"لا ثلاجات لحفظ جثثهم".. مصريون يروون قصة أبنائهم مع الموت داخل الأراضي الليبية

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIANS IN LIBYA
MAHMUD TURKIA via Getty Images

"الصحراء أكلت أحمد يا ولدي، وأبوه راح هناك وشاف جثث كتير لكن لسه ملقاش جثته".. هكذا قالت الحاجة زينب محمد، التي تخطت العقد السابع من العمر وهي تروي آخر أخبار أحد أقاربها، أحمد جمعة كامل حسين (19 سنة) من قرية الأنصار مركز القوصية أسيوط -كبرى مدن صعيد مصر- الذي فُقد في ليبيا ضمن الرحلة المنكوبة التي تم العثور على 49 جثة للمشاركين فيها داخل الأراضي الليبية الجمعة الماضية.





الحاجة زينب التي اختلط كلامها بالعديد من أشعار النواح الشهيرة بمحافظات صعيد مصر، قالت لـ"هاف بوست عربي": "إن أحمد سافر إلى ليبيا مثل معظم الشباب جريا وراء الرزق ولقمة العيش، خاصة أن الظروف صعبة بمصر، وقد أغراه بالسفر نجاح أبناء عمه في عملهم بليبيا، ولكن "قدره أن يموت بعيداً".



photo

حالة أحمد واكتشاف جثامين الـ49 مصريا المدفونين داخل الأراضي الليبية يفتح ملف المصريين بليبيا، ويطرح سؤالاً منطقياً: لماذا يتدفق الشباب إلى ليبيا، رغم حالة الصراع المسلح بداخلها، ولماذا يخوضون دروب الصحراء وما بها من مخاطر من أجل عبور تلك الحدود إلى الخارج.

تفاصيل وروايات يحكيها الأهالي تكشف أسباب تدفق شباب مصر إلى ليبيا بهذا التقرير.


70 جثة من أصل 200


في رحلة قصيرة إلى مدينة المنيا بصعيد مصر، التقت "هاف بوست عربي" بالحاج بركات في العقد الخامس من العمر، والد أحد الشباب الذين كانوا ضمن رحلة الموت الأخيرة، ورغم رفض ذكر اسمه بالكامل أو التقاط صورة له، إلا أنه تحدث عن مأساة نجله قائلاً "ابني 20 عاماً، حاصل على ليسانس الآداب تخصص التاريخ ورغم تعليمه العالي إلا أنه فضل السفر إلى ليبيا والعمل مع أولاد عمومته، ولكن أخباره انقطعت حتى سمعنا عن خبر العثور على الجثامين".

طالبت أبناء عمومته المتواجدين هناك بالتواصل مع السلطات الليبية للبحث عن جثمان ابني، أطلعتهم السلطات في مدينة طبرق (شرقي العاصمة طرابلس) على عدد من الجثامين لم يكن ابني من ضمنهم، يقول والد الشاب قبل أن يزيد، وعند مقابلتهم العميد جاد عبد المولى مدير الإدارة العامة للتفتيش بطبرق "أبلغهم أنهم عثروا على ما يقارب 70 جثة من أصل 200 شخص كانوا ضمن رحلة الموت الأخيرة"، حسب الوالد.


500 دولار شهرياً


عبده صديق، في العقد الثالث من العمر، أحد أبناء محافظ سوهاج بصعيد مصر أكمل عامه الثاني في ليبيا، يقول في اتصال لـ"هاف بوست عربي"، إن العمل في ليبيا تحت أب ظروف أفضل من البقاء بمصر، وأقل راتب يحصل عليه المصري هنا 500 دولار شهرياً، (أي ما يعادل حوالي 10 آلاف جنيه مصري)، في حين أنني كنت أعمل رجل أمن بمصر مقابل ألفي جنيه فقط، يقول صديق.

الشاب أوضح أن معظم المصريين يتم توظيفهم كعمال في مجال المقاولات، أو كباعة داخل المحلات، أو يعملون في المهن الحرفية في مجالات الكهرباء والنجارة والسباكة، ورغم وجود الكثير من الحاصلين على شهادات عليا فإن أكثر من 95% من المصريين هنا، "الذين يصل عددهم إلى حوالي مليون مصري، كما تذكر السلطات الليبية"، يعملون في الحرف كعمالة يدوية.

تابع صديق حديثه، قائلاً، زميلي الذي يقطن معي في السكن خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهي إحدى كليات القمة في مصر، جاء إلى ليبيا بعد أن ظل عاطلاً عن العمل لأكثر من 3 سنوات في مصر، الآن يعمل عاملاً على خلاطة الخرسانة (آلة خلط الإسمنت) بأجرة يومية تتخطى 90 ديناراً ليبياً، ورغم ما نعانيه هنا إلا أنه لا يفكر في العودة لمصر.


معظم ليبيا هادئة.. والخطر الأكبر من "الفراخ"


"تلقيت رصاصتين في كتفي.. وتنقلت بين ليبيا وتونس للعلاج ثم عدت إلى مصر".. هكذا بدأ شحاتة محمد من المنيا يروي قصة سفره إلى ليبيا لمدة 3 سنوات، وكيف يواجه المصريون هناك خطر "الفراخ".



photo

قال شحاتة: "كنت أعمل بمجال الكهرباء بمدينة مصراتة في ليبيا، وفي أحد الأيام أثناء عودتي للسكن بمنطقة الخروبة، وكانت معي مستحقات مالية لمهندس المشروع الذي نعمل به ففوجئت بأربعة ليبيين من صغار السن (يطلق عليهم الفراخ) يحملون أسلحة آلية، وقاموا بالاستيلاء على 30 ألف دينار ليبي كانت معي، وبعد أن عرفوا أني مصري قالوا: "خد الرصاصتين دول هدية تذكار لك، وبالفعل أطلقوا الرصاص على كتفي".

"معظم مناطق ليبيا هادئة، عدا عدد قليل من المناطق التي تشهد صراعاً مسلحاً مثل مدينتي سرت وبنغازي، إلا أن المناطق التي لا يوجد بها صراع تشهد تواجد ظاهرة "الفراخ" كما يطلق عليهم الليبيون، وهم شباب صغار السن خارجون على القانون، يتعمدون إيذاء المصريين، ولا يمر يوم دون وقوع حادث سواء قتل أو إصابة"، يقول الشاب.

وأكمل شحاتة حديثه مضيفاً: يكفي أن تعرف أنه خلال الأسبوع الماضي وصل إلى القرية جثمانا شابين تم قتلهما في ليبيا، وكذلك حضر شابان مصابان نتيجة تعرضهما لإطلاق نار من "الفراخ"، وتمثل تلك الظاهرة الخطر الأكبر على المصريين في ليبيا.


سيراً على الأقدام بين الحدود


وفي طريق بحثنا داخل محافظ المنيا عن أسباب ظاهرة رغبة المصريين للسفر إلى ليبيا، التقت "هاف بوست عربي" أحد سماسرة تهريب الشباب الراغب في السفر، الذي كشف عن تفاصيل طرق التهريب إلى ليبيا بعد التعهد بعدم ذكر اسمه داخل التقرير.

"هناك طريقتان للسفر من مصر إلى ليبيا، الأولى عبر دولة السودان، حيث يتم استخراج أوراق عمل لراغبي السفر باستخدام عدد من الشركات السودانية التي تساهم في تلك الرحلة، أشهرها شركة وادي النيل بالسودان، وتكون الشركة وسيط التهجير، وتلك الطريقة تتراوح تكلفتها ما بين 30 و40 ألف جنيه مصري، وبها يخرج الشباب رسمياً إلى السودان قبل أن يتم إدخالهم إلى ليبيا من هناك، وهي الرحلة الأقل خطراً على حياة المسافرين".

أما المسار الثاني، كما يقول سمسار الهجرة، فيكون عبر الصحراء لعبور الحدود المصرية الليبية، حيث يتم تجميع أعضاء كل رحلة، إما في محافظة الفيوم ومحافظة البحيرة قبل المغادرة عبر طرق مناطق الواحات، الوادي الجديد التي تؤدي إلى الحدود المصرية الليبية، ومن هناك يتم نقلهم إلى منطقة مساعد على النقاط الحدودية بين مصر وليبيا.

وعن الجزء الثاني من الرحلة داخل الأراضي الليبية قال "من هنا تبدأ رحلة السير على الأقدام عبر طرق وأودية يعرفها دليل الرحلة لنقل المصريين إلى الداخل الليبي، ويستمر الشباب في السير على الأقدام لمسافات تتخطى عشرات الكيلومترات، وذلك حتى الوصول إلى مدينة طبرق أقرب المدن الليبية لمصر".

ويذكر سمسار الهجرة، أن أغلب حالات الموت بين المهاجرين تكون نتيجة نقص الطعام، أو عدم وجود سيارات دفع رباعي عند الوصول إلى الطرف الآخر من الجانب الليبي، حيث يكون في انتظارهم أحد أفراد عصابة التهريب، ويكون الإقبال على تلك الرحلات أكثر لأنها أرخص في التكلفة، حيث إننا نحصل على مبالغ تتراوح بين 10 و20 ألف جنيه مصري (600 إلى 1200 دولار) من كل شاب.


وزارة الخارجية تواجه الصعوبات!


تقدم النائب علي الكيال عضو مجلس النواب عن دائرة سمالوط عن محافظة المنيا بصعيد مصر، ببيان عاجل لوزارة الخارجية المصرية، لمعرفة أسباب أوجه القصور في تعامل الوزارة لمعرفة مصير جثامين الضحايا المصريين الذين تم الإعلان عن العثور عليهم داخل صحراء ليبيا.

وذكر النائب في بيان حصلت "هاف بوست عربي" على نسخة منه، أن هناك من أبناء دائرته من هم بين هؤلاء الضحايا، ولم يستطع ذووهم الحصول على معلومات عن مصير تسلم جثامين أبنائهم، مطالباً وزارة الخارجية بالكشف عن الإجراءات التي قامت بها الوزارة للتحقق من العدد الصحيح لضحايا الهجرة غير الشرعية، الذين لقوا حتفهم في ليبيا، ومصير المفقودين.

مصادر من داخل وزارة الخارجية كشفت لـ"هاف بوست"، أن هناك الكثير من الصعوبات التي تواجه الدبلوماسية المصرية لمعرفة تفاصيل ما حدث في تلك الواقعة، من بينها أن المفقودين كانوا ضمن رحلة هجرة غير شرعية، ولا يوجد بيانات موثقة عن أسمائهم أو عددهم، وكذلك أن المنطقة التي تم العثور على عدد من الضحايا بها هي منطقة صحراوية، وتوجد بها أعصاير رملية في تلك الفترة من العام، وهو ما قد يترتب عليه اختفاء بعض الضحايا تحت الرمال.

وذكرت المصادر، أن هناك تنسيقاً كاملاً بين التمثيل الدبلوماسي المصري في ليبيا، وبين السلطات الليبية، وخصوصاً في منطقة طبرق، أقرب الأماكن إلى مكان الحادث، وبالتوازي هناك تنسيق بين الهلال الأحمر المصري، ونظيره الليبي لمتابعة كافة التفاصيل والتطورات الخاصة بمعرفة بيانات الضحايا.