دولة مصنفة عالمياً بأنها الأولى في المساواة بين سكّانها.. "الشامبانيا" دفعتها لشن حرب ضد اللامساواة

تم النشر: تم التحديث:
S
s

رغم أنها صُنفت كأفضل بلد في العالم للمهاجرين والبلد رقم واحد في المساواة في العالم، فإنها قررت أن تشن حرباً ضد اللامساواة، فما الذي دفعها لذلك؟

تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية رصد التجربة السويدية في محاربة اللامساواة والتي منها "مراكز الأسرة" المتكاملة الجديدة التي تهدف إلى توفير الدعم اللازم للعائلات الأكثر احتياجاً.

وتقول مديرة المركز هيلين أنتونسون: "من المهم بالنسبة لنا أن نوجد في مناطق مُختلطة؛ لخلق قدرٍ أكبر من المساواة".

كارل مولر لايبدو، كرمزٍ ترويجي للحرب ضد اللامساواة. فهو رجلٌ طويل يقف بين 12 امرأة، تحمل كل منهن طفلاً بين ذراعيها.

يقول مولر، ذو الـ45 عاماً: "لم أعتد فعل هذا، لكنها تجربةٌ جيدة ومختلفةٌ تماماً عن أماكن العمل التي يسيطر عليها الرجال في قطاع الهندسة، والتي تعوَّدتها".

ويشارك الرجل في برنامجٍ، يعم مدينة غوتنبرغ، للمزج بين الطبقات الاجتماعية والأجناس والأعراق المختلفة، لجعل ثاني أكبر مدينة سويدية مكاناً للعيش يتمتَّع بقدرٍ أكبر من المساواة.

وقد يكون للسويد سمعة عالمية باعتبارها واحدة من أكثر المجتمعات مساواة بين الجنسين في العالم، ولكن عندما يتعلق الأمر بتمثيل المرأة في الأعمال التجارية، يتساءل الناشطون عما إذا كان لها أن تزهو بهذا الأمر، حسب تقرير لـ"بي بي سي".

وتعمل أكثر من 80 في المائة من الأمهات، وتقود السويد العالم الصناعي من حيث المساواة بين الجنسين في القطاع العام، وفقاً لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛ ولكن وفقاً لأبحاث مؤسسة ألبرايت غير الربحية فإن القطاع الخاص يكافح من أجل مواكبة ذلك المعدل.

وفي عام 2016، كان أكثر من 80٪ من المديرين بالشركات السويدية المدرجة من الرجال وليس هناك شركة جديدة أُدرجت في سوق الأسهم كان رئيسها امرأة.

وأشارت الغارديان إلى أن السويد، ومدينة غوتنبرغ تحديداً، تأخذ قضية المساواة على محمل الجد، فلطالما كانت السويد، التي تحتل المرتبة الأولى بين 152 دولة في مؤشر الالتزام بخفض اللامساواة التابع لمؤسسة أوكسفام، تُعد نموذجاً للعدل في مختلف أنحاء العالم.

وحكم تيار يسار الوسط البلاد نحو 81 عاماً خلال القرن الماضي، ساعياً إلى تحقيق شعار "بيت الشعب"، وهو تعهُّدٌ أطلقته الحكومة الاشتراكية الديمقراطية بأن تكون الدولة كالعائلة التي تهتم بشأن الجميع دون أن تترك أحداً منسياً. وأصبحت السويد واحدةً من أكثر دول العالم تمتعاً بالمساواة الاجتماعية.

لماذا يشعرون بالقلق؟
ورغم شهرتها هذه، على السويد أيضاً الاعتراف بمشكلات اللامساواة، التي عانتها خلال العقود الأخيرة.

يقول بير مولاندر، المستشار السابق لدى صندوق النقد الدولي والذي كتب عن التاريخ المعاصر لللامساواة: "في حقيقة الأمر، تتزايد اللامساواة في السويد منذ ثمانينات القرن الماضي الأكبر، بمعدلٍ هو الأكبر بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية".

ويضيف: "هناك كثيرٌ من التوافق بين الخطابات السياسية بشأن مبدأ المساواة: ستجد سياسيين قليلين للغاية قد يقولون إنهم ضد هذه السياسة؛ لأننا نتمتع هنا بتقاليدٍ قويةٍ قائمة على المساواة بين الجميع. لكن هناك فجوة كبيرة بين الخطاب والواقع".

ويوجد في السويد حالياً 178 مليارديراً، تُقدَّر ثرواتهم بعملة الكرونا السويدية (الدولار يساوي 8.3 كرونا)، بارتفاع قدره 22 فرداً منذ عام 2015، وفقاً لمسح أُجرِيَ العام الماضي، 2016.

ويمتلك هؤلاء الأشخاص مجتمعين ثروةً تُقدَّر بأكثر من ضعفي الموازنة السنوية للحكومة السويدية. كما أن عدد المليونيرات، الذين تُقدَّر ثرواتهم بالدولار، يرتفع على نحوٍ حاد أيضاً.


تباهٍ بالشامبانيا


وتنتشر بين شباب ستوكهولم الأثرياء موضةٌ تعني باللغة السويدية "الإغراق"؛ وهي عبارة عن تقليد يشمل التباهي بإفراغ زجاجات الشامبانيا، باهظة الثمن، في أحواض الصرف، بينما يعيش المهاجرون المُحرومون في مقاطعة روزنغورد بمدينة مالمو، والتي تعد بيئةً خصبة لتربية العصابات العنيفة.

وفي العام الماضي 2017، ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن السويد دخلت في "مسار هبوط" من حيث فرص الحياة المتاحة للأطفال الأكثر فقراً، والذين يُصنَّف عددٌ كبير منهم ضمن الفئات "المحرومة للغاية".

وقد يقل متوسط عمر المواطن السويدي، الذي تلقى فقط تعليماً أساسياً، بـ5 سنوات عن ابن بلده، الذي أكمل تعليمه الجامعي، وفقاً لتوقعات إدارة الصحة العامة بالسويد.


ما السبب في هذا التراجع؟


وتعود جذور هذا التحول إلى ثمانينات القرن الماضي؛ عندما بدأ الاشتراكيون الديمقراطيون يجرِّبون تطبيق سياسات السوق الحرة وتحرير سوق الائتمان من القيود والتشريعات المُنظِّمة لعمله، بحسب مولاندر. لكن وتيرة التغيير تسارعت بعد اندلاع أزمة اقتصادية حادة في أوائل تسعينات القرن الماضي.

ويقول مولاندر: "بعدها، صار هناك نوعٌ من الإحباط وفقدان السيطرة؛ إذ لم يعد هناك، ببساطةٍ، زخمٌ سياسي للدفاع عن السياسات الاشتراكية الديمقراطية التقليدية".

ومارَسَ تيار يسار الوسط في السويد ضغوطاً لتحرير وخصخصة البنية التحتية للبلاد، مثل هيئة البريد، وقطاع الكهرباء، والاتصالات، والسكة الحديدية، فضلاً عن توفير "مدارس وفقاً لمعايير السوق الحرة" عن طريق شركات خاصة، وهو نموذجٌ اقتبسه حزب المحافظين في بريطانيا، والذي كان يرأسه ديفيد كاميرون، لتنفيذ إصلاحات بقطاع التعليم في 2010.

وتولَّى تيار المحافظين في السويد الحكم في الفترة من 2006 وحتى 2014، وقد خَفَّضَ خلال هذه الفترة ضرائب الدخل والضرائب العقارية وألغى ضريبة الثروة، كما قدَّم تخفيضاتٍ ضريبيةً لأصحاب الشركات الصغيرة.

وارتفع حجم العائد على رأس المال الناتج من مبيعات العقارات والأسهم؛ بفضل ازدهار السوق العقارية والبورصة.

وباتت دخول مديري الشركات تنمو "بنحوٍ منفصل" عن بقية السكان، وفقاً لتوماس كارلين، الخبير الاقتصادي لدى "LO"، وهو أكبر اتحاد للنقابات العمالية في البلاد. ويقول كارلين: "يمكنك رؤية اتساع فجوة عدم المساواة داخل الشركات هنا".


مدينةٌ ذات قدرٍ أكبر من المساواة


رغم 3 عقودٍ من تحرير الأسواق، وخفض الضرائب، وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية، لا تزال السويد تتمتَّع بواحدةٍ من أكثر سياسات الإنفاق والضرائب التقدمية في العالم، بحسب منظمة أوكسفام، بينما يُشكِّل دعمها للمرأة في أماكن العمل نموذجاً يُحتَذَى به.

لكن أكثر ما يُميِّز السويد هو جهدها المُضاعَف لتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وفقاً للتقرير.

وقد بدأت عقارب الساعة تعود إلى الوراء في عام 2014 مع انتخاب تحالف تيار يسار الوسط، المُكوَّن من الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب الخُضر، والذي بدأ في تغيير سياسات "التخفيضات الضريبية غير المسؤولة"، حسب الغارديان.

وبمساعدة التعافي الاقتصادي، رفع التحالف حجم الإنفاق على الدعم المخصص للبطالة، والمرضى، والعائلات التي لديها أطفال، ورفع الضرائب المفروضة على الأغنياء، وحاول زيادة الضرائب المفروضة على البنوك، وشركات الملاحة الجوية، وتوزيعات الأرباح في البورصة.

وأنشأ التحالف مفوضيةً للمساواة في الصحة، معلناً "ضرورة سد الفجوة في الصحة بين السكان في غضون جيلٍ واحدٍ".


معارضة


وبينما لم تُحدِث هذه الإجراءات سوى تأثير محدود من حيث إعادة توزيع الثروة على الفئات الأكثر فقراً، فقد واجهت معارضةً سياسية ًمُحتدِمة. وتقول زعيمة حزب المحافظين آنا كينبرغ باترا: "إن الزيادات الضريبية الكبيرة تُهدِّد الوظائف والنمو الاقتصادي".

وفي مدينة غوتنبرغ، التي تعد أهم المعاقل الصناعية في السويد، وضعت المحافظة الجديدة قضية مواجهة عدم المساواة على رأس أولوياتها.

وتقول المحافظة آن صوفي هيرمانسون، البالغة من العمر 52 عاماً، والتي كانت تعمل سابقاً سائقة على شاحنة ذات رافعة شوكية (ونش) في شركة فولفو: "كسياسيةٍ في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لا يمكنك أن تطمح إلى أكثر من مجتمعٍ يتمتَّع بحقوقٍ متساوية. يتعلَّق الأمرُ بالأخلاق، لكنه مفيدٌ أيضاً للاقتصاد. إذا رفعت قدر المساواة بين السكان، فستزداد ثقتهم وسيصبح النمو الاقتصادي أفضل، إنه موقفٌ يربح فيه الجميع".


فارق في الأعمار


اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء بنحو 4 أضعاف تقريباً في مدينة غوتنبرغ خلال العقدين الماضيين، وفقاً لمسح أجرته المفوضية. كان اكتشافاً صادماً عندما تبيَّن أن متوسط أعمار الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الغنية يزيد بنحو 9 سنوات عن متوسط عمر الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الفقيرة.

عندما قارن صحفيون بين القصور الخاصة الموجودة في أحد الشوارع على الساحل بشققٍ مكتظة بالسكان، يعيش فيها مهاجرون عاطلون عن العمل في الطرف الآخر من المدينة- وجدوا أن هناك فجوة في دخل الفرد بين السكان على الجانبين تبلغ أكثر من نصف مليون كرونا (أكثر من 65 ألف دولار).

ويتعهَّد البرنامج الرئيس، الذي تتبناه المحافظة ويحمل اسم "غوتنبرغ تتمتع بحقوق متساوية"، بتنفيذ استثمارات طويلة الأمد؛ لخلق مدينة تتمتع بقدرٍ أكبر من المساواة بين السكان.

تقول آن: "كانت لدينا مشاريع لمعالجة عدم المساواة لسنواتٍ عديدة. كنا نحصل على تمويلٍ وننشئ مشروعاً في الأحياء، ثم ينتهي التمويل ويتوقف المشروع. تقوم فكرة المساواة في غوتنبرغ على التوقف عن تنفيذ المزيد من المشروعات الصغيرة: ينبغي أن نفكر في المساواة طوال الوقت عندما نرسم الخطط".

وخَفَّت حدة الناقدين للبرنامج، بينما يتساءل البعض عن الهدف من المساواة لأجل ذاتها إذا كان المعروض من الوظائف غير كافٍ. أما نقد اليمين، فيتركَّز على الكيفية التي سيُطبَّق بها البرنامج لا السبب.

يقول ديفيد ليغا، زعيم الديمقراطيين المسيحيين بالمدينة: "نشترك نحن وأحزاب اليسار في الهدف نفسه: أن تكون غوتنبرغ مدينة متماسكة. لكننا نتبع طرقاً مختلفة لتحقيق ذلك الهدف". ويضيف: "علينا أن نبذل جهداً كبيراً في تحسين البيئة للمشاريع الصغيرة، التي توفر 9 من كل 10 وظائف جديدة".


هل اليسار هو السبب؟


وأوضَحَ ليغا أن تيار يسار الوسط حكم مدينة غوتنبرغ 23 عاماً، وهي السنوات التي تصاعدت فيها -على حد قوله- اللامساواة.

يرى ليغا أنه "لا يمكن أن تكون المساواة مشروعاً هامشياً؛ بل يجب أن تكون أساس الموازنة. علينا التركيز على المدى البعيد بدلاً من الإصلاحات السريعة".

تقول هيرمانسون إنها تشعر بالارتياح؛ لاهتمام "كل الفاعلين الكبار" بالنقاش حول اللامساواة.

ورغم تشجيع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تخفيضَ الأجور والرعاية الاجتماعية، تبحث الآن تأثير اللامساواة السيئ على النمو الاقتصادي. أما صندوق النقد الدولي، الذي كان مدافعاً شرساً عن الليبرالية الجديدة، فقد وضع معالجة اللامساواة مباشرة ضمن تعليماته لمساعدة البلدان في تحسين أدائها الاقتصادي.

وستُسلَّط الأضواء الأوروبية على المدينة في نوفمبر/تشرين الثاني 2017؛ إذ سيجتمع قادة الاتحاد الأوروبي بغوتنبرغ في قمةٍ اجتماعيةٍ خاصة للتنمية والوظائف المنصفة.

ويقول الأستاذ مايكل مارموت، المسؤول عن تقرير مؤثر لمنظمة الصحة العالمية عن اللامساواة الصحية وإمكانية محوها في جيل واحد: "يبدو أداء السويد جيداً نسبياً بخصوص الصحة والتعامل مع اللامساواة، لكننا نرى -كما يرى زملاؤنا السويديون- أن بإمكانهم فعل المزيد".

وهو ما تتفق معه منظمة أوكسفام؛ بل وتضيف أنه حتى الدول التي تتصدر تصنيفها الجديد لديها مجالٌ للتحسين. فوفقاً للتقرير، تقوم أكثر من ثلثي الدول الموجودة في التصنيف بأقل من نصف ما يمكنها فعله لخفض اللامساواة.

كذلك، يرى كثيرون في السويد أنه لا يوجد شيء حتمي بخصوص الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء. تقول أولي لاندبرغ، رئيسة اللجنة السويدية للعدالة الصحية: "عادةً ما يتلخَّص الأمر في الموارد- القليل من المُدرِّسين، والمُمرِّضين، ومهن أخرى. وإذا أردت إصلاح ذلك، فستحتاج إلى المال".

وتضيف لاندبرغ: "لكن هناك تغيير في المناخ السياسي بالسويد. والآن كل الأحزاب تتحدث عن اللامساواة".