هل ينتهي زمن العولمة؟.. هذا ما يقوله أشدُّ المدافعين عنها بعد 30 عاماً من ظهورها

تم النشر: تم التحديث:
GLOBALIZATION
socialmedia

بدأت تجتاح العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، واحتشد حولها العديد من الكهنة يرفعون لواء "التجارة الحرة"، حتى إذا تعثرت مع الأزمة الاقتصادية في العقد الأول من الألفية الجديدة، منحتها موجة "الحرب على الإرهاب" قبلة الحياة.. تلك العولمة التي اعترف منظروها أخيراً بتداعياتها الخطيرة حينما أقروا أنه "ليس بوسعنا السعي إلى تحقيق الديمقراطية والقرار الوطني والعولمة الاقتصادية في الوقت نفسه".

وبينما هاجم كهنة العولمة أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد داني رودريك حين أطلق صافرة إنذار مبكرة من خطر السعي للتكامل الاقتصادي في مقابل ما ستسفر عنه العولمة من تفكك اجتماعي ومن ثم عنف سياسي، هاجمه منظرو العولمة واتهموه أنه يمنح "الذخائر للبرابرة"، في إشارة إلى العمال والفقراء الذين سيعانون من تداعيات العولمة.

إلا أن هؤلاء أنفسهم من كهنة العولمة والذين فشلوا في التنبؤ بتداعياتها، الذين عادوا اليوم ليطالبوا الشعوب بـ "تقبل الخسائر الجسيمة التي تسببت بها العولمة، ويدعون لاستبدالها بما أسموه "القومية المسئولة"، والتي مثل ذروة انعكاساتها فوز دونالد ترامب برئاسة أميركا تحت شعار "على الأمركة (أي الولاء لأميركا أولاً)، لا العولمة، أن تكون عقيدتنا"، لتصبح العولمة التي دعوا لها قبل 3 عقود هي المحرك الأول لتربع ترامب وأقرانه من الشعبويين على هرم السلطة في أميركا وأوروبا.. منادين بإنهاء زمن العولمة التي هيأت المناخ لظهورهم.


من الصعود للسقوط


يمكن "للعولمة" أن تحمل العديد من المعاني والمقاصد، إلا أن المقصد محل الشك حالياً هو المشروع طويل الأمد لزيادة التجارة الحرة للبضائع عبر الحدود. حيث صوتت بريطانيا للخروج من كبرى التكتلات التجارية في العالم. وفي العام ذاته بدت العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة –أكثر دول العالم ثراء- عُرضة للخطر عقب فوز ترامب غير المتوقع، والذي تعهد بالانسحاب من بعض الاتفاقيات التجارية الكبرى. في الوقت نفسه، تحمل الانتخابات المرتقبة في ألمانيا وفرنسا احتمالية حصول الأحزاب المعادية للعولمة على نتائج أفضل من أي وقت مضى. صحيح أن الخطر لم يصل إلى الأبواب بعد، إلا أنه ليس بعيداً، بحسب تقرير مطول لصحيفة الغارديان البريطانية، الجمعة 14 يوليو/تموز 2017.

وفي ندوة بعنوان "حكم العولمة" في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، طلبت الاقتصادية دامبيسا مويو -إحدى مناصرات التجارة الحرة- من الجمهور قبول "الخسائر الجسيمة" التي تسببت بها العولمة. وأضافت "ليس من الواضح بالنسبة لي قدرتنا على معالجة هذه الخسائر في ظل البنية التحتية الحالية". ودعت كريستين لاغارد، المدير العام لصندوق النقد الدولي، إلى تطبيق سياسة غريبة على المنتدى الاقتصادي العالمي حتى اليوم، ألا وهي "المزيد من إعادة التوزيع". فبعد أعوام من الحذر، وتقليص التداعيات السيئة للتجارة الحرة، جاء وقت مواجهة الحقائق: تسببت العولمة في فقدان الوظائف وتراجع الأجور، ومقترحات دافوس المعتادة -مثل توجيه الشعوب المتضررة إلى قبول هذا الواقع الجديد- لن تجدي. إن لم يتغير هذا الوضع، فمن المرجح أن تمسي التداعيات السياسية أكثر سوءاً.

أسهمت ردود الفعل العنيفة على العولمة وتداعياتها في تأجيج التحولات السياسية غير العادية التي شهدتها الشهور الثمانية عشر الماضية. فخلال السباق على الفوز بترشح الحزب الديمقراطي، هاجم السيناتور بيرني ساندرز بلا هوادة هيلاري كلينتون بسبب دعمها للتجارة الحرة. كما دعا ترامب علانية أثناء الحملة الانتخابية إلى تغيير الشروط التجارية بما يمنح الصناعة الأميركية الأفضلية، صارخاً خلال مؤتمر الحزب الجمهوري في يوليو/تموز الماضي أنه على "الأمركة (أي الولاء لأميركا أولاً)، لا العولمة، أن تكون عقيدتنا".

كان التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو رد الفعل الأعنف، القادم من المملكة المتحدة الواقعة تحت ضغط هروب الصناعات. في دافوس، في يناير/كانون الثاني، استغلت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية وزعيمة حزب المحافظين، المناخ السائد، محذرةً من أن الحديث عن "المزيد من العولمة، يعني -بالنسبة للكثيرين- الاستعانة بشركات خارجية للقيام بوظائفهم، وتقليص الأجور". في الوقت نفسه، حذر اليمين الأوروبي المتطرف من حرية التنقل للأفراد، لا البضائع فقط. وكانت ماري لوبان قد حذرت -عقب فوزها بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لفرنسا- من أن "مكمن الخطر الرئيسي في هذه الانتخابات هو انتشار العولمة وتهديد ذلك لحضارتنا".

لم تمضِ سوى بضعة عقود على اعتبار العولمة قوة ساحقة لا مفر منها، حتى في نظر بعض النقاد، حيث كتب الصحفي الأميركي جورج باكر آنذاك أن "رفض العولمة هو مثل رفض شروق الشمس".

يمكن للعولمة أن تحدث في الخدمات، والأفكار ورأس المال، ما يجعل منها مصطلحاً سائلاً يفتقر للتحديد، لكنها في الأغلب قصدت جعل التجارة عبر الحدود أكثر رخصاً، وهو ما بدا وقتها للكثيرين نفعاً لا جدال فيه. عملياً، أسفر ذلك عن انتقال الصناعة من البلدان الغنية، حيث العمالة باهظة الثمن، إلى البلدان الفقيرة ذات العمالة الأرخص. لم يكن أمام شعوب الدول الغنية سوى قبول أجور أقل للبقاء داخل المنافسة، أو فقدان وظائفهم.

أجمع معظم خبراء الاقتصاد والسياسة على مزايا العولمة، دون الالتفات إلى عواقبها السياسية. كان بوسع خبراء الاقتصاد حينذاك تهدئة المشاعر المناهضة للعولمة، باعتبارها قادمة من مجموعة هامشية من المحتجين المتوهِمين، أو المتعثرين الذين مازالوا على صلة "بالصناعات الآفلة"، هكذا ظنوا.

الآن، وإثر تصويت العديد من الدوائر الانتخابية في دولة تلو الأخرى دعماً للسياسات المناهضة للتجارة الحرة، أو للمرشحين الذين وعدوا بتقييدها أو الحد منها، فإن هذه الثقة القديمة بالنفس لم تعد موجودة. رفض الملايين المنطق العقابي القائل بأن العولمة لا يمكن وقفها، على الرغم من النتائج غير المؤكدة لهذا الرفض. وأفضى رد الفعل العنيف إلى موجة من مراجعة النفس بين خبراء الاقتصاد، وهي الموجة التي ظهرت بدايتها مع الأزمة المالية العالمية. كيف فشلوا في التنبؤ بالتداعيات؟

رؤية مبكرة


في ذروة الإجماع على العولمة، لم يشكك في مزاياها علناً سوى قلة من خبراء الاقتصاد. لكن في عام 1997، نشر داني رودريك، الاقتصادي بجامعة هارفارد، كتاباً صغيراً أثار جدلاً واسعاً. فمع ظهوره بينما كانت الولايات المتحدة على أعتاب طفرة اقتصادية تاريخية، بدا كتاب رودريك (هل تخطت العولمة حدودها؟ Has Globalization Gone Too Far) صافرةَ إنذار غير معتادة. كانت عولمة تجارة السلع والخدمات من شأنها أن توفر لمستهلكي الدول الثرية الحصول على سلع أرخص ثمناً، أُنتجَت على يد عمالة أرخص في الدول الأفقر، ومن ثم، ستسفر زيادة الطلب على المنتجات عن مساعدة اقتصاديات تلك الدول الفقيرة على النمو. إلا أن التكلفة الاجتماعية لذلك، في نظر رودريك، كانت تكلفة باهظة لا يلتفت إليها الاقتصاديون. كان جوهر الأمر هو المنافسة بين عمال الدول المتقدمة وعمال الدول النامية، وهو ما أدى إلى تراجع الأجور وعدم ضمان الوظائف للعمال في الدول المتقدمة. وسجلت استطلاعات الرأي تصاعد مستويات القلق وعدم الشعور بالأمان لديهم، لتصبح التداعيات السياسية أكثر وضوحاً. توقع رودريك أن تتحول تكلفة "المزيد من التكامل الاقتصادي" إلى المزيد من "التفكك الاجتماعي". ولتصبح النتيجة الحتمية هي رد الفعل السياسي العنيف. وكما سيتذكر رودريك في وقتٍ لاحقٍ، مال الخبراء الاقتصاديون الآخرون إلى رفض حججه، أو الخوف منها. وحذره بول كروغمان، الذي سيفوز بجائزة نوبل في عام 2008 لعمله السابق في نظرية التجارة والجغرافيا الاقتصادية، من أن عمله سيعطي "ذخائر للبرابرة".

وعلى مدى فترة التسعينيات، بدأ تحالف دولي قوي في الاعتراض على فكرة أن العولمة كانت جيدة. وقد حاولت المنظمة، التي أطلق عليها اسم "مناهضة العولمة" من جانب وسائل الإعلام، وحركة "بديل العولمة" أو "العدالة العالمية" من جانب المشاركين فيها، حاولت توجيه الانتباه إلى الأثر المدمر الذي تخلفه سياسات التجارة الحرة، لا سيما في العالم النامي، حيث كان من المفترض أن يكون للعولمة أثرها الأكثر فائدة.
كان النشطاء يعتزمون إظهار صورة أكثر قتامة، كما أن نقدهم طال أكبر الهيئات العالمية مثل: مجموعة السبع الكِبار، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وفى عام 1999، وصلت الحركة إلى نقطة عالية، عندما تمكن ائتلاف فريد من النقابات وأنصار البيئة من إيقاف اجتماع منظمة التجارة العالمية فى سياتل.

ووسط حالة من الذعر، رد الاقتصاديون بوابلٍ من المقالات والكتب التي تدافع عن ضرورة وجود اقتصادِ سوقٍ عالميٍّ أكثرَ انفتاحاً، في نغمات تتراوح بين الاستعلاء والسخرية. وفي يناير/كانون الثاني 2000، استخدم كروغمان أول مقال له ككاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز للتنديد بـ"تسفيه" منظمة التجارة العالمية، ووصفه بأنه "من السخرية الحزينة أن القضية التي أيقظت أخيراً اليسار الأميركي من سباته العميق هو -نعم!- حرمان العمال في العالم الثالث من فرص العمل".

وحيث كان كروغمان ساخراً، كان البعض الآخر رسمياً، ووضع المعركة المعاصرة ضد اليسار "المناهِض للعولمة" في سلسلة متصلة من النضال من أجل الحرية. فكتب مارتن وولف -الكاتب في صحيفة فايننشال تايمز والاقتصادي السابق في البنك الدولي، في كتابه "لمَ تنجح العولمة" (Why Globalization Works)-: "إنّ الليبراليين والديمقراطيين الاجتماعيين والمحافظين المعتدلين على الجانب نفسه في المعارك الكبرى ضد المتعصبين الدينيين والظلاميين وأنصار البيئة المتطرفين والفاشيين والماركسيين وبطبيعة الحال ضد المعاصرين المعادين للعولمة".

واستندت الحجج ضد حركة العدالة العالمية إلى فكرة أن الفوائد النهائية لاقتصاد أكثر انفتاحاً واندماجاً قد تفوق الجوانب السلبية.

وحقيقة أن مؤيدي العولمة يشعرون الآن بأنهم مضطرون إلى إنفاق الكثير من وقتهم للدفاع عنها يدل على مدى الوضوح الذي حققته حركة العدالة العالمية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، ومع مرور الوقت، فقدت الحركة أرضاً، إذ مال توافق السياسة العامة لصالح العولمة. وقد قرر أنصار العولمة ألا يسمحوا بمقاطعة أي تجمع آخر. فتوقفوا عن الاجتماع في المدن الكبرى، وتم تشديد الأمن في كل مكان. وبحلول وقت غزو العراق، تحول اهتمام العالم من التجارة الحرة إلى جورج بوش و"الحرب على الإرهاب"، مما أدى إلى الحفاظ على الإجماع على العولمة.

في مقابلة تلفزيونية عام 2006، سُئل توماس فريدمان عما إذا كان هناك أي اتفاق خاص بالتجارة الحرة لن يدعمه. فأجاب بأنه لا وجود لذلك، قائلاً: "كتبت مقالة لدعم الكافتا، مبادرة التجارة الحرة لمنطقة البحر الكاريبي. ولم أكن أعرف حتى ما هي. وإنما عرفتُ كلمتين فحسب: تجارة حُرة".

حين تراجع كهنة العولمة


في أعقاب الأزمة المالية، بدأ الشقاق يظهر في توافق الآراء بشأن العولمة، إلى درجة أنه قد لا يكون هناك اليوم توافق في الآراء. الاقتصاديون الذين كانوا مؤيدين متحمسين للعولمة، أصبحوا من بعض منتقديها البارزين. وفي الوقت نفسه، يعترف مؤيدو العولمة بأنها، ولو بشكل جزئي، أدت إلى عدم المساواة والبطالة والضغط على الأجور. الفروق والانتقادات التي استخدمها الاقتصاديون فقط في الحلقات الدراسية الخاصة، ها هي تخرج أخيراً إلى العلن.

قبل بضعة أشهر من وقوع الأزمة المالية، كان كروغمان يعترف بالفعل بـ"شعورٍ بالذنب". في التسعينيات، كان له تأثير كبير في القول بأن التجارة العالمية مع البلدان الفقيرة لم يكن لها سوى تأثير ضئيل على أجور العمال في البلدان الغنية. وبحلول عام 2008، كان لديه شكوك حيث قال: يبدو أن البيانات تشير إلى أن التأثير كان أكبر بكثير مما كان يعتقد.

وفي السنوات التي أعقبت ذلك، اجتمعتْ أزمة منطقة اليورو والانخفاض العالمي في أسعار النفط والسلع الأخرى لإحداثِ ضجة ضخمة في التجارة العالمية. ومنذ عام 2012، أفاد صندوق النقد الدولي في تقرير آفاقه الاقتصادية العالمية لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2016، أن التجارة آخذة في النمو بنسبة 3 في المئة سنوياً، أي أقل من نصف متوسط العقود الثلاثة السابقة.

في ذلك الشهر، قال مارتن وولف في مقالةٍ له أن العولمة "فقدت ديناميكيتها"، بسبب تراجع الاقتصاد العالمي، و"استنفاد" الأسواق الجديدة واستغلالها، وتصاعد السياسات الحمائية وزيادتها في جميع أنحاء العالم. وفي مقابلة أجريت في وقت سابق من هذا العام، اقترح وولف أنه على الرغم من أنه ما زال مقتنعاً بأن العولمة لم تكن العاملَ الحاسم في تزايد عدم المساواة، إلا أنه لم يتنبأ تماماً عندما كان يكتب كتابه (Why Globalization Works) كيف أن "الآثار الجذرية" المترتبة على تفاقم عدم المساواة "قد تكون من نصيب الولايات المتحدة، ثم بقية العالم من بعدها".

وأضاف وولف "لدينا مشكلة سياسية كبيرة جداً في العديد من دولنا". "أما النخب -المسؤولة عن رسم السياسات والنخب المالية- فتزداد الكراهية الموجهة إليها على نحو متزايد. أنت بحاجة إلى صُنع سياسة تدفع الناس للتفكير مرة أخرى أن مجتمعاتهم تُدار بطريقة لائقة ومتحضرة".

يعكس المشهد السياسي المتقلب القلقَ العام بشأن "العملية التي أصبحت تسمى «العولمة». وإذا كان من الممكن رفض منتقدي العولمة من قَبل بسبب عدم تدريبهم على الاقتصاد، أو تجاهلهم لأنهم كانوا في بلدان بعيدة، أو أنّ جداراً من رجال الشرطة أبقاهم بعيدين عن الأنظار؛ فإن صعودهم السياسي المفاجئ في البلدان الغنية في الغرب لا يمكن أن يمر اليوم بهذه السهولة.

طوال العام الماضي، مُلِئَتْ صفحات الرأي من الصحف المرموقة بتعليقات متأخرة سخيفة من كبار كهنة العولمة - وهم الرجال الذين يبدو أنهم هَزَموا مكافحي العولمة قَبل عقدين من الزمن. ولعل الأكثر إثارة للدهشة هذا التحول الذي كان من لاري سومرز.
كان سومرز مشهوراً في فترة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين لكونه من المناصرين المتشددين للعولمة، فهو يمتلك مجموعة كاملة من الألقاب الفخمة؛ فهو كبير اقتصاديين سابق في البنك الدولي، ووزير الخزانة السابق، والرئيس الفخري لجامعة هارفارد، والمستشار الاقتصادي السابق للرئيس باراك أوباما.

وبالنسبة لسومرز، على ما يبدو، كان منطق السوق لا يرحم بحيث طغت إملاءاته على كل قلق اجتماعي. وفي مذكرة البنك الدولي الشائنة الصادرة في عام 1991، رأى أن أرخص طريقة للتخلص من النفايات السامة في البلدان الغنية تتمثل في التخلص منها في البلدان الفقيرة، إذْ أن بوسعهم التعامل معها بتكلفة أقل. وقال في خطابه ذلك العام في اجتماع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في بانكوك "إن قوانين الاقتصاد، التي غالباً ما تُنسى، تشبه قوانين الهندسة. وهناك مجموعة واحدة فقط من القوانين وهي تعمل في كل مكان. وأحد الأشياء التي تعلمتها في وقتي القصير في البنك الدولي هو أنه كلما بدأ أحدُهم حديثه بهذه الكلمات «لكنّ الاقتصاد يعمل بشكل مختلف هنا»، فإني أعلم أنهم على وشك أن يقولوا شيئاً غبياً".

على مدى العامين الماضيين، ظهر لاري سومرز على صفحات الصحف، بشكل شديد الاختلاف وبلهجة أكثر حذراً، كان سومرز المتواضع يحاول إثبات أن الفرص الاقتصادية في العالم النامي آخذة في التباطؤ، وأن الاقتصادات الغنية بالفعل تجد صعوبة في الخروج من الأزمة. وباستثناء بعض الحلول، يقول سومرز، إن عصر بطء النمو موجود ليبقى.

في كتابات سومرز الأخيرة، غالباً ما يقترن هذا الاستنتاج الكئيب بهدف سياسي مثير للدهشة، ألا وهو: الدعوة إلى "القومية المسؤولة". وهو يجادل الآن بأنه يجب على السياسيين أن يدركوا أن "المسؤولية الأساسية للحكومة هي تحقيق أقصى قدر من الرفاهية للمواطنين، وليس السعي إلى بعض المفاهيم المجردة للصالح العالمي".


العولمة قبل 100 عام.. هل كانت مرادف "الاحتلال"؟


يشير جميع الاقتصاديين وعلماء العولمة تقريباً إلى حقيقة أن الاقتصاد كان معولماً إلى حد ما بحلول أوائل القرن العشرين. وبينما استعمرت البلدان الأوروبية آسيا وجنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، حولت مستعمراتها إلى موردين للمواد الخام للمصنعين الأوروبيين، فضلاً عن تحويلها لأسواق للسلع الأوروبية. وفي الوقت نفسه، أصبحت اقتصادات المستعمِرين أيضاً مناطق تجارة حرة لبعضها البعض.

يقول جيفري فريدن، الأستاذ بجامعة هارفارد في تقريره عن الرأسمالية العالمية: سقوطها وقيامها في القرن الـعشرين، "لقد كانت السنوات الأولى من القرن العشرين أقرب شيء شهده العالم على الإطلاق لسوق عالمي حر بالنسبة للسلع ورأس المال والعمالة". وأضاف "ستمر مئة عام قبل أن يعود العالم إلى هذا المستوى من العولمة".

بالإضافة إلى القوة العسكرية، ما كان يدعم هذا الترتيب المريح للدول الإمبراطورية هو المعيار الذهبي. في ظل هذا النظام، كان لكل عملة وطنية قيمة ذهبية ثابتة: الجنيه البريطاني الإسترليني كان مدعوما بـ 113 حبة من الذهب الخالص؛ الدولار الأميركي 23.22 حبة، وهلم جرا. وهذا يعني أن أسعار الصرف ثابتة أيضاً: إذ كان الجنيه البريطاني يساوي دائماً 4.87 دولار. ويعني استقرار أسعار الصرف أن تكلفة ممارسة الأعمال التجارية عبر الحدود أمر يمكن توقعه. تماماً مثل منطقة اليورو اليوم، يمكنك الاعتماد على أن قيمة العملة ستبقى ثابتة على حالها، طالما أن مخزون الذهب ثابت على حاله تقريباً.

توقف النظام عن العمل عندما كان هناك نقص في الذهب، كما كان عليه الحال في السبعينيات من القرن التاسع عشر. ولحماية قدسية المعيار في ظل ظروف التوتر، شدد المصرفيون المركزيون في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة على إمكانية الحصول على الائتمان وانخفاض الأسعار. وأدى ذلك إلى ترك الممولين في وضع لائق، ولكنهم سحقوا المزارعين والفقراء في المناطق الريفية، الذين يؤدي بهم هبوط الأسعار إلى المجاعة. وكما هو عليه الحال الآن، تجاهل الاقتصاديون والسياسيون السائدون إلى حد كبير الجانب المظلم من الصورة الاقتصادية.

في الولايات المتحدة، تسبب هذا في إشعال واحدة من أولى ثورات "الشعبوية" في العالم، مما أدى إلى ترشيح وليام جينينغز برايان كمرشح للحزب الديمقراطي في عام 1896. في مؤتمر ترشُّحه، ألقى خطاباً مشهوراً يدافع عن الذهب قائلاً: "لا تضغط على جبين العمال بهذا التاج من الشوك، لا يجوز لك صلب البشرية على صليب من الذهب". وبعد ذلك أصبحت النخب المالية ومؤيدوها من الصحافة في حالة رعب. وقالت صحيفة "تايمز أوف لندن" إن "هناك اضطرابات في الطبقة السياسية".

حماية الذهب كانت تعني البطالة الجماعية والاضطرابات الاجتماعية. تخلت بريطانيا عن معيار الذهب في عام 1931، في حين أخذ فرانكلين روزفلت الولايات المتحدة نحو ذلك في عام 1933؛ وتلتها فرنسا وعدة بلدان أخرى في عام 1936.

وقد أتت عملية إعطاء الأولوية للتمويل والتجارة على رفاهية الناس، إلى نهايتها. ولكن هذا لم يكن نهاية النظام الاقتصادي العالمي.

ثم أصبح النظام التجاري الذي أعقب ذلك عالمياً أيضاً، مع ارتفاع مستويات التجارة - ولكنه حدث بشروط سمحت في كثير من الأحيان للبلدان النامية بحماية صناعاتها.

ولأنه ينظر دائماً للحماية على أنها شيء سيئ، من وجهة نظر مؤيدي التجارة الحرة، كان نجاح هذا النظام بعد الحرب معترفاً به إلى حد كبير.

على مدار الثلاثينيات والأربعينيات، بدأ الليبراليون -ومن بينهم جون ماينارد كينز- الذين كانوا يعتبرون في السابق الانحرافات عن التجارة الحرة بأنها "حماقة وإساءة" يفقدون قناعتهم. كتب كينز نفسه في عام 1933 "إن الرأسمالية الدولية المنحرفة ولكن الفردية، التي وجدنا أنفسنا بين يديها بعد الحرب، ليست ناجحة. إنها ليست ذكية، إنها ليست جميلة، إنها ليست عادلة، إنها ليست فاضلة - وهي لا توفر البضائع. وباختصار، نحن نكرهها، ولقد بدأنا في احتقارها".

وأعرب عن تعاطفه مع "الذين سيقلصون التعقيد الاقتصادي بين الدول وليس مع الذين سيزيدونه" وأضاف أن السلع "يمكن أن تكون محلية كلما كان ذلك ممكناً بشكل معقول ومناسب".


هل كانت "الغات" هي الحل؟!


وساعدت النظم الدولية التي استعانت بوجوه مثل كينز في السنوات القليلة التالية في إنتاج اتفاق بريتون وودز والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات) وتحديد الشروط التي ستجري بموجبها موجة العولمة الجديدة.

كان مفتاح جدوى النظام، في رأي رودريك، هو مرونته، وهو شيء غائب الآن عن العولمة المعاصرة، مع نموذج واحد للرأسمالية يناسب الجميع. أدى اتفاق بريتون وودز إلى استقرار في أسعار الصرف من خلال ربط الدولار بالذهب على نحو حر، وربط العملات الأخرى بالدولار.

كانت غات تتألف من القواعد التي تحكم التجارة الحرة -والتي تم التفاوض عليها من قبل الدول المشاركة في سلسلة من "الجولات" متعددة الجنسيات- والتي تركت العديد من مجالات الاقتصاد العالمي لم تمس أو تعالج مثل الزراعة.

وقال رودريك: "لم يكن هدف الغات أبداً زيادة التجارة الحرة. كان الهدف تحقيق أقصى قدر من التجارة المتوافقة مع مصالح مختلف الدول. وفي هذا الصدد، أثبتت نجاحاً مذهلاً".

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الغات لم تتبن دائماً مبادئ التجارة الحرة، إلا أنها سمحت لمعظم البلدان بتحديد أهدافها الاقتصادية الخاصة، إلى حد ما ضمن نطاق دولي.

وفي الوقت نفسه، نمت التجارة العالمية في الفترة من عام 1948 إلى عام 1990 بمعدل سنوي بلغ نحو 7 في المائة، أي أسرع من سنوات ما بعد الشيوعية، التي نعتقد أنها كانت نقطة صعود للعولمة. كتب رودريك "لو كان هناك عصر ذهبي للعولمة لكان هذا هو".

بيد أن اتفاقية الغات فشلت في تغطية العديد من بلدان العالم النامي. وقد أنشأت هذه البلدان في نهاية المطاف نظامها الخاص، وهو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).

وفي إطار هذا العنوان، اعتمدت بلدان كثيرة -خاصة في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا- سياسة لحماية الصناعات المحلية عن طريق استبدال الواردات بالسلع المنتجة محلياً. وقد عملت بشكل سيئ في بعض الأماكن -الهند والأرجنتين، على سبيل المثال، حيث كانت الحواجز التجارية مرتفعة جداً، مما أدى إلى أن تكلفة التصنيع أصبحت أكثر من قيمة السلع- ولكنها أبلت بلاء حسناً بشكل ملحوظ في بلدان أخرى، مثل شرق آسيا، وكثير من دول أمريكا اللاتينية وأجزاء من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث نهضت الصناعات المحلية.

وعلى الرغم من أن العديد من الاقتصاديين والمعلقين في وقت لاحق سوف يرفضون منجزات هذا النموذج، فإنه من الناحية النظرية يناسب وجهة نظر لاري سمرز حول العولمة: "إن المسؤولية الأساسية للحكومة هي تحقيق أقصى قدر من الرفاهية للمواطنين، وليس اتباع مفهوم مجرد للصالح العالمي".

وقد سمت اتفاقية "الغات" نفسها "منظمة التجارة العالمية"، والقواعد الجديدة التي بدأ التفاوض بشأنها تغلغلت بشكل أعمق في السياسات الداخلية للدول. وقد قوضت قواعد التجارة الدولية في بعض الأحيان التشريعات الوطنية.

وقد تمت تجربة أنقى نسخة من العولمة المفرطة في أميركا اللاتينية في الثمانينيات. النموذج المعروف باسم "اتفاق واشنطن"، عادة ما ينطوي على قروض من صندوق النقد الدولي تجبر عليها تلك البلدان مع تخفيض الحواجز التجارية وخصخصة العديد من صناعاتها الوطنية.

لكن اتفاق واشنطن كان سيئاً بالنسبة للأعمال التجارية: فمعظم البلدان صارت حالتها الاقتصادية أسوأ من ذي قبل. تعثر النمو، وثار المواطنون في أميركا اللاتينية ضد محاولة خصخصة المياه والغاز. وفي الأرجنتين، التي تبنت اتفاق واشنطن بحذافيره، نشبت أزمة خطيرة عام 2002، مما أدى إلى انهيار اقتصادي واحتجاجات واسعة النطاق في الشوارع أجبرت الحكومة على القيام بإصلاحات. وقد تنبأت ثورة الأرجنتين بموجة يسارية-شعبوية فى جميع أنحاء القارة: فى الفترة من عام 1999 إلى عام 2007، تولى الزعماء اليساريون والأحزاب اليسارية السلطة فى البرازيل وفنزويلا وبوليفيا والاكوادور وكلهم كانوا يناضلون ضد اتفاق واشنطن حول العولمة. هذه الثورات كانت بمثابة "بروفة" لرد الفعل العنيف الذي نشهده اليوم.

وفي كتابه (إشكالية العولمة) الصادر عام 2011، خَلُص رودريك إلى "أنه ليس بوسعنا السعي إلى تحقيق الديمقراطية والقرار الوطني والعولمة الاقتصادية في الوقت نفسه". وهو ما تثبته نتائج الانتخابات والاستفتاءات التي جرت خلال 2016، إذ اختار الملايين التصويت ضد الحملات والمؤسسات التي وعدت بالمزيد من العولمة. وهو ما لم يره رودريك مفاجئاً "لم أُفاجأ برد الفعل العنيف مطلقاً. في الواقع، لا يجب أن تكون هذه مفاجأة لأي شخص".


مستقبل العولمة


وليس وحده الخطاب الذي تغير: وإنما العولمة نفسُها قد تغيرت، بل إنها تطورت إلى نظام أكثر فوضى وأقل مساواة عما توقعه العديد من الاقتصاديين. وقد تركزت فوائد العولمة إلى حد كبير في حفنة من البلدان الآسيوية. وحتى في تلك البلدان، فإن الأوقات الطيبة قد يكون مصيرها إلى زوال.

وتشير الإحصاءات المأخوذة من كتاب "عدم المساواة في العالم / Global Inequality"، وهو كتاب صدر عام 2016 لبرانكو ميلانوفيتش المتخصص في اقتصاد التنمية، إلى أن الفوائد الكبرى للعولمة قد تراكمت، من الناحية النسبية، في تزايد "الطبقة المتوسطة الناشئة"، السائدة في الصين. لكنّ الأمرَ لا يخلو من السلبيات أيضاً: فمن حيث القيمة المطلقة، ذهبت أكبر المكاسب إلى ما يسمى عادة بـ"نسبة 1٪"- ونصف هؤلاء يتمركزون في الولايات المتحدة. وقد أظهر الاقتصادي ريتشارد بالدوين في كتابه الأخير "التقارب الكبير / The Great Convergence" أن جميع المكاسب الناتجة من العولمة تقريباً قد تركزت في ستة بلدان.

وباستثناء بعض الكوارث السياسية، التي استمر فيها تفوق الشعبوية اليمينية، والتي ستكون فيها العولمةُ أقلَّ مشاكلنا -اعترف وولف بأنه "ليس متأكداً على الإطلاق" من أنه يمكن استبعاد هذه الكوارث- فالعولمة كانت ستتباطأ دائماً؛ وفي الواقع، تباطأت بالفعل.

في حين يرى رودريك أيضاً أن العولمة، سواء أكانت متقلصة أم متزايدة، من غير المرجح أن تنتج نوعاً من الآثار الاقتصادية التي كانت تنتجها من قبل. وبالنسبة له، فإن هذا التباطؤ له علاقة بما يسميه بـ"تقليص النشاط الصناعي السابق لأوانه". في الماضي، اقترح أبسطُ نموذجٍ للعولمة أن تصبح البلدان الغنية تدريجياً "اقتصادات خدمية"، في حين تتولى الاقتصادات الناشئة مسؤولية العبء الصناعي. ومع ذلك، تُظهر الإحصاءات الأخيرة أن العالم ككل يسير في اتجاه تقليص النشاط الصناعي. فالبلدان التي كان يتوقع أن يكون لديها إمكانات صناعية أكبر تمر بمراحل الأتمتة (الاعتماد على التكنولوجيا كبديل للبشر) بسرعة أكبر مما كانت عليه البلدان المتقدمة من قبل، وبالتالي فشلت في تطوير القوى العاملة الصناعية التي تعتبر مفتاحاً للازدهار المشترك.

بالنسبة لكل من رودريك ووولف، كان رد الفعل السياسي تجاه العولمة ينطوي على احتمالات عدم اليقين العميق. فقد عبّر وولف قائلاً "لقد وجدت حقاً أنه من الصعب جداً أن نقرر أهذا الذي نعيشه ومضةٌ، أم أنه تحول جوهري وعميق في العالم، على الأقل بنفس القدر الذي حققه ذلك في الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية". وأشار إلى اتفاقه مع خبراء اقتصاديين مثل سومرز على أن التحول عن التركيز السابق على العولمة أصبح الآن أولوية سياسية؛ وأن السعي إلى تحقيق مزيد من التحرير كان مثل عرض "خرقة حمراء أمام عينَي ثور" من حيث ما يمكن أن يفعله على الاستقرار السياسي المتعرِّض للخطر بالفعل في العالم الغربي.

رأى رودريك أن التعليق الاقتصادي فشل في تسجيل خطورة الوضع: إذ إنّ هناك قلةً قليلة من السبل للنمو العالمي، وأن الكثير من الأضرار التي لحقت بالعولمة -الاقتصادية والسياسية- لا رجعة فيها. وفي ذلك يعبّر بلسانه فيقول "هناك شعور بأننا نقف عند نقطة تحول. وهناك الكثير من التفكير حول ما يمكن القيام به. وهناك تأكيد متجدد على التعويض، وهو ما أعتقد أنه جاء في وقتٍ متأخر".