عبقرية الرياضيات الإيرانية تثير الجدل بعد وفاتها.. هكذا تعاملت وسائل الإعلام مع صورتها بدون حجاب

تم النشر: تم التحديث:
S
s

رغم وفاة عالمة الرياضيات الإيرانية الملقبة بالعبقرية، مريم ميرزاخاني بشكل مفاجئ، إلا أن أغلب الإيرانيين انشغلوا بصورها بحجاب أم بدونه عن الأمر الرئيس وشهرتها الطاغية في مجال علوم الرياضيات.

وقالت صحيفة "ديلي بيست" الأميركية الثلاثاء 18 يوليو/ تموز 2017 إن العالم قد صدم بخبر وفاة البطلة ذات الـ40 عاماً بعد إصابتها بسرطان الثدي، وانتشرت صور ميرزاخاني الحاصلة على الجنسية الأميركية، على الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام الإيرانية والأجنبية على حد سواء في إعلان للخبر واحتفاء بإنجازاتها التي ضمت كونها الإيرانية الوحيدة والمرأة الوحيدة كذلك التي تفوز بميدالية Fields Medal العريقة في مجال الرياضيات. وقد تربع خبر وفاة العبقرية الإيرانية على قمة الأخبار الساخنة في العالم لعدة ساعات.

لكن تغطية الخبر ومواكبته في أوساط الإعلام المحلي الإيراني شددت على تغطية رأس ميرزاخاني في صورها المتداولة، تماشياً مع القانون الإيراني الذي يفرض غطاء الرأس.

s

وبحسب الصحيفة الأميركية كانت ميرزاخاني قد لقيت المعاملة ذاتها من الإعلام الإيراني، في صيف عام 2014 حينما فازت بميدالية Fields Medal في الرياضيات، والتي تعد نظيرة جائزة نوبل في الرياضيات. فرغم إشادته بـ"إسهامها المتميز" في صرح المعرفة وتمتين فهم ديناميات وهندسيات الأسطح المنحنية، فقد آثر الإعلام الإيراني التركيز على مسألة أخرى غير إنجازات ميرزاخاني، ألا وهي ارتداؤها الحجاب من عدمه.

والآن عادت الصحف والمواقع الإيرانية لتفعلها من جديد، وهذه المرة عالج كل موقع وكل صحيفة صورة ميرزاخاني بطريقته الخاصة مع قليل من مساعدة برنامج فوتوشوب؛ إحدى الصحف مثلاً وضعت سبورة سوداء مليئة بالمعادلات والأرقام وراء رأس ميرزاخاني ثم خلقت تداخلاً بين تلك الرموز وبين شعرها ليضيع الأخير وسط زحام الأرقام فلا يُرى له أثر؛ أما منشورات أخرى فآثرت تعتيم الخلفية فلا يميزُ شعرها من الخلفية الداكنة، بحسب ديلي بيست.

وكانت صحيفتا "شرق" و"اعتماد" المحسوبتان على التيار الإصلاحي عمدتا إلى تفادي انتقادات الجهات الرسمية وغير الرسمية القيمة على صيانة الأخلاق العامة ورقابتها، فلجأتا إلى رسم صورة ميرزاخاني رسماً، فيما صحفٌ أخرى عمدت إلى قصقصة صورها فلا يظهر منها سوى الوجه، أما الصحف والمجلات المحافظة مثل "جوان" و"خراسان" فوجدت بطريقة ما صوراً قديمة لميرزاخاني وهي مرتدية الحجاب "على أصوله".


جرأة الصحف


وترى ديلي بيست أن المفارقة التي لم يكن أحد يتوقعها في إيران أن بعض الصحف تجرأت لتعرض صور ميرزاخاني بلا حجاب، ومن هذه الصحف كانت "همشهري" و"دنياي اقتصاد" التي قد تتعرض للملاحقة والمشاكل فيما بعد، أما في الوقت الراهن فتحظيان بتهليل ومباركة الآلاف على الإنترنت ممن أثنوا على هذه الجرأة وروح التحدي.

s

روح التحدي هذه طغت على الأجواء حتى صار الإيرانيون وغير الإيرانيين على حد سواء يركزون على نشر صورة واحدة لميرزاخاني أكثر من غيرها، هي تلك التي نشرها موقع جامعة ستانفورد الأميركية والتي نشرتها صحف الغارديان والنيويورك تايمز وغيرها كثير من المواقع والصحف، هي تلك التي تظهر فيها ميرزاخاني حاسرة قصيرة الشعر ترنو إلى عدسة الكاميرا مباشرة.


فارس تخرق أنظمة النشر الإيرانية


وكالة فارس الإخبارية شبه الرسمية فاجأت الكل بخرقها للأنظمة عندما نشرت على تويتر تغريدة فيها نبأ وفاة ميرزاخاني مرفقاً بصورة لها بلا حجاب، فكانت ردود القراء المغردين متباينة في سخريتها؛ أحدهم واسمه Sam كتب "آمل ألا ترد دعواتكم خائبة" فيما هتف آخر "تنشرون صورة لها بلا حجاب!" لكن البعض شكر وكالة فارس كهذا الذي كتب "لقد نشرتم صورة تتوافق مع معتقدات المرحومة مريم ميرزاخاني التي تؤمن بها"، بحسب ديلي بيست.

وتقول الصحيفة الأميركية أن موجة انتقادات شنت ضد الحجاب القسري تزامناً مع خبر وفاة ميرزاخاني، رغم أن واقع الأمر هو أن الجدل في هذا الموضوع لم ينفك يوماً يُطرح في الشبكات الاجتماعية. فكتبت مغردة اسمها Melina "إن شبح الحجاب القسري يطارد النساء الإيرانيات حتى في الممات." أما شخص آخر فصب جام غضبه على موقع "خبر أونلاين" الذي عدل صورة ميرزاخاني بالفوتوشوب واستنكر كيف تسنى لمن عدلوا الصورة فعل فعلتهم دون أن "يموتوا عاراً وخزياً"، فالموقع الإخباري آثر تغطية رأسها في صورة الإعلان عن خبر الوفاة، فتابع المعلق تعليقه قائلاً "إنني أبصق في وجوهكم."

ss

الكاتب وعالم الاجتماع محسن حسام مظاهري كتب أن أمام الإعلام الإيراني الرسمي تحدياً جدياً هو "إظهار امرأة مشهورة ومحترمة بلا حجاب"، لكنه كتب أن اللغة الرسمية الإيرانية لا تسمح بذلك "فلا يوجد مفهوم كهذا في اللغة الرسمية".

وأضاف الكاتب الإيراني للديلي بيست أن تحدي نشر صورة ميرزاخاني هو بمثابة فرصة سانحة لتحدي السلطة الرسمية، وفي هذا التحدي برز الخاسر وهو الخطاب الرسمي عن الحجاب فيما قال مظاهري إن الفائزة كانت ميرزاخاني؛ إذ كتب مظاهري "لأول مرة منذ 40 عاماً من فرض الحجاب تظهر الآن صورة امرأة إيرانية محترمة على الصفحات الأولى لصحف البلاد."

وبحسب ديلي بيست لم يكن الكل على استعداد لقبول ذلك، فالمحافظ غلام علي حداد عادل، المتحدث السابق للبرلمان والرئيس الحالي لأكاديمية الأدب واللغة الفارسية، لم يجد من داعٍ لتغيير أو طرح تساؤل على موقفهم أو خطابهم إزاء الحجاب، فضلاً عن أن حداد عادل انتهز فرصة طريقة تعامل الإعلام مع وفاة ميرزاخاني بغية الدعاية لنفسه؛ فالصورة التي نشرها هو على الإنترنت كانت قد التقطت لميرزاخاني عندما كانت تعيش في إيران أواسط التسعينيات حينما مُنِحت جائزة ذهبية في أوليمبياد الرياضيات الإيراني.

s

وتظهر ميرزاخاني في الصورة في الصف الثالث وراء كلٍ من رئيس البلاد آنذاك هاشمي رفسنجاني في الصف الأول فيما حداد عادل نفسه في الصف الثاني. غير أن حداد عادل عالج الصورة بطريقته الخاصة مستخدماً برنامج فوتوشوب فمحى صورة رفسنجاني تماماً من الصورة، لكن الردود والأصداء التي لقيها كانت بعيدة تمام البعد عن الثناء والمدح، فالمعلقون على الصورة تحدثوا عن هجرة العقول والأدمغة من إيران متسائلين: لماذا تضطر امرأة كميرزاخاني إلى مغادرة إيران لكي تحقق قدراتها؟

لكن صور ميرزاخاني التي عمت الشبكات الاجتماعية تلتها صدمة ثانية غير متوقعة، ذلك أن إحدى الصور المتداولة على الإنترنت كانت لميرزاخاني ممسكة بابنتها الصغيرة؛ لكن قوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية تملي أن هذه الطفلة الصغيرة ليست مواطنة إيرانية لأن أمها متزوجة من يان فوندراك غير إيراني الجنسية، وعلى الفور هرع بعض أعضاء البرلمان لمحاولة إصلاح الموقف، فنشرت وكالة فارس الإخبارية تقريراً به نفس صورة ميرزاخاني بلا حجاب، لكن التقرير كان عن البرلمانيين المنشغلين بجمع التواقيع لتغيير القانون بحيث يسمح بمنح الجنسية الإيرانية لابنة ميرزاخاني، بحسب ديلي بيست.

http://arabic.euronews.com/2017/07/15/maryam-mirzakhani-the-death-of-iranian-genius-is-a-victim-of-breast-cancer

وولدت ميرزاخاني في 1977 في طهران، وفازت بالميداليات الذهبية في أولمبياد الرياضيات الدولي (هونغ كونغ 1994)، حيث سجلت 41 نقطة من 42 نقطة، والأولمبياد الرياضي الدولي (كندا 1995) مع درجة الكمال 42 من 42 نقطة، لتحتل المرتبة الأولى بين 14 مشاركاً.

وحصلت على بكالوريوس العلوم في الرياضيات من جامعة شريف الإيرانية في عام 1999. ثم ذهبت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة لمواصلة تعليمها، وحصلت على درجة الدكتوراه في الرياضيات من جامعة هارفارد في عام 2004. وأصبحت أستاذة كاملة للرياضيات عندما بلغت الـ31 من عمرها، في 2008 في جامعة ستانفورد.