سر المومياوات الغامضة بكنيسة روح القُدُس.. هل تكشف المرض الذي قتل 500 مليون شخص؟

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

يتمتَّع السرداب الذي يقع أسفل كنيسة الروح القُدُس الدومينيكانية في قلب العاصمة الليتوانية فيلنيوس بتاريخٍ غريب.

فقد نُهِبَت التوابيت المخفية في المخبأ المعتم أسفل مذبح الكنيسة من قِبل جيش القائد الفرنسي نابليون بونابرت، من أجل الحصول على الخشب، وخلال الحرب العالمية الثانية، استخدمها النازيون كمأوى ضد القنابل الموقوتة. وخلال فترة حكمهم للبلاد، حوَّل السوفييت السرداب إلى متحفٍ للإلحاد، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وكان هناك مئات من الهياكل العظمية في السرداب تحت الكنيسة لعدة قرون. ولكن 23 منها هي التي بقيت وما زال اللحم يلف عظامهم، والملابس تغطي أجسادهم، والأعضاء ما زالت داخل جثامينهم، وفقاً لوصف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وهذه المومياوات، ومنذ أن تم انتشالها قبل خمس سنوات، قام العلماء بدراسة أسرارها، لمحاولة معرفة حياة الناس في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والأمراض التي عانوا منها.

وقال داريو بيومبينو ماسكالي، عالم الأنثروبولوجيا الإيطالي الذي درس هذه المومياوات منذ عام 2011: "تم الحفاظ عليها بشكل جيد بحيث تبدو تقريباً حية".

والآن يضع داريو بيومبينو ماسكالي، لمسةً رقيقةً أكثر على هذا السرداب، إذ يحاول كشف أسرار هذه المومياوات، لـ23 رجلاً وامرأة وطفلاً، الذين حُنِّط رفاتهم بفعل درجة الحرارة الباردة والتهوية الجيدة بالسرداب.

b


دروس مستفادة


واكتشف بيومبينو ماسكالي أن هناك دروساً يمكن تعلُّمها من الأمراض التي قتلت هؤلاء الأشخاص لصالح الطب الحديث، حسب الغارديان.

واعتُبِرَت عيِّنات الحمض النووي التي أُخِذَت من حوض وساقي طفلٍ مُحنَّط، مات في وقتٍ ما بين عامي 1643 و1665 في سنٍ تتراوح بين الثانية والرابعة، الاكتشافَ الأكبر حتى الآن، ليُقدِّم للعلماء نظرةً جديدةً عن كيفية تطوُّرِ مرض الجدري في الماضي، وكيف يمكن أن يتحوَّل في المستقبل.

يقول بيومبينو ماسكالي، وهو جالسٌ في مكتبه بجامعة فيلنيوس وخلفه حائطٌ من الجماجم، بعضها موضوعٌ في صناديق، والأخرى تطل بوجوهها البشعة على زائريه: "لم نكتشف أن هذا الطفل كان مصاباً بالجدري في بداية الأمر، لأن المرض لم يترك أي علامات".

ويقول بيومبينو ماسكالي إن قيمة الاكتشاف تتمثَّل في أن العلماء يتساءلون الآن متى ظهر الفيروس القاتل لأول مرة، وهو الذي كان سبباً في موت 500 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، إذ كان يُعتَقَد أن مرض الجدري ظهر في عصر الفراعنة وتطوَّر تدريجياً، ولكن الباحثين الوراثيين صمَّموا شجرة عائلة مُكوَّنة من 49 سلالة حديثة، والسلالة القديمة التي تصيب الأطفال، وتتبَّعوا تطوُّر هذه السلالات وصولاً إلى أسلافهم المشتركين بين عامي 1530 و1654.

ويزيد هذا الاكتشاف من التساؤلات بشأن مصدر مرض الجدري الذي ظهر فجأةً خلال القرن السادس عشر الميلادي. ربما انتقل من الحيوانات إلى البشر، وربما لا يزال يمكن العثور على سلالةٍ كامنةٍ من المرض في الحيوانات، وقد ينتقل هذا الفيروس القاتل إلى البشر مرة أخرى.

يقول بيومبينو ماسكالي: "أنت تحتاج حقاً إلى معرفة كيف تنشأ وتتطوَّر هذه الظروف مع مرور الوقت. لقد قُضِي على المرض، ولكن الحكومتين الأميركية والروسية تحتفظان بالفيروس. ربما تكون هذه المعلومات قيِّمةً في مرحلةٍ ما، ومن الجيد دائماً أن نعلم ما يمكننا فعله".


السل


ويضيف بيومبينو ماسكالي قائلاً: "لقد اكتشفنا أيضاً آثاراً لمرض السل. دُرِسَ المرض بصفة عامة من خلال العظام، ولكن بسبب أن الرئات كانت محفوظةً جيداً، كنَّا قادرين على رؤية تكلُّس الرئات وهو ما يتوافق مع علامات الإصابة بمرض السل. هناك مناظرة جارية حول تاريخ مرض السل ويمكننا إجراء دراسة جينية الآن".

وتابع قائلاً: "نعمل على تحديد كلٍّ من البكتيريا والفيروسات. هناك مجموعة من الباحثين في العاصمة الفنلندية هلسنكي تعمل على الفيروسات التي وُجِدَت في العينات. سنكتشف المزيد في سبتمبر/أيلول المقبل".

y


ماذا كانوا يأكلون؟


ولكن بالنسبة لبيومبينو ماسكالي نفسه، فإن النظر إلى عادات وممارسات هؤلاء الموتى هي أكثر ما يثير اهتمامه، إذ يقول: "ما اعتقدت أنه كان مفيداً حقاً لمعرفتنا عن الأمراض هو اكتشاف مستوى الدهون في شرايين هؤلاء الأشخاص، كان مرتفعاً للغاية. يعتقد العديد من الأشخاص أن هذا هو مرض العصر، الذي نتج بسبب السلوك غير النشيط، والطعام السيئ، والوجبات السريعة".

ويضيف قائلاً: "في الواقع نحن نعلم أن هذه الحالة كانت موجودة حتى قبل العصر الحديث، وفي حالة فيلنيوس تحديداً يرتبط الأمر بالنظام الغذائي لهؤلاء الأشخاص، الذي كان فقيراً للغاية بالنسبة للخضراوات والفواكه. كانوا يأكلون الكثير من اللحوم وكانوا يطهونها بالدهون".

ويتميَّز بيومبينو ماسكالي بحرصه في عمله، ويعي بشدة أن هذا رفات بشر، ويقول: "يبدو البعض وكأنهم كانوا ينامون فقط".


جاسوس للاتحاد السوفيتي


ويدرك بيومبينو ماسكالي جيداً كيف يمكن أن يقع الرفات الهش والنابض بالحياة في الغبار. خلال الستينيات من القرن الماضي، سجَّل يوزاس ألبيناس ماركوليس، عالم الطب الشرعي الروسي الذي كان جاسوساً للاتحاد السوفييتي، والذي تظاهر بأنه عضوٌ في المقاومة المناهضة للنازية، 500 جثةٍ في السرداب، 200 منها كانت مومياوات.

ولكن السلطات شعرت بالقلق من حدوث وباء مُحتَمَل وأمرت بوضع العديد من هذه الجثث خلف ألواح زجاجية، حيث أتلفوا كومة من العظام فيما عُرِفَ وقتئذ بغرفة الموت.


لماذا بقيت أجسادهم سليمة؟


ومن غير الواضح لماذا أنُقِذَت المومياوات الثلاث والعشرون السليمة المتبقية حالياً من ذلك المصير، لكن بيومبينو يقول إنه لن يكون مسؤولاً عن مزيدٍ من الضرر قد يلحق بما يعتبره كنوزاً ثقافية، بالإضافة إلى أن هذه المومياوات تساعد في التوصُّلِ إلى المزيدِ من الاكتشافات العلمية.

ويضيف بيومبينو ماسكالي: "لا أقوم بالتشريح ولا أريد القيام بذلك. أعتقد أن كون الشخص ميتاً لا يمحي الإنسانية. لن أود أن أستخدم السكين إذا كانت الأجساد كاملةً. في تلك الحالة أنا رفضت وقلت لا. فقط إذا كانت هناك فتحات طبيعية سنذهب إلى داخل الجسد، سواء بسبب فشل أحد أعضاء الجسد أو تلفه".

ولا يزور بيومبينو ماسكالي السرداب هذه الأيام، لأن من الصعب أن يسمح لك الكاهن بالدخول، كما أنه لديه عيناته الخاصة بالفعل، ولكنه لا يريد فقدان قصص المومياوات، إذ يقول: "يجب أن تُعرض المومياوات بطريقةٍ مناسبةٍ ولائقة، ليتمكَّن الناسُ من فهمِ المزيد عن تاريخهم. سأواصل العمل على ذلك".