حريق "غرينفيل" بلندن يدفع السكان للمساجد والكنائس.. وهكذا تمارس دور الوسيط مع الحكومة

تم النشر: تم التحديث:
GREENVILLE TOWER
social

تضاعفت أعداد المترددين على المساجد والكنائس القريبة من برج "غرينفيل" الذي وقع فيه حريق كبير قبل نحو شهر في العاصمة البريطانية لندن، التي باتت تلعب دور الوسيط بين السلطات وضحايا الحريق، بجانب تقديم الدعم المادي والمعنوي.

واندلع الحريق في الساعات الأولى من صباح يوم 14 يونيو/حزيران 2017، في برج غرينفيل بمنطقة لاتيمير رود في لانكستر ويست غربي لندن، التي ينحدر أغلب سكانها من أصول عربية وإفريقية، حسب تقرير لموقع الجزيرة.

وأقيم البرج السكني عام 1974 في شمالي كنسينغتون غربي لندن، ويتكون من 120 شقة في 24 طابقاً، التهمت النيران 23 منها. وبحسب صحيفة "تلغراف" البريطانية فإن عدد الذين كانوا في شقق البرج لحظة اندلاع الحريق نحو 600 شخص، أغلبهم كانوا نائمين.


المسجد يساعد الجميع


يقدم مسجد ومركز التراث الثقافي المعروف باسم المنار مساعداتٍ لذوي الضحايا، والناجين، والذين تم إجلاؤهم، بغض النظر عن معتقداتهم أو خلفياتهم، رغم أنَّ غالبية الضحايا كانوا من المسلمين كما ورد بالتقارير عن الحريق، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

ويقول عبد الرحمن سيد، المدير التنفيذي للمسجد: "نحاول أن نكون جسراً، يدعم المجتمع وينخرط مع السلطات. إنَّها مسألة ثقة، ونحن نحظى بثقة كلا الطرفين".

وأضاف: "بعد الحريق كان حضور الكنائس والمساجد جليِّاً على الأرض، أسهم هذا في كسبهم قدراً من الثقة لا يتوفر في المجلس ولا في الحكومة".

وككل المراكز الدينية، غُمِرَ مسجد المنار بالأغراض المُتَبَرَّعِ بها من قِبَل العامة في الأيام القلائل التالية للحريق. ويقول عبد الرحمن سيد: "حالة الطوارئ الآن باتت أهدأ، وينصبّ تركيزنا على تقديم الدعم المادي والمعنوي".

يتمثل ذلك في إقامة المآتم، واستضافة عياداتٍ يوميةٍ بوجود مستشارين قانونيين، ومستشارين لمساعدة ذوي الضحايا، وأخصائيي علاج بالإبر، وأخصائيي تدليك، ومتخصصين آخرين، بالإضافة إلى إقامة الصلوات وتوفير مساحاتٍ هادئة للتفكُّر.

وقد تضاعفت أعداد المتوافدين على مائدة إفطار شهر رمضان في المسجد من قرابة 250 إلى 300 فرد، لتصل إلى 500 و600 فرد خلال الأيام العشرة التي تلت الحريق وحتى عيد الفطر.

من جهةٍ أخرى، قال غراهام توملين، أسقف الكنيسة الأنجليكانية بكينيسنغتون، إنَّ مسألة الثقة كانت محوريةً في استجابة المنظمات الدينية.

وتابع "في مجتمعنا المغرق في الفردية نحتاج لشيءٍ ما يربط الناس بالدولة على الأرض". وعلى أي حال، فاستعادة الثقة في شمال كينسينغتون ستستغرق وقتاً طويلاً، وستحتاج إلى "عزمٍ حذِرٍ". كانت كنيسة سانت كليمنت الأنجليكانية القريبة من برج غرينفيل جزءاً من جهود إعادة تأهيل المجتمع المحلي منذ أن فتحت أبوابها في الثالثة صباحاً فجر ليلة الحريق. كما كانت مركزاً لزيارات السياسيين، مثل رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، وعضو البرلمان البريطاني جيريمي كوربن، وعمدة لندن صادق خان. وكانت كذلك همزة الوصل بين ضحايا الحريق والسلطات. وقد استضافت الأربعاء الماضي، 19 يوليو/تموز، اجتماعاً اتسم بالفوضى والغضب بين المقيمين والمسؤولين.

غير المتدينين


وفي كنيسة نوتينغ هيل الميثودية، يقضي القس القيِّم على الكنيسة مايك لونغ 95% من وقته في العمل على قضايا تتعلق ببرج غرينفيل.

يقول: "نحن نعمل بأقصى ما نستطيع، ودفعنا ببعض القضايا إلى أسفل قائمة الأولويات. ما زالت الشعائر التعبدية تُمارس بالكنيسة، لكن كل خدماتنا باتت تتعلق بحادثة غرينفيل، وسنستمر في فعل ذلك".

ويشير إلى أنَّ العديد ممن لا يعتبرون أنفسهم متدينين قد قصدوا الكنيسة خلال الشهر المنصرم، مضيفاً: "بعض الناس يحتاجون فقط لمساحةٍ من التفكُّر، أو لمن ينطق بما يجول بخواطرهم، ونحن نمنحهم فقط وجهة نظر مختلفة. أحياناً يحتاج الناس ببساطةٍ لأخذ هدنة".

وقد اختلف الدور الذي يلعبه لونغ تماماً بسبب الحادثة وما ترتب عليها، إذ يقول: "يتوجه عملي الآن نحو الخارج أكثر، فالأمر أصبح يتعلق بإبقاء الأبواب مفتوحةً، وبأن أكون داعماً للمجتمع".

وحتى شهرٍ مضى، كان نادراً ما يُرى لونغ مرتدياً ياقة الأساقفة، لكنَّه ارتدى واحدةً حين أُوقِظَ في الرابعة والنصف صباحاً، فجر ليلة الحريق، ويقول عن ذلك: "ما زلت أرتديها يومياً منذ ذلك الحين، فدوري الآن صار عاماً أكثر، ويتوجب أن يسهُل التعرف عليّ".

كما ارتفعت أعداد رواد الكنيسة الميثودية منذ الحادث من 50 إلى 70 فرداً في أيام الأحد.


أكثر الأماكن تديناً


القس شون دوهرتي، المُحاضر في الأخلاق المسيحية، والذي يقيم على بعد 250 متراً من البرج، يقول بدوره إنَّ شماليّ كينسينغتون لطالما كان أكثر الأماكن التي عاش فيها تديناً، وأكثرها تنوعاً من الناحية الدينية.

وأضاف: "الكنائس والمؤسسات الدينية جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع، والروابط بينها وبينه كانت موجودةً بالفعل، ولم تكن بحاجة لأن تُنشأ من الصفر".

وتابع: "القيادات الدينية معتادة على التعامل مع الحزن، لكن هذه مأساةٌ أكبر، وأعظم، وأعم. هناك مآسٍ فردية بالطبع، لكنَّها كذلك مأساةٌ مجتمعية".