واشنطن بوست: كبار السن المسلمون في أميركا قلقون على مستقبل "المدينة الجديدة".. فهل أوشكت جماعة "أمة الإسلام" على الأفول؟

تم النشر: تم التحديث:
MUSLIMS IN AMERICA
Henry Romero / Reuters

شكل المسلمون السود ما يربو على 9% من تعداد الولايات المتحدة الأميركية عام 2014؛ بسبب زيادة أعداد المواليد، وكذلك زيادة نسبة المهاجرين إلى أميركا، ولكن كبار السن من المسلمين باتوا قلقين على مستقبل مجتمعهم.

صحيفة واشنطن بوست الأميركية أعدت تقريراً عن أحوال المسلمين في ولاية ميسيسبي الأميركية والتقت بعضهم؛ لكشف ما يقلقهم من مستقبلهم في الفترة المقبلة.

وإلى نص التقرير:

عندما يتأمّل عبد الحكيم شريف تلك التلال، وهذا المسجد، هذا التجسيد المثاليّ للتصوُّر الإسلامي، فإنَّه يأمل ألّا ينتهى الأمر مع وفاته.

كان شريف، البالغ من العمر 86 عاماً، أصغر بـ30 عاماً عندما وضع أمواله مع مجموعةٍ صغيرة من إخوته المسلمين هنا في ولاية ميسيسيبي وأسسوا مجتمعهم هذا. كان حلمهم آنذاك أن يكونوا قادرين على إطعام أنفسهم، وتعليم أنفسهم، وأن يعيشوا حياةً إسلامية في مجتمعٍ يخصُّهم.

لكن معظم أحفاد شريف انتقلوا للعيش بعيداً، وهو يعلم من جانبه أنَّ "المدينة الجديدة" ستحتاج بشراً، شباباً بالأخص؛ للحفاظ عليها بعد رحيله.

ويقول شريف: "إذا استطعنا فقط حملهم على إدراك هذا المفهوم والعمل به. هذا ما أعتمد عليه الآن. أن يتقدموا هُم لأداء المهمة".

في وقتٍ مضى، منذ نحو 50 عاماً، كان مصطلح "أميركيّ مسلم" يعني عادةً مسلم أسود البشرة، أي الأميركيين سودُ البشرة الذين وُلدوا في الولايات المتحدة مثل شريف، الذي انضمّ إلى جماعة "أمة الإسلام"، وهي جماعة قومية من سود البشرة برز اسمها في الأيام المضطربة لحركة الحقوق المدنية.

لكنَّ الصورة الحالية للمسلم الأميركي تعتِّم على ذلك التاريخ بشكلٍ عام. وخفتت قصص مالكوم إكس ومحمّد علي كلاي في الذاكرة الأميركية، واستبدلتها رواياتٌ تصوِّر المسلمين كمهاجرين، أناسٌ ذوي لهجاتٍ وأيدولوجياتٍ أجنبية. ونتيجةً لذلك، أدرك مجتمع شريف، على إثر خفوت ضوء طائفتهم الأميركية وصلتها بالواقع مع هذا التغيير، أنَّ المدينة الجديدة قدّ تموت مع مؤسسيها.

لقد تحولت الصورة السائدة للمسلم الأميركي مع زيادة أعداد المهاجرين: فسرعان ما فاق عدد المهاجرين المسلمين المتدفقين إلى الولايات المتحدة بعد عام 1965 تعداد المسلمين سود البشرة المولودين في الولايات المتحدة.

وقد دخل الولايات المتحدة نحو 1.7 مليون مسلم بشكلٍ قانوني وحصلوا على إقامةٍ دائمة في العشرين عاماً التي سبقت عام 2012، وفقاً لتقديرات مركز بيو للدراسات. وبحلول عام 2014، كان المسلمون الأميركيون سود البشرة المولودين في الولايات المتّحدة يمثّلون فقط 9% من تعداد المسلمين الكليّ في البلاد.

يتبع أفراد مجتمع شريف المسلم الراحل وارث الدين محمد، وهو ابن أحد قادة "أمة الإسلام" السابقين، إلايجا محمد. ورغم انفصاله عن الجماعة، فإنَّ محمد، الذي تُوفّيَ عام 2008، كان قد أبقى على بعض الممارسات الثقافية العائدة لجماعة "أمة الإسلام"، وكان ينظر إلى الإسلام الأميركي باعتباره مشتبكاً مع التجربة والدروس المستقاة من العبودية والقمع الذي تعرض له سود البشرة. ويتبع تعاليمه نحو 180 مسجداً في الولايات المتحدة.

لكنَّ التغيرات الديموغرافية في الولايات المتحدة تعني أيضاً أنَّ عدداً أقل من الأميركيين المسلمين يربطون هُويتّهم الدينية بتاريخهم العرقي في أميركا. وطغت سيادة الشرق-أوسطيين المفترضة في مجال العلوم الإسلامية على التفسيراتِ الأميركية للدين الإسلامي خلال العقود الأخيرة.

وقال نيقان تشيرش، البالغ 40 عاماً، من مدينة فلاديلفيا ويرتاد جامعاً سلفياً (وهي طائفة تقليدية وصارمة من الإسلام السنّي)، إنَّه بالنسبة للعديد من الأميركيين المسلمين سود البشرة اليوم، فإنَّ إرث أمة الإسلام ووارث الدين محمد "لم يعد ذا صلةٍ بعد الآن".

يشكّل الأميركيون سود البشرة من المسلمين الآن تعداداً من مختلف الطوائف، والأيديولوجيات، والثقافات، والمواريث القومية. فعلى سبيل المثال، تميل نُسخة الإسلام التي يمارسها مسجد تشيرش إلى التشابه أكثر مع بعض المساجد السعودية أو المصرية، أكثر من شبهها بتقاليد وارث الدين محمد. ومع أنَّ معظم روّاد مسجد تشيرش هُم أميركيون سود البشرة وُلدوا في الولايات المتحدة، فإنَّ تشيرش قال إنَّه لا أحد منهم ينظر إلى الإسلام بصفته مرتبطاً بتجربة سود البشرة الأميركيين.

"تحت هجومٍ دائم"

قال شريف إنَّه، وزوجته روث شريف، وأقرانهما قد أسّسوا هذا المجتمع، والذي يتكون من منازل ومزارع ومسجد على امتداد مساحة تصل إلى 0.26 كيلومتر مربع، في منتصف ثمانينات القرن الماضي بتشجيعٍ من وارث الدين محمد. وكانت الفكرة من ورائه هي خلق مساحة يستطيع المسلمون فيها العيش، والتعاون في المساعي التجارية، وفلاحة الأرض بزراعة الخضراوات، وتربية الماشية، والدجاج، وإنتاج نحل العسل.

كانوا يريدون أن يبنوا مجتمعاً إسلامياً يمكنّه التغلّب على الصعوبات التي يواجهها الأميركيون سود البشرة، خاصةً في جنوب الولايات المتحدة.

لقّب شريف ورفاقه مجتمعهم الجديد باسم "المدينة الجديدة"؛ تيمناً باسم إحدى المدينتين المقدّستين في الإسلام الموجودتين بالمملكة السعودية العربية، حيث اجتذب النبيّ محمد أول أتباعه. وبنوا كذلك مدرسةً؛ حتى يتمكن أطفالهم من التعلّم في ظلِ تعاليم الإسلام وهدوء نمط الحياة الريفية.

وبحلول عام 2009، أُغلِقت المدرسة. وأصبح تعداد المغادرين أخيراً يفوق عدد الوافدين الجدد: إما لمغادرة الشباب للالتحاق بالجامعة أو بوظائفٍ في المدينة، وإما لوفاة المؤسسين.

وفي عطلةٍ أسبوعية صيفية مؤخراً، وصل العشرات من أتباع وارث الدين محمد على امتداد جنوب الولايات المتّحدة إلى المدينة الجديدة، مستقلين سياراتٍ وشاحناتٍ صغيرة؛ وذلك لحضور الاجتماع السنويّ الـ31 لهذا المجتمع المسلم الصغير. وكان مُعظم الحضور أشخاصاً في سنّ التقاعد يمارسون رياضة التاي تشي فجراً، ويتحدّثون بحنينٍ عن الأيام الخوالي، ويقضون ما تبقّى من محادثاتهم في قلقٍ من التحدّيات التي تواجه الجيل المقبل.

ترامب وفرض القيود

وفي مكانٍ آخر، كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يروّج لفرض قيودٍ على السفر، سخر منها نقاده باعتبارها أشبه بـ"حظرٍ للمسلمين"، وأصبح نبأ مقتل رجلين على يد رجلٍ يهاجم المسلمين في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون قصةً إخبارية شغلت البلاد بأكملها. لكنَّ تيار المشاعر المعادية للمسلمين لم يقترب يوماً من مُعتزَل المدينة الجديدة.

ليس جديداً على الأميركيين المسلمين سودُ البشرة أن يكونوا محلّ شكٍ من قِبل السلطات الأميركية ومصدراً لخوفِ العامة. ففي ستينات القرن الماضي، استعان مكتب التحقيقات الفيدرالي بمخبرين على مقربةٍ من "أمة الإسلام" لمراقبة الجماعة وأبرز أعضائها.

وقال يوسف كروما، البالغ من العمر 27 عاماً، من مدينة فيلادلفيا: "لطالما تعرّضنا للهجوم بصفتنا إفريقيين-أميركيين وبصفتنا مسلمين". ومدينة فيلادلفيا، التي كانت في السابق معقلاً لـ"أمة الإسلام"، هيَ الآن موطنٌ لمجتمعٍ إسلامي كبير، يمثّل سود البشرة الأكثرية فيه.

وقال كروما: "عندما يكون لديك أشخاصٌ يهددون المسلمين كما يفعل رئيسنا الجديد، فإنَّ هذا لا يخيف المجتمع الإفريقي-الأميركي؛ لأننا مررنا بكل هذا من قبل. لقد عانينا من قبل".

لكن مثار الشكّ الأميركي العام قد تبدّل عمّا سبق.

فوفقاً لإدوارد كيرتس الرابع، أستاذ الدين في جامعة إنديانا-جامعة بوردو إنديانابوليس، فقد أعاد الجدل الدائر حالياً بشأن الهجرة، والإرهاب، والأمن القومي توجيه حسِّ عامة الأميركيين بالخطر، وغيَّر معه ما يعنيه أن تكون أميركياً مسلماً.

وقال: "المسلمون بُنيّو البشرة هُم من ترسمهم الحكومة، ووسائل الإعلام، ومعاهد الدراسات، ومراكز التحليلات المختلفة في صورة العدوّ المحتمل للولايات المتحدة. وهذه الإسلاموفوبيا المؤسساتية تلقي الضوء على المسلم بُنّي البشرة، وتُسكت أصوات المسلمين سود البشرة".

قيادةٌ من "الأصليين"

يقول ساموري رشيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية إنديانا، إنَّ مصطلح "الأميركي أسود البشرة" قد صاغه صحفي لم يكن أسود البشرة ولا مسلماً: وهو مايك والاس مراسل قناة "سي بي إس" الإخبارية. وقد استخدم والاس هذا المصطلح في برنامجه الوثائقي التلفزيوني "The Hate That Hate Produces" عام 1959 عن جماعة "أمة الإسلام"، ويرفض العديد من المسلمين اليوم فكرة وجود هوية خاصة بـ"المسلم أسود البشرة".

وقد قاد إلايجا محمد، قائد "أمة الإسلام"، أتباعه متّخذاً أيديولوجية تنظر إلى البيض باعتبارهم شياطين، وتتجنب هدف التكامل الذي سعت إليه حركة الحقوق المدنية على نطاقٍ أوسع آنذاك. واجتذبت هذه الأيديولوجية وقتها العديد من الشباب سود البشرة المنتمين إلى الطبقة العاملة.

وقال شريف، الذي ترعرع في ولاية ميسيسيبي عندما كانت تُطبِّق نظام الفصل العنصري على أساس العرق، وتعلّم فيها "الابتعاد عن الطريق" عند رؤية شخصٍ أبيض على الرصيف: "كنت مشتعلاً بالحماسة آنذاك؛ لأنَّ إلايجا جعلنا آلهة".

لكنَّ فكرة سيادة سود البشرة تعارضت مع التيار الإسلامي السائد، وبعد موت إلايجا محمد عام 1975، انشقّ ابنه وارث الدين محمد عن جماعة "أمة الإسلام" وعن حامل شعلة الجماعة الجديد لويس فرخان. وقدّم لأتباعه الإسلام بمفهومه السائد، والذي قدمه في صورةٍ أكثر تمكيناً: فهو منظومة عقائدية تعتمد على فكرة كوننا إنسانية واحدة خاضعة لحكم إلهٍ واحد. وتعلّم المجتمع الصلاة وممارسة الشعائر الإسلامية التي يتّبعها ملايين المسلمين حول العالم. ودرسوا القرآن والأحاديث النبوية. واعتنقوا فكرة المساواة العرقية.

أبقى محمد على العلامة الفارقة في مجتمعه وهيَ الجذور الأميركية سوداء البشرة. كما استمرت ممارسات "أمة الإسلام" الثقافية، مثل زراعة أسماك الوايتينغ بغرض الربح، وتناول فطائر البقوليات، فقد أكّد إلايجا محمّد ضرورة ريادة الأعمال والنجاح الاقتصادي باعتبارهما سبلاً لتمكين الأميركيين سود البشرة.

وقال عبد الله أديسانيا، من مدينة كولومبيا بولاية ساوث كارولاينا، والذي يتبع تقاليد وارث الدين محمد: "منحنا الإمام وارث الدين محمد قيادةً أتت من بيننا، فنحن لا نتبع أياً من شيوخ الشرق الأوسط".

"لا تتركوا الإرث يموت"

ومع ذلك، ومهما بلغ استعدادهم لرأب الصدع بين المجتمعات المسلمة الحديثة وأميركا بمفهومها الأوسع، يقول قادة تعاليم وارث الدين محمد إنَّهم نادراً ما تُطلَب منهم النصيحة.

فهُم ما زالوا يوضعون في صورةٍ نمطية على أثر ارتباطهم لمرةٍ واحدة بـ"أمة الإسلام"، ويقول قادة المجتمع إنَّهم أحياناً ما يجري تجاهلهم من قِبل غيرهم من المسلمين باعتبارهم علماء دين ذوي مصداقية وثقة أقل. ويقولون إنَّ العنصرية قد منعت المسلمين المهاجرين من الالتحاق بأعدادٍ أكبر بالمساجد المعروفة تاريخياً بمرتاديها سود البشرة.

وقال سميح علي، من مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي، وهو صاحب مخبز وأحد أتباع تعاليم وارث الدين محمّد: "لا يأتون إلينا إلّا عندما يصفعهم البيض على وجوههم". ويصرّ عليّ أنَّ المسلمين سود البشرة لهم تاريخٌ من التعامل مع التمييز والإساءة: "لدينا الحل! لقد عشنا مع البيض 300 عام. لقد وُلِدت مُعدَّاً لفهم البيض".

بينما يقول آخرون إنَّ تعاليم وارث الدين محمد تفقد صلتها بالواقع لا أكثر حالياً، في بلادٍ تخطّت زمن طاولات الغداء المنفصلة بين بيض وسود البشرة، وشهدت صعود مجتمع مسلم أكبر وأكثر تنوعاً. وفي مدينة فيلادلفيا، حيث يقول قادة المجتمع المحليّ إنَّ سود البشرة ما زالوا هم الأغلبية بين المسلمين هناك، يعتنق اثنان فقط من أصل 37 مسجداً تعاليم وارث الدين محمد.

وفي المدينة الجديدة، التي جسّدت يوماً مثال المجتمع الذي أراده وارث الدين محمد، فإنَّ السؤال المطروح اليوم متعلقٌ بطول البقاء.

أُغلِقت المدرسة المحليّة عام 2009 مع رحيل آخر طلابها، وقد لاقت مدارس مشابهة تتبع تعاليم وارث الدين محمد مصيراً مشابهاً في مدنٍ أكبر. والآن هناك بضع عشراتِ القبور في المقبرة الإسلامية بالمدينة الجديدة، يزيد عددهم عنلى عدد سكان المدينة الدائمين.

يتحدّث شريف بحزنٍ عن رغبته في افتتاح مدرسةٍ داخلية في وقتٍ ما، وأنَّ هذا سيكون مفتاح مستقبل المدينة الجديدة. وهناك لافتةٌ كبيرة دُقَت على تلٍ مكسوٍّ بالعشب مكتوبٌ عليها: "الموقع المستقبلي لمدرسة وارث الدين محمد الداخلية".

وفي محاضرةٍ أُلقيت في وقتٍ مبكّر من المساء أثناء الاجتماع السنوي، أكّد باحثُ دينٍ زائر من مدينة هيوستن ضرورة تطوير الجيل القادم إذا ما أُريدَ للمجتمع البقاء. وقد أتى طير الأمين بويد، البالغ من العمر 41 عاماً، من مسجدٍ يجتذب إليه شباباً جدداً بانتظام.

وبينما جلس الرجال والنساء كبار السنّ على سجادة حجرة الصلاة وأصغوا بانتباه، أخبر بويد القيادة القديمة بأنَّ عليهم هم أيضاً إيجاد طريقة لاجتذاب الشباب.

وقال بويد: "نحن ندعو الله أن نربّي أبناءنا؛ حتى لا نترك إرث الإمام وارث الدين محمّد يموت".