثيراً في ذلك. فعلى سبيل المثال، يعتبر امتلاك المال اللازم للانتقال من العوامل الرئيسية للهجرة، ولذا فإن هؤلاء الذين يمكنهم تحمل نفقات الانتقال بسبب الجفاف قادرون على ذلك.

وفي حالة سوريا، ليست هنالك أي علاقة ثابتة من الناحية العلمية بين انخفاض سقوط الأمطار أو المحاصيل الفاسدة والهجرة الريفية–الحضرية. وينبثق الدليل الذي جرى استخدامه لإثبات العلاقة بين الجفاف والهجرة من تقارير النزوح التي نشرتها الحكومة السورية وبعثات التقييم التابعة للأمم المتحدة. وهناك زعم بأن كلتا الظاهرتين مرتبطتان، لأنهما حدثتا في نفس التوقيت. ومع ذلك، فمن الناحية العلمية لا يعتبر هذا كافياً.

ووُصِف الجفاف الذي أصاب سوريا بأنه جفاف حاد، وسيدوم لسنوات عديدة استمرت ما بين عامي 2006 حتى 2010. ولكن باتت معدلات سقوط الأمطار في أعوام 2006 و2007 و2009 و2010 قريبة من المعدل الطبيعي، في كل سوريا بوجه عام، وفي المنطقة التي تنتج "الحبوب" وتقع إلى الشمال الشرقي بشكل خاص. ويشير ذلك إلى أن الجفاف حدث في عام 2008 فقط.

في تقرير نشره موقع الباحثون السوريون ذكر أن أشدّ موجة جفاف شهدتها البلاد هي قبيل العام 2011.


فاقم الجفاف مشاكل الزراعة والأمن الزراعي وتسبّب بوفيات في قطعان الماشية وبمشاكل ضخمة، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى هجرة 1.5 مليون شخص من المناطق الريفية إلى محيط المدن تاركين وراءهم كل ّنشاطاتهم.

ويمكن للجفاف أن يتسبب في دمار مجتمع ما، ولكن بالكاد لُوحِظ هذا الأثر في مكان آخر. انظر وحسب إلى إقليم كردستان بالعراق، الذي عانى من نفس فترة الجفاف مثل سوريا، ولكن دون أي تيارات للهجرة الجماعية في هذا التوقيت. ويعد تعرض المجتمع للجفاف أكثر أهمية من الجفاف نفسه.

تشير العوامل العديدة إلى تعرض المزارعين السوريين على وجه الخصوص للجفاف. فالاستخدام المفرط للمياه من أجل إنعاش المحاصيل العطشى مثل القطن تسبب في جفاف الأرض وتردّي حالتها. كما ألغت الحكومة إمدادات الوقود المستخدم في تشغيل مضخات الري ونقل الإنتاج إلى الأسواق، كما عملت على تفكيك شبكة تمويل صغيرة جداً، تمثل صافي ضمان الدخل. ولم يجرِ تطبيق استراتيجية الجفاف القومية التي اعتُمِدت عام 2006، عندما انخفض معدل سقوط الأمطار.


من الصراع إلى الهجرة



وتتمثل المرحلة الثانية من الرواية السورية وفق موقع The Conversation، في أن الهجرة تتسبب في صراع عنيف. فبينما تقترح بعض الأبحاث وجود علاقة، فهناك أدلة أيضاً تشير إلى عدم وجود علاقة قوية على الإطلاق.

فمن خلال النظر ببساطة إلى تدفقات الهجرة في الماضي والحاضر، يمكننا التأكد من نُدرة الصراعات العنيفة. ففي الحقيقة، يمكن للهجرة بالفعل أن تعمل على تعزيز الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المُستقْبِلة في العالم النامي. فعلى الرغم من أن الهجرة الحضرية لا تتسبب في أي تنمية في حد ذاتها، إلا أنه لا تحدث أي تنمية اقتصادية مستدامة بدونها.

وربما يتحسن الدمج الديني والاجتماعي والعرقي أيضاً، نتيجة لزيادة التواصل بين سكان المناطق الريفية وسكان المناطق الحضرية. ومع ذلك، يمكن للهجرة التحريض على الصراع من خلال المنافسة المتزايدة على الموارد والخدمات، بالإضافة إلى التوترات التي تنشأ بسبب التغيرات العرقية والديموغرافية. وتقل احتمالات الصراع في منطقة حضرية معينة بسبب عوامل مثل قدرة مناطق الوجهة النهائية على استيعاب المهاجرين، ومدة استمرار هجرة الناس، وما إذا كان هناك بالفعل استقرارٌ اجتماعيٌ أو سياسيّ.


هروب المزارعين



في حالة سوريا، وفق موقع The Conversation حدثت هجرة جماعية من أسر المزارعين هروباً من أسوأ جفاف ضرب المناطق الواقعة في شمالي البلاد (المنطقة التي تنتج الحبوب في سوريا) إلى مدن مثل دمشق وحماة وحلب. ومع ذلك، يبقى الدور الذي لعبته هذه الهجرة في تغذية الثورة، ثم التسبب بعدها في صراع غير واضح تماماً.

اندلعت المظاهرات الأولى في مدينة درعا، الواقعة في جنوب شرقي البلاد، رداً على الاعتقالات والمعاملة السيئة التي تلقاها مجموعة من الشباب الذين أُلقي القبض عليهم بتهمة رسم شعارات مناهضة للحكومة.

وامتدت الثورة التي بدأت في إحدى المحافظات إلى أجزاء أخرى من الدولة، حيث كان الاستياء الاجتماعي والسياسي المتأصل يختمر لسنوات.

ويؤكد تسلسل الأحداث على أن الصراع يمثل ذروة العديد من العوامل المتشابكة التي بدأت تتطور بشكل ثابت على مدار عقود. رغم احتمال وجود علاقة للجفاف والهجرة والصراع من خلال الارتباط، فإن هذا الارتباط لا يمثل حقيقة ثابتة، وفي مثل حالة سوريا، يكون من الصعب قياسه.

ويمكننا الحديث بكل تأكيد عن الصراعات الاقتصادية التي تنبثق من التعرض للجفاف، إذ إن فقدان الدعم وخسارة الأجور الزراعية يُسهمان في حالة الاستياء العام من الحكومة. ومثّل الاستياء نداء صارخاً لتوحيد الشعب في المعارضة.