سقوط الموصل قد يكون بداية لنسخة جديدة من داعش وليس نهاية له

تم النشر: تم التحديث:
S
s

انتهاك المدنيين في العراق سيسهّل على التنظيم المتطرف استقطاب ‏مجنّدين

أُصبتُ بأوجاع في المعدة لدى مرور المشهد القاسي على شاشة الحاسوب ببغداد في 12 يوليو/تموز.‏

كنت أشاهد فيديو لرجال يرتدون زي الجيش العراقي يرمون مُحتجَزاً من أعلى منحدر على ضفة نهرٍ، ويطلقون عليه النار. بينما ‏كان يقع بجانب جثة هامدة أخرى، فكّرت في أن هذا المشهد قد يبعث حياة جديدة في "الدولة الإسلامية" (داعش) المعلَنة من ‏طرف واحد، مهما كان الاسم الجديد لنسختها المحسّنة بعد سقوط "عاصمتها" العراقية. وفكّرت، إنّ انتهاكات ‏غير مسبوقة كهذه، في وقت تحتفل فيه شوارع بغداد بتحرير الموصل، قد تدفع رجالاً أكثر غضباً إلى الالتحاق بهؤلاء المتطرفين.

شاهدت الفيديو أول مرة، بين العديد من الفيديوهات التي تُظهر قوات عراقية ترتكب انتهاكات مثل التعذيب والإعدام، في اليوم السابق لنشره على "فيسبوك". وما شدّني إليه هو أنه يُظهر طريقة إعدام مزعجة للغاية في موقع أعرفه جيداً.

بعد 5 دقائق من نشر الفيديو، قام زميلي في "هيومان رايتس ووتش"، المتخصص بتحليل صور الأقمار الاصطناعية، بتحديد المنحدر والمبنى في غرب الموصل حيث تم تصويره. شاهد في الصور، التي التُقطت على مدى أيام قبل نشر الفيديو على الإنترنت، آليات للجيش العراقي موجودة في محيط المكان الذي أُلقيَ منه الرجل؛ ما يوحي بقوة بأن الفيديو حقيقي وجديد. الحكومة لم تعلّق على الموضوع بعد.

s

صور بالأقمار الصناعية بتاريخ 12 يوليو/تموز تُظهر المبنى وضفة نهر دجلة اللذان ظهرا في فيديو يُصوّر جنودا يُلقون معتقلا على منحدر غرب الموصل، ومركبات عسكرية قريبة منهم.
© 2017 ديجيتال غلوب

إذا كان حقيقياً، فلن يكون هذا الفيديو الأول من نوعه. انتشرت فيديوهات أخرى لـ"وحدة الاستجابة للطوارئ"، التابعة لوزارة الداخلية العراقية، قبل بضعة أشهر، وكانت من أفظع فيديوهات الانتهاكات التي نتجت عن معركة استعادة المدينة العراقية. ولكن مشاهدة هذا الفيديو في 11 يوليو/تموز، بُعَيد إعلان رئيس الوزراء الانتصار على داعش، دفعني إلى التشاؤم بشأن مستقبل العراق والهزيمة المحتملة لـداعش. كأن القوات العراقية وقوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، التي بدأت هجومها منذ بضعة أشهر، تقول في المرحلة الأخيرة من حملتها: "لِنُنهِ الأمر بأسرع وقت ممكن"، متجاهلةً احترام قوانين الحرب والالتزام بها! من المؤكّد أن مثل هذا العمل لن يمرّ مرور الكرام، ومن المرجح أن يشجّع النسخة القادمة من داعش على استقطاب المزيد من المجندين.

في الواقع، هزيمة داعش الأخيرة في الموصل لا تعني نهاية داعش، على الرغم من الاحتفالات في العراق وتقارير وسائل الإعلام المخالفة لذلك. هذا يعني فقط نهاية نسخة داعش التي تسيطر على المناطق. هذه ضربة لما يسمّى "خلافة"، لكنها أيضاً بداية لمرحلة جديدة، قد تكون على القدر نفسه من الرعب إن لم يكن أكثر.

في الأشهر القليلة الأخيرة ومع خسارته أراضي في الموصل و"عاصمته" الرقة في سوريا، تحوّل داعش بسرعة إلى مجموعة متمردة تقليدية تقوم بتفجيرات في سوريا والعراق. من الأسباب الأساسية التي ستسمح له بالاستمرار في جذب المجندين، فيديوهات مثل الذي شاهدته هذا الشهر. مثل هذا المشهد -الذي يبدو أنه يعرض جنوداً عراقيين يستخدمون هذه المعركة ليس لمواصلة انتهاك المدنيين فحسب، وإنما للانحدار إلى مستوى داعش- سيؤدي فقط إلى زيادة التوترات التي ينمو فيها داعش.

وفي حين كانت الأشهر الأولى من هجوم الموصل نظيفة نسبياً، أتى هذا الفيديو الرهيب مثالاً آخر على قسوة الحكومة. وكما ذكرت سابقاً، لقد شوهدت أدلة على انتهاكات القوات العراقية في عملية الموصل وعمليات سابقة ضد داعش في العراق. وثّقت "هيومان رايتس ووتش" عمليات إعدام بإجراءات موجزة لمقاتلين يشتبه في انتمائهم إلى داعش، والاحتجاز في ظروف لا إنسانية، وعقاب جماعي ضد أقارب مقاتلي داعش، وضمن ذلك هدم المنازل وعمليات الترحيل القسري إلى "معسكرات إعادة التأهيل" على يد الحكومة العراقية. كما وثقنا الاحتجاز التعسفي لأكثر من 1000 سُني مُهجَّر بسبب القتال حول الموصل. ولكن حتى هذا المشهد المذهل في أعقاب تحرير الموصل، هو دعوة إيقاظ مؤسفة في وقت حرج للبلاد.

الأسوأ من ذلك، أن هذا الفيديو بمثابة تذكير بالاستغلال الذي كانت تمارسه الحكومة العراقية في السنوات قبل داعش. منذ عام 2003، ارتكبت القوات العراقية وجماعات شيعية مسلحة، حكومية وغير حكومية، انتهاكات ضد السكان المدنيين مع الإفلات التام من العقاب، واستهدفت أساساً العرب السُّنة. قاموا بحملات احتجاز تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وقتل خارج نطاق القضاء وتهجير قسري. لا شك في أن هذه التجارب دفعت الشباب العرب السُّنة إلى الانضمام إلى الجماعات المتطرفة بالعراق في الماضي. أُسر من انضموا إلى داعش قالوا لي ذلك، وليس هناك سبب كي لا يستمر استخدام تصاعد انتهاكات الحكومة كأداة تجنيد، في وقت يسعى فيه داعش إلى تأكيد نفسه بعد هزيمته في الموصل.

s

عناصر من قوات الحشد الشعبي على خط المواجهة مع تنظيم "الدولة الإسلامية" في منطقة الفتحة شمال غرب بيجي، العراق، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2015.
© 2015 رويترز

جميع ممثلي العراق والتحالف الذين تكلمت معهم، يتفقون على أن المعركة ضد داعش ليست معركة عسكرية فقط، إنما سياسية أيضاً؛ لوقف العوامل التي تدفع الشباب السني إلى اللجوء للمجموعات المتطرفة. جزء من هذه المعركة، وهو ربما تحدٍّ أصعب من الجزء العسكري، هو إنهاء الإفلات من العقاب، وإثبات سلطات بغداد للشعب العراقي أنها تحقق وتحاسب قواتها وقادتها حتى لدى مقاتلة داعش.

لكن "هيومان رايتس ووتش" لم تشهد حتى الآن مثالاً واحداً على هذه المحاسبة منذ عام 2014، بما في ذلك بعد أن نشرت فيديوهات فظيعة لضباط عراقيين من وحدة الاستجابة للطوارئ الخاصة، التابعة لوزارة الداخلية، يعذبون ويعدمون منتمين إلى داعش مزعومين وأفراد أسرهم في مايو/أيار. سمعنا من مستشار رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في 14 يوليو/تموز الماضي، أن الحكومة ستعلن إجراءات ضد الضباط المعنيين، ولكن ليس الآن؛ لأنها "ستتعارض ورسائل التهنئة بالنصر الحالية".

هذا يوحي لي بأن العبادي لا يقدّر تماماً مدى ضرر استمرار هذه الانتهاكات. من المفترض أن تكون معركة الموصل آخر المعارك في العراق ضد داعش، لكنها فتحت الباب على مصراعيه للانتهاكات نفسها التي تحمّلتها بغداد بصمت لسنوات. في الوقت الحالي، ينبغي للعبادي أن يمثل، ليس فقط دائرته التي ترغب في ضربة عسكرية ضد داعش، ولكن أيضاً أكثر من مليون مدني كانوا يعيشون تحت سيطرة داعش على مدى السنوات الثلاث الماضية. عليه أن يثبت بأسرع ما يمكن أنه يعمل لمصلحتهم أيضاً، وأنه يتخذ خطوات لإنهاء الانتهاكات التي تهمّشهم، وإعادة دمجهم في العراق الذي يسعى إلى التوافق بين الجماعات المحلية ويرفض الدعوات إلى الانتقام.

وقت العبادي ينفد بسرعة. فيديوهات مثل التي نُشرت في 11 يوليو/تموز قد قلّصت كثيراً من تفاؤلي بوجهة سير الأمور في العراق، وليس فقط الموصل. أظهرت أن البلاد، حتى في أعلى مستويات الحكومة، مصممة على نثر المزيد من بذور الاستياء بدل معالجة المظالم.

إن لم تتحرك بغداد الآن، فلن نفشل في إنهاء المجموعات المتطرفة بالعراق قريباً فحسب، وإنما سنشهد استمرار دورة التهميش وبروز نسخة محسّنة من داعش تطلق العنان لنفسها في العالم.

هذه المادة نُشرت أولاً في موقع WorldPost ولقراءة النسخة الأصلية اضغط هنا