مأساة اللاجئ الصغير.. المصير الغامض لأطفال المهاجرين العرب مع الأسر البديلة في بريطانيا

تم النشر: تم التحديث:
CHILD_REFUGEE
UNICEF

في فبراير/شباط الماضي، وضمن إرهاصات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قررت حكومتها وقف برنامجها الرئيس لاستقبال الأطفال اللاجئين. وعلى الرغم من وصول مئات الأطفال إلى الجزيرة وحدهم، إلا أن لبريطانيا سجلاً سيئاً في التعامل معهم. هذا التحقيق يسلط الضوء على جانب مظلم في نظام الرعاية الاجتماعية البريطاني، وآلام الأطفال المهاجرين.

من بين 1.3 مليون شخص طلبوا اللجوء في أوروبا عام 2015، كان هناك أكثر من 100 ألف مهاجر قاصر غير مصحوب بقريب بالغ. كان معظم هؤلاء من سوريا وأفغانستان، و13٪ منهم كانوا أصغر من 14 سنة. وفي يناير/كانون الثاني عام 2016، أعلنت هيئة الشرطة الأوروبية (يوروبول) اختفاء 10 آلاف طفل لاجئ بعد وصولهم إلى أوروبا، ويُخشى أن يكونوا قد وقعوا في أيدي عصابات الجريمة المنظمة أو الاتجار بالبشر.

كان من بين هؤلاء، العديد من الأطفال السوريين الذين استطاعوا الوصول إلى بريطانيا.

بريطانيا تحديداً، تتمتع بنظام رعاية اجتماعية معروف باسم "الاحتضان أو التبني" Foster، وفيه يلتحق الطفل بالأسرة الراعية حتى سن الـ18 ويحتفظ باسمه ولقبه. وتُشرف السلطات المحلية على رعاية الطفل في كنف الأسرة المضيفة، وكان من المتوقع أن يستفيد منه العديد من الأطفال الذين وصلوا إلى البلاد.

الدكتور محمد النجار، طبيب بريطاني-سوري يقيم بلندن، يروي كيف انخرط في العمل الإغاثي لمساعدة السوريين منذ عام 2011. يعتبِر النجار نفسه على احتكاك دائم بقضايا اللاجئين السوريين في بريطانيا، لكن تمثل المسألة له نقطة غامضة جداً.

إذ حاول الدكتور النجار، خلال الأعوام الماضية، كفالة أحد الأطفال السوريين في منزله ضمن نظام الرعاية الاجتماعية الموجود بالبلاد، لكنه فشل ولم يثمر بحثه نتيجة تُذكر، لكن آخرين مرّوا عبر تجربة الاحتضان توصل إليهم "هاف بوست عربي" في بحثه عن الأطفال اللاجئين، أحمد الحلبي كان أحدهم.


الوصول صغيراً إلى العالم الجديد


وصل الطفل أحمد، وهو اسم مستعار لطفل سوري، عن طريق التهريب، إلى بريطانيا وحيداً من دون أمه وأبيه، كان حينها يبلغ من العمر 14 عاماً.

أُحيل أحمد إلى مخفر للشرطة، وهناك كان عليه أن يتذكر رقم والده خارج بريطانيا ليطمئنه بوصوله. بعدها، تم تسليم أحمد إلى إحدى دور الرعاية الاجتماعية المحلية، ومنها إلى إحدى الأُسر الإنكليزية التي تقطن بالقرب من لندن، لتتولى رعايته إلى جانب طفل سوري آخر في مثل عمره وطفل إيراني أصغر منهما سِناً.

كانت المكالمات الهاتفية هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين أحمد وأسرته، بشرط أن تكون برغبته ولا تستمر المكالمة الواحدة أكثر من 45 دقيقة بحسب نظام الأسرة التي ترعاه.

كان من الممكن لأحمد أن يقضي مراهقته مع هذه الأسرة حتى يبلغ الـ18 من عمره. وحينها، كانت إمكانية لقاء أحمد بأبويه أمراً صعباً للغاية، سواء من ناحية سفره للخارج أو قدومهم إليه. لكن بعد عامين من وصوله، تمكنت عائلة أحمد الأصلية من الفرار إلى بريطانيا؛ لتقدِّم على حق اللجوء.

لم ينتقل أحمد إلى أسرته مباشرة للعيش معاً، وإنما تم ذلك بعد 8 أشهر. تخللت تلك الأشهر لقاءات جمعت بين مسؤولي الرعاية الاجتماعية المحليين والأب والأم مع أحمد؛ للتأكد من رغبة هذا الأخير في الانتقال للعيش مع أسرته الأصلية وأن هذه الأسرة مؤهلة وقادرة على رعاية طفل في سنه. يحكي والد أحمد أن ابنه كان محظوظاً؛ لأنه كان في سن تسمح بالتواصل المستمر معه منذ وصوله لبريطانيا. هذا بالإضافة لطبيعة نجله الهادئة التي ساعدت على استقرار نسبي.

ورغم ذلك، لا يخفي والد أحمد قلقه على ابنه بسبب هاتين السنتين اللتين قضاهما بعيداً عن أسرته في سن المراهقة. فهو يرى أنه ابتعد عنهم نفسياً قليلاً وأصبح ميالاً إلى الاستقلالية ويعبر عن قدرته على العيش بمفرده متأثراً بالبيئة المحيطة. ويحاول والده أن يدمجه في الأسرة مرة أخرى. ويضيف أنه يعرف حالات أطفال سوريين آخرين مروا بتجارب مشابهة، لكن تأثيرها كان عليهم أكبر وأثرت في شخصيتهم من عدة جهات، منها مثلاً أن مسائل الحلال والحرام أصبحت هامشية في حياتهم على خلاف ما تربوا عليه.

ولا يرى والد أحمد أن هذه التغيرات الطفيفة في شخصية نجله ناتجة عن سوء معاملة من الأسرة الإنكليزية؛ إذ يوضح أنها اهتمت به كثيراً وأحضرت له سجاجيد صلاة وكانت تصحب ابنهم إلى صلاة الجمعة في أثناء العطلات الدراسية. لكن يعزو الأمر إلى عدم وجود أي تواصل بين أحمد وأية أنشطة عربية وإسلامية خلال الأعياد ورمضان؛ لأن مثل هذا الجانب الثقافي لم يكن ضمن اهتمامات مؤسسة الرعاية الاجتماعية المحلية، وهي الجهة التي تشرف على الأسر الراعية لمن هم في مثل حالة الطفل أحمد.

ربما كان أحمد محظوظاً بعض الشيء، فخلال السنوات الخمس الأخيرة حاول 9287 طفلاً الحصول على اللجوء في بريطانيا بصفتهم قُصراً غير مصحوبين بلا والد أو عائل. وخلال هذه السنوات الخمس، اختفى 360 طفلاً على الأقل.


ما الذي يحدث للأطفال بعد وصولهم؟


عندما يصل طفل غير مصحوب إلى المملكة المتحدة، يكون على موظفي إدارة الهجرة أو الحدود واجب إخبار السلطات المحلية المسؤولة عن سلامة الطفل. وبعد مراجعة حالته، يتم وضع معظم الأطفال في منازل مخصصة لرعايتهم، فيما يتم إبقاء بعضهم لدى عائلات بغرض الاحتضان. وبعد ذلك، يكون مطلوباً من الموظفين الاجتماعيين الاطمئنان على الأطفال بشكل دوري، من خلال زيارات أو اتصالات هاتفية؛ للتأكد من سلامتهم ومن وجودهم لدى عائلات الاحتضان أو منازل الاستقبال.



refugee children in kirklees

وعادة ما يتم إرسال تنبيهات حال فُقِد طفل ما، إذا فشل الموظفون في التواصل معه، أو لم يحضر الاجتماعات الدورية، وعلى الرغم من أن كثيراً من الأطفال يقعون فريسة للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، فإن نسبة منهم يقررون الهرب من مراكز الاستقبال لسببين رئيسين: الصدمة والاكتئاب الناتج عما تعرضوا له في بلدانهم، أو انعدام ثقتهم بالإجراءات التي تقوم بها السلطات وخشيتهم من أن يتم ترحيلهم أو إعادتهم إلى بلدانهم من جديد.

وحيدين في أوروبا، يقع الأطفال فريسة سهلة في أيدي المهربين، ويتم استغلالهم لأغراض متعددة، منها العمالة الإجبارية، والاستغلال الجنسي، وحتى الخدمة المنزلية. لكن من يظل منهم في دور الرعاية ومراكز الاستقبال قد لا يكون أفضل حالاً؛ فغالباً ما ينتظر هؤلاء فترات طويلة في ظروف مقيّدة وبلا أمل، في أوضاع أكثر ملاءمة حتى وصولهم لسن الـ18.


أنظمة رعاية الأطفال اللاجئين: المسلمون ليسوا هنا واللوم مشترك


بعد تجربة أحمد، عرفنا أن الأطفال في مثل حالته يكونون عادة ضمن فئات الأطفال المسلمين وذوي الخلفيات العرقية المختلفة داخل دور الرعاية الاجتماعية. كما أن هناك جمعيات بريطانية كثيرة مهتمة بمثل هذه القضايا وتشجع الأسر العربية والمسلمة على تسجيل اسمها في سجل الأسر الراعية ضمن برامج رعاية الأطفال المحلية المعروفة باسم نظام "الفوستر". قصدنا بعض هذه الجمعيات بحثاً عن موقع الأطفال اللاجئين فيها، وخاصة السوريين.

يقول موقع الخط الساخن، المدعوم من الحكومة والمخصص لتقديم النصائح للراغبين في رعاية أطفال، إن السلطات المحلية في إنكلترا لديها عدد كبير من الأطفال المسلمين يحتاجون إلى أسر ترعاهم، بينما لا توجد أسر مسلمة تكفي لاستيعاب هذا العدد من الأطفال.

ويضيف الموقع أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى دعم ثقافي وديني من أسر مسلمة؛ لأن مسائل إحساس الطفل بهويته أمر لا يقل أهمية عن رعايته صحياً وتعليمياً واجتماعياً.

حاول الكثيرون إيصال هذه الرسالة؛ ففي 2015 نشر كيفين ويليامز، الرئيس التنفيذي لشبكة الرعاية الاجتماعية في بريطانيا، مقالاً على النسخة البريطانية من "هاف بوست"، يقول فيه: " إنه من المهم أن يتقدم إلى مراكز الرعاية الاجتماعية هؤلاء الذين يقيمون في بريطانيا منذ فترة ويتكلمون لغة الأطفال اللاجئين نفسها؛ من أجل تحقيق انتقال آمن لهؤلاء الأطفال اللاجئين القادمين من دون ذويهم".

اتصلنا بالشبكة التي يرأسها ويليماز وأرسلنا لهم مقاله وذكرنا حالة محمد النجار، وأكدنا لهم أننا على تواصل مع حالات لأسر سورية-بريطانية حاولت تنفيذ هذا الأمر ولم تستطع أن تصل لنتيجة. رد علينا المتحدث باسم الشبكة، دانيال سنكلير، بأن عملية التوفيق بين الأسرة الراعية والطفل يجب أن تتم بأفضل الطرق، وأن الذي يقوم بهذه العملية هي السلطات المحلية في كل منطقة وليس من حق الأسرة، التي تسجل رغبتها في الرعاية، أن تختار أن يكون الطفل لاجئاً.

الأمر ذاته وجدناه عند جمعية أخرى لرعاية الأطفال وهي "هوم فور جود" البريطانية، حيث تقول كريستي ماكلينتر، المتحدثة باسم الجمعية، في تصريحات لـ"هاف بوست عربي"، إن هناك حاجة ماسة للأسر من خلفيات ثقافية متنوعة، وخاصة الأسر العربية والسورية، للتسجيل ضمن هذا النظام. لكنها أضافت أن الفِرق المسؤولة عن اختيار الأسر لا تستطيع الوعد بإعطاء طفل ذي خلفية عرقية أو ثقافية لهذه الأسرة أو تلك.

والأمر يعتمد، كما تقول، على أعمار الأطفال وعددهم لدى الأسرة الراعية وهي سلطة تقديرية لمؤسسات الرعاية المحلية التابعة للمدن المختلفة. وتضيف ماكلينتر أن السلطات المحلية تنظر في كيفية تواصل الطفل اللاجئ مع أقرانه السوريين والمجموعات الدينية التي ينتمي إليها، بالإضافة إلى تعلُّمه اللغة الإنكليزية.

من ناحية أخرى، أشارت صحيفة "الديلي تلغراف" البريطانية، في تحقيق لها عام 2015، إلى الصعوبات التي تواجه الأسر التي تود رعاية الأطفال اللاجئين. وأوردت الصحيفة أن إجراءات قبول الأسرة لترعى طفلاً قد تستغرق 8 أشهر من البحث والتقصي، مع عدم وجود نظام يرعى ظروف الأطفال القادمين من مناطق الحروب والنزاعات والإصرار على أن يكونوا ضمن مجموعة واحدة مع الأطفال البريطانيين الذين يحتاجون إلى رعاية.

النموذج البريطاني يبدو غير كفء على الإطلاق؛ فمن ناحية يبدو أن العائلات البريطانية المسلمة غير راغبة، أو غير قادرة في بعض الأحيان على احتضان الأطفال اللاجئين، لكن من ناحية أخرى فإن اللامركزية والروتين قد يفضيان إلى مشكلات أعمق أو إلى اختفاء الأطفال وخروجهم خارج النظام بشكل كامل.


التجربة الكندية


بدا لنا أن الأمور كلها تتجمع في يد كل مجلس محلي من المدن البريطانية المختلفة وأنه لا يوجد نظام مركزي لتوفير الرعاية لهؤلاء الأطفال. توجهنا لأحد الناشطين السوريين المقيمين في بريطانيا ولديه صلات مع هذه المجالس. يقول الناشط، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إنه حضر عدة لقاءات مع وزارة الداخلية البريطانية في إطار نشاطه لتوفير الدعم للاجئين السوريين القادمين لبريطانيا، وأثيرت مسألة الأطفال السوريين القادمين من دون ذويهم مع المسؤولين بالوزارة، وكان الرد أنه ليس للسوري أن ينتقي طفلاً سوريّاً، وإنما عليه أن يتبنى الطفل الذي هو في مقدمة قائمة الانتظار للأطفال القادمين من كل أنحاء العالم، وإن اعتذر عن قبول طفل أو آخر، فعليه أن يقبل بعد ذلك ما يُعرض عليه وحتى إن كان مختلفاً.

وأضاف الناشط أنه كانت هناك قبل شهرين زيارة من وفد حكومي كندي للحكومة البريطانية وتقدم عدد من النشطاء السوريين للقاء هذا الوفد؛ من أجل الاستفادة من الخبرة الكندية للتعامل مع مثل هذه القضايا؛ إذ يقول بأن الحكومة الكندية ليست لديها هذا التعقيد فيما يتعلق بنظام رعاية الأطفال اللاجئين من دون ذويهم؛ ومن ثم يسمح للأسر العربية أو السورية برعاية هؤلاء الأطفال بسهولة. لكن تعللت الوزارة البريطانية بأن جدول أعمال الوفد الكندي ضيق وأنه وفد حكومي وليس من عادته لقاء منظمات مجتمع مدني.

وأشار الناشط إلى أنه حاول بنفسه التواصل مع السلطات المحلية في لندن؛ لمعرفة أية معلومات عن الأطفال السوريين الملحقين بنظام الرعاية الاجتماعية؛ كي يساعد في تقديم أي وجه من العون لهم، لكنه لم يصل لنتيجة؛ بسبب التكتم على الأسماء والأعداد. ويعتقد أن ذلك كان لدواعٍ أمنية.

التجربة التي يتحدث عنها الناشط كانت قد وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها تجربة عميقة؛ لأنها شديدة الحميمية. فضمن برنامج الرعاية الكندي، لا يتضمن فقط رعاية أطفال ضمن أسر كندية، ولكنه أيضاً يضم طرقاً لرعاية عائلة بأكملها من قِبل عائلة أخرى، وهو الأمر الذي لا يفصل الأطفال عن عائلاتهم، كما أنه يقدم العائلة اللاجئة للمجتمع الجديد بشكل أكثر نجاعة وكفاءة. بيد أنه لا يمكن تجاهل أن نسبة اللاجئين من الأطفال غير المصحوبين ببالغين أقل كثيراً في كندا من مثيلتها في أوروبا.



canada children refugees

بريطانيا تحتاج نظاماً أكثر كفاءة في التعامل مع الأطفال المهاجرين واللاجئين، والمسلمون منهم على وجه التحديد. أما حكومة بريطانيا ومسلموها، فلا يبدون مكترثين للغاية بالأمر. لكن البلاد التي تحاول الابتعاد قدر استطاعتها عن أوروبا لم تزل عاجزة عن كسر حاجز الجغرافيا، وفي انفصالها عن أوروبا، لا تبدو لندن على استعداد للاقتراب، ولو قليلاً، من كندا!