استبعاد قاضي تيران وصنافير ليس النهاية.. هكذا خسر قضاة مجلس الدولة معركتهم قبل الأخيرة ضد السيسي

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
SM

جاء اختيار المستشار أحمد أبو العزم رئيساً لمجلس الدولة المصري، الأربعاء 19 يوليو/تموز 2017، بمثابة إعلان فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي في معركة إخضاع السلطة القضائية التي بدأت بعد 21 يونيو/حزيران من العام الماضي.

المعركة انطلقت بالتزامن مع حكم بطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية؛ لتضمُّنها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. يومها، حفظ المصريون اسم القاضي الذي نطق بالحكم من منصة المحكمة الإدارية العليا: المستشار يحيى دكروري.

وعرف الرأي العام أن الرجل هو الأقدم بين قضاة مجلس الدولة والمحكمة الإدارية العليا؛ ما يعني توليه رئاسة مجلس الدولة هذا الشهر. لكن الدولة عدَّلت قانون الهيئات القضائية بطريقة أدت إلى استبعاد دكروري من رئاسة مجلس الدولة، وعن المنصة التي ستنظر بعد أشهر قليلة في صحة إجراءات الانتخابات الرئاسية، وخلق جبهات متنافسة داخل الجهات القضائية في مصر، يتعارك فيها القضاة على القرب من الرئيس.

أما معارضو تعديل قانون الهيئات القضائية، فينتظرون جولة أخرى للطعن في دستورية القانون أمام القضاء، فيما سيكون المعركة الأخيرة للدفاع عن استقلال الهيئات القضائية.


ما هي آخر قرارات رئيس مجلس الدولة السابق؟


فوجئ قضاة مجلس الدولة بانتهاء مدة رئاسة المستشار محمد مسعود للمجلس وبلوغه سن التقاعد في 18 يوليو/تموز الجاري، دون تسمية الرئيس السيسي لخلفه. وحسب الأمين العام لمجلس الدولة المستشار فؤاد عبد الفتاح، أنهى المستشار محمد مسعود رئاسته لمجلس الدولة صباح الإثنين الماضي بإغلاق جميع مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بمجلس الدولة وأعضائه، ومنع قضاة المجلس من إبداء آرائهم في كل ما يتعلق بمجلس الدولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.





وانتظر قضاة المجلس أن يصدر السيسي قراره باختيار رئيس المجلس الجديد يوم الثلاثاء 18 يوليو/تموز، ولكن لم يحدث، وهو ما توقع على أثره الكثيرون أن يكون امتناع السيسي عن تسمية الرئيس الجديد تسليماً منه بما انتهت إليه الجمعية العمومية لمستشاري المجلس في 13 مايو/أيار الماضي بترشيح المستشار يحيى دكروري منفرداً لرئاسة المجلس، خصوصاً أن المادة 70 من قانون مجلس الدولة تعطي لدكروري -بوصفه أقدم نواب رئيس مجلس الدولة- أن يحل محل رئيس المجلس في اختصاصاته عند غيابه أو خلو منصبه.

ولكن، جاء رد الرئيس السيسي بعد 24 ساعة، بإصداره قراراً جمهورياً رقم 347 لسنة 2017 بتعيين المستشار أحمد أبو العزم رئيساً لمجلس الدولة، ابتداءً من الخميس 20 يوليو/تموز وحتى بلوغه سن التقاعد في 14 سبتمبر/أيلول 2019


لماذا اختار السيسي القاضي الرابع في سُلَّم الأقدمية؟


بموجب قانون الهيئات القضائية، كان على الرئيس السيسي أن يفاضل بين أقدم 7 نواب لرئيس مجلس الدولة؛ بسبب عدم التزام الجمعية العمومية للمجلس بترشيح 3 مستشارين، وإصرارها على ترشيح المستشار يحيى دكروري منفرداً.

باقي الجهات والهيئات القضائية الثلاث الأخرى المخاطبة بالقانون التزمت بترشيح ثلاثة، وهي: مجلس القضاء الأعلى وهيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، فعيَّن الرئيس عبد الفتاح السيسي في 30 يونيو/حزيران الماضي، المستشار مجدي أبو العلا رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، وهو الثاني في ترتيب الأقدمية بين أقدم 3 نواب لرئيس المجلس السابق المستشار مصطفي شفيق، كما اختار المستشارة رشيدة فتح، وهي أقدم مستشاري هيئة النيابة الإدارية لرئاستها. أما هيئة قضايا الدولة، فاختار السيسي لرئاستها المستشار حسين خليل، الثالث في ترتيب الأقدمية بين نواب رئيس الهيئة السابق.

وبموجب هذا الحق، اختار السيسي أبو العزم، "الرابع" في ترتيب الأقدمية بين نواب رئيس المجلس السابق، للرئاسة.

السبب الأول في اختيار أبو العزم هو "الرغبة في الحفاظ على استقرار العمل داخل مجلس الدولة، وخصوصاً المحكمة الإدارية العليا؛ فهو سيستمر في منصبه حتى سبتمبر/أيلول 2019، أي ما بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية"، كما يفسر مصدر قضائي بالمحكمة الإدارية العليا لـ"هاف بوست عربي".

ويرى المصدر -الذي فضل عدم ذكر اسمه- أن الكثيرين كانوا يعرفون أن أبو العزم هو الأقرب للمنصب بمجرد إقرار البرلمان قانون الهيئات القضائية وتصديق الرئيس السيسي عليه بعد أقل من 24 ساعة؛ فقد ترأس قسم التشريع بمجلس الدولة وارتبط اسمه بالقوانين كافة التي أصدرها مجلس النواب في الفترة من 20 يوليو/تموز 2016 حتى 19 يوليو/تموز 2017، وراجع القوانين كافة التي أصدرها البرلمان خلال تلك الفترة ووافق على إصدارها جميعاً، فيما عدا قانون الهيئات القضائية الذي عُيّن أبو العزم بموجبه رئيساً لمجلس الدولة.

المفارقة أن أبو العزم أرسل إلى مجلس النواب خطاباً يطالبه بعدم إصدار القانون؛ لمخالفته 7 مواد بالدستور و4 أحكام صادرة عن المحكمة الدستورية، ولتوافر شبهات عدم الدستورية في نصوصه، قبل رئاسة مجلس الدولة بموجب نصوص هذا القانون.


ما هي مهام رئيس مجلس الدولة في مصر؟


رئيس المجلس يتولى إلى جانب مهامه الإدارية عدة مهام قضائية؛ أبرزها رئاسة المحكمة الإدارية العليا، وخاصة الدائرة الأولى بها المختصة بنظر قضايا الحقوق والحريات كافة، إلى جانب نظر الطعون المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والنيابية والاستفتاءات والأحزاب السياسية، كما يترأس رئيس مجلس الدولة دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة التي تضم في عضويتها جميع رؤساء دوائر المحكمة، وتفصل في الأحكام القضائية المتناقضة الصادرة عن محاكم المجلس، وتصدر مبادئ قضائية تتساوى مع أحكام المحكمة الدستورية العليا.

وتنص المادة 210 من الدستور على أن تختص المحكمة الإدارية العليا بالفصل في الطعون على قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية ونتائجها، على أن يتم الفصل فيها بحكم نهائي خلال 10 أيام من تاريخ قيد الطعن.


كيف سيردُّ المستشار دكروري على استبعاده؟


في مواجهة قرار الرئيس السيسي بتجاهل توصية الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة بترشيح دكروري منفرداً لرئاسة المجلس، واختيار المستشار أحمد أبو العزم بدلاً منه- خاطب المستشار يحيى دكروري قضاة مجلس الدولة، وشكرهم على ثقتهم واختيارهم له، قائلاً: "أردت تسجيل شكري وتقديري لكم في سجل التاريخ الذي يوثق ويرصد، راضياً عن نفسي لإرضائي ربي وضميري ووطني، آملاً من الله ألا يترك هذا الأمر فيكم إلا بمزيد من العزة والكرامة وأن تكونوا -كما تعلمنا من آبائنا الأولين- على عهدكم فيما تقضون فيه من أنزعة بما يرضي الله والضمير والوطن".



egypt

في الوقت الذي كشفت فيه مصادر مقربة من دكروري لـ"هاف بوست عربي"، عزمه على الطعن على قرار السيسي، بتخطيه من التعيين لصالح أبو العزم، أمام الدائرة المختصة بشؤون القضاة في المحكمة الإدارية العليا، ودفعه بعدم دستورية قانون الهيئات القضائية الذي يعطي لرئيس الجمهورية الحق في اختيار رؤساء المحاكم العليا، وخاصة المحكمة الإدارية العليا التي تصدر أحكاماً نهائية باتّة في مظالم المواطنين ضد قراراته.


كيف انقسم قضاة مجلس الدولة تجاه القرار؟


رغم أن دكروري ليس المتضرر الوحيد من قرار السيسي بتعيين أبو العزم؛ فهناك المستشار فايز شكري حنين النائب الثاني لرئيس مجلس الدولة، والمستشار محمد زكي موسى "الثالث" في ترتيب الأقدمية بعد دكروري وحنين- فإن دكروري وحده هو من يعتزم التصدي للقرار بطَرق الأبواب القضائية.

المستشار فايز شكري حنين، رئيس هيئة مفوضي الدولة، قال لـ"هاف بوست عربي" إنه "غير راضٍ عن قرار الرئيس تعيين المستشار أبو العزم لرئاسة مجلس الدولة وتخطيه في التعيين، ولكني لن ألجأ إلى الطعن، مبدئي يرفض الطعن على القرار".

في الوقت نفسه، اختفى مجلس إدارة نادي قضاة مجلس الدولة، الذي سبق أن هدد بمقاطعة الإشراف على الانتخابات الرئاسية وتدويل القضية وتعليق العمل بمحاكم مجلس الدولة إذا مُرر القانون، ولم يصدر أي بيان رسمي تعليقاً على القرار.

ووفقاً لما قاله عضو بمجلس إدارة النادي لـ"هاف بوست"، فإن "النادي أدى دوره في رفض القانون والتصدي لإصداره، ولكن بمجرد إصداره وتطبيق الرئيس له باختيار المستشار أبو العزم لا يجوز انتقاده، وإنما السير في الإجراءات القانونية لإلغائه فيما بعد".

ويبحث مجلس إدارة نادي قضاة مجلس الدولة في مدى إمكانية إقامة دعوى قضائية ضد القرار أو الانضمام إلى الدعوى القضائية التي يعتزم المستشار يحيى دكروري إقامتها، ولكن حتى الآن لم يتخذ مجلس الإدارة قراراً رسمياً في هذا الأمر.

وتفاوتت ردود فعل قضاة مجلس الدولة؛ فمنهم من سلَّم بالأمر الواقع وبارك تعيين أبو العزم، ومنهم من عارض القرار واعتبره بداية لإحكام سيطرة السلطة التنفيذية على القضاة وأحكامهم.






هل يكسب دكروري معركته القانونية في مواجهة السيسي؟


هكذا يلخص د.عفيفي كامل، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الإسكندرية، المشهد، لـ"هاف بوست عربي"، مضيفاً أن "وسائل الإعلام نشرت، قبل تعيين أبو العزم، شائعة عن إجماع نواب رئيس مجلس الدولة السبعة على رفض تجاوز دكروري وتعيين أي منهم لرئاسة المحكمة، وتعهدهم بالاعتذار عن قبول المنصب في حالة حدوث ذلك".

ويروي كامل أن "شيوخ قضاة مجلس الدولة تسابقوا في نفي الخبر، وأكد كل منهم ترحيبه باختيار الرئيس، وهو ما كان مؤشراً خطيراً على تدخُّل الأهواء والرغبة في تقلد المناصب وفي الأحكام التي سيصدرها هؤلاء المستشارون، ومدى اعتنائهم برضا الرئيس".

ولفت المستشار زكي موسى إلى أن استمرار وجود قانون الهيئات القضائية يعصف باستقلال السلطة القضائية، مضيفاً أن "المستشار أنس عمارة، النائب الأول لرئيس محكمة النقض، الذي استبعده الرئيس السيسي لصالح المستشار مجدي أبو العلا، الثاني في ترتيب الأقدمية بين نواب رئيس محكمة النقض السابق- لم يعلن حتى الآن موقفه من الطعن على قرار استبعاده من التعيين، والأمل الوحيد في إلغاء القانون هو الطعن الذي أعلن المستشار يحيى دكروري تقديمه خلال الأيام المقبلة ضد قرار الرئيس السيسي باستبعاده من التعيين والطعن في عدم دستورية قانون الهيئات القضائية".

أما ما سيحدث في المستقبل القريب، "فالعبرة ستكون بمدى جدية المحكمة الإدارية العليا التي ستنظر طعن دكروري، وبعدها المحكمة الدستورية العليا لحسم القضية قبل بلوغ دكروري سن المعاش في أول ديسمبر/كانون الأول من العام المقبل"، كما يضيف موسى.