رئيس وزراء الجزائر يطرد رجل أعمال نافذاً.. لماذا انقلبت الحكومة على أصحاب "البزنس" الذين أسهمت في إثرائهم؟

تم النشر: تم التحديث:
PRIME MINISTER OF ALGERIA
RYAD KRAMDI via Getty Images

تفجَّر خلاف حاد بين الوزير الأول الجزائري (رئيس الوزراء) عبد المجيد تبون، ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات رجل الأعمال النافذ علي حداد؛ بسبب الرغبة الملحة التي أبدتها الحكومة في الفصل بين السلطة والمال، أو بعبارة أدق: "منع توغل المال في دواليب الحكم".

وانتفض المحيط القريب من رجل الأعمال الشهير علي حداد، ضد توجهات الوزير الأول، واصفين ما بدر منه بأنه تهديد للعقد الاجتماعي والاقتصادي الموقَّع قبل 3 سنوات بين الحكومة وأرباب العمل والمركزية النقابية.


بداية الأزمة


وبدأت ملامح الأزمة بين الحكومة الجديدة التي يقودها وزير السكن السابق عبد المجيد تبون وأصحاب المال من القطاع الخاص، من تحت قبة البرلمان في 20 يونيو/حزيران 2017؛ حين أعلن تبون -وهو يعرض مخطط عمل حكومته- أنه "سيفرِّق بين المال والسلطة، ولْيسبح كل في فلكه"، حسب تعبيره.

وتابع قائلاً: "يروَّج هنا وهناك أننا سنصطدم برجال الأعمال وأرباب العمل، هذا غير صحيح، نحن متيقنون بأن الثروة تأتي بالمؤسسة الاقتصادية، ولكن المال الذي لا يتوغل في دواليب الدولة".





هذا التصريح تلقفته وسائل الإعلام الجزائرية، يومها، كأهم ما ورد على لسان الوزير الأول خلال أكثر من ساعة من الخطاب أمام نواب الشعب، خاصة أنه رسم توجهاً جديداً مخالفاً ما كان عليه الحال مع الحكومة السابقة.

ويؤكد الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي عبد الوهاب بوكروح، أن "كلام تبون يعتبر النقيض الكلي لما قام به الوزير الأول السابق عبد المالك سلال".

وقال بوكروح لـ"هاف بوست عربي": "في عهد سلال، تم تسمين رجال الأعمال، وعلى رأسهم علي حداد، الذي فُرش له البساط الأحمر أينما حل، وبات يعامَل كرجل دولة، مع أنه ليس أكثر من مقاول يشتغل في بناء الطرقات والأشغال العمومية!".

وتابع المتخصص بالاقتصاد: "لقد أصبح حداد من الذين يوجهون القرارات في الكواليس، وأصبحت له القدرة على رسم الاستراتيجية الاقتصادية للدولة، واتخاذ القرارات التي مكنته وبعض رجال الأعمال من الحصول على امتيازات هائلة في ميدان الاستثمار"، حسب قوله.


المواجهة رقم 1


ولم تمض سوى أيام قليلة حتى شرع رئيس الوزراء في تنفيذ كلامه؛ ففي جولة ميدانية بالعاصمة يوم 15 يوليو/تموز 2017، أمر بطرد علي حداد من حضور مراسم تدشين مدرسة عليا للضمان الاجتماعي، معتبراً أنه غير معنيّ "ومكانه الطبيعي في المؤسسة (القطاع الخاص)، وليس في الصفوف الأولى لأنشطة الحكومة".

زيارة تبون، أظهرت ترسخ القطيعة بين الحكومة ورجل الأعمال علي حداد، الذي كان يُوصف في وقت قريب بـ"الفتى المدلل"؛ بسبب "حصوله دون أدنى صعوبة، على حصص كبيرة من المشاريع العمومية بمختلف جهات الوطن"، مثلما يؤكد الصحفي عبد الوهاب بوكروح.


هجوم معاكس ولكن..


قرر رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد الردَّ؛ إذ عقد يوم 18 يوليو/تموز 2017، اجتماعاً مغلقاً برفقة الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، عبد المجيد سيدي سعيد، في فندق الأوراسي بالعاصمة، وبعض رؤساء منظمات أرباب العمل، وخرجوا ببيان تضامن مع حداد، قالوا فيه إن "تصرف الوزير الأول سلوك يصعب تقبله"، معتبرين أنه "مساس بالعقد الاجتماعي والاقتصادي الموقَّع بين الحكومة وأرباب العمل والمركزية النقابية".

نشْر البيان، ألهب وسائل التواصل الاجتماعي وشغل الساحة؛ لأنه أكد تصعيد معركة كسر العظام بين تبون وحداد.

غير أن المفاجأة غير السارة لعلي حداد، تمثلت في تصدُّع حلفه، حيث انحاز عدد من رجال الأعمال إلى جانب الوزير الأول، وقالوا إنهم لم يشاركوا في الاجتماع ولم يوقِّعوا على البيان، ومنهم من اتهم حداد بتزوير التوقيعات.


الإنذارات


وكخطوات إجرائية مكملة، وجهت الحكومة الجزائرية إنذارات لشركة رجل الأعمال علي حداد وبعض الشركات الأخرى، ومنحته مهلة 60 يوماً "لإنجاز المشاريع التي تحصل عليها كصفقات منذ 2010، وأخذ عليها تسبيقات مالية تقدر بالملايين، دون أن يشرع في الأشغال، وبقي بعضها مجمَّداً".

وذكرت صحيفة "الشروق" الجزائرية أن "عليّ حداد حصل على مليار دولار كصفقات وقروض وحده، وكذا 10 آلاف هكتار من الأراضي، وظل كل شيء جامداً أو مجمَّداً بشكل إرادي!".

هذه الإنذارات كان لها وقع سلبي على رجل الأعمال علي حداد، حيث جعلته يبدو أمام الرأي العام "كعابث بالمال العام، والذي أخذ طويلاً من الخزينة العمومية دون يقدم شيئاً للاستثمار الوطني"، مثلما يقول المختص في العلاقات العامة داود بلشم.

وقال بلشم لـ"هاف بوست عربي": "الصراع بين تبون وحداد لعب على رمزيات دقيقة، حيث إن ولاة الجمهورية ومديري البنوك كانوا يعاملون حداد بطريقة خاصة؛ لأن ظهوره المستمر إلى جانب رئيس الحكومة السابق جعلهم يعتقدون أنه مسنود بقوة من قِبل الدولة".

وأضاف: "عدم سماح الوزير الأول لحداد بالظهور معه، يحمل رسالة بأن الدولة تخلت عنه أو على الأقل لم تعد تدعمه؛ ومن ثم فلن يحصل من الآن فصاعداً على البساط الأحمر"، مشيراً إلى أن الإنذارات التي ظهرت في الصحف الوطنية كإشهار، بيَّنت للجزائريين مدى فشل حداد في إنجاز المشاريع المسندة إليه وعدم الوفاء بالتزاماته".


هل يستطيع رجال الأعمال المواجهة؟


ورداً على بيان رجال الأعمال، أصدرت مصالح الوزير الأول، الأربعاء 19 يوليو/تموز 2017، بياناً أكدت فيه "تكريس الفصل بين السلطة السياسية والمال المدرج ضمن مخطط عمل الحكومة"، وشددت على أنه "لا شيء يثني إرادة الحكومة التي ستظل ملتزمة بحزم بإنجاز الأهداف الموضوعة في مخطط عملها"، في إشارة إلى عدم رضوخ الجهاز التنفيذي لأصحاب المال.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي مراد بن آشنهو، أن أرباب العمل لا يمكنهم مواجهة الحكومة؛ "لأنهم ببساطة يعيشون على المشاريع العمومية التي يحصلون عليها كصفقات من الدولة ولا يصنعون بأنفسهم الثروة".

وقال: "ليس لدى الجزائر قطاع خاص قوي، الكل يأخذ أموالاً من الخزينة العمومية من خلال بناء مشاريع الطلب العمومي أو القروض البنكية، وهذه مشكلة حقيقية تواجه بناء الاقتصاد الوطني".


تويتر في صف من؟


النزاع بين الحكومة وعلي حداد، شغل مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر، حيث أطلق ناشطون هشتاغ "#كلنا_تبون"، الداعم لما يقوم به الوزير الأول، معتبرين أنها حرب على لوبيات المال الفاسد.







وأمام معركة فصل السلطة عن المال، يتساءل مراقبون عن خلفيات هذا المسار الجديد؛ لأن الحكومة التي تحارب اليوم توغُّل المال في دواليب السلطة هي نفسها التي قامت بإثراء رجال الأعمال أنفسهم، وما إذا كان للأمر علاقة بالتحضير لخلافة بوتفليقة سنة 2019؟!