حالات انتحار شبه دورية بمهد الربيع العربي.. هل لا زالت طريقة البوعزيزي في الاحتجاج تزعج السلطات بتونس؟

تم النشر: تم التحديث:
BOUAZIZI
Anadolu Agency via Getty Images

في قسم الإنعاش بمستشفى الإصابات والحروق البالغة بتونس العاصمة، تخيم حالة من الحزن والاستياء على العاملين بها، لم يُخفوها خلال حديثهم مع "هاف بوست عربي".

السبب، هو وفاة أربعيني من مدينة القيروان، الأربعاء 12 يوليو/تموز 2017، بعد أن قرر إنهاء حياته على طريقة البوعزيزي حرقاً؛ إثر مشاكل خاصة. وليست هذه الحالة الأولى التي تعترض من يشتغلون في المستشفى، كما يقولون.

حين سكَب عادل الدريدي البنزين على رأسه، وأضرم النيران بجسده في مايو/أيار 2017، كان أول من جال في خاطره أمه، دليلة، التي وُشِم اسمها على ذراعه بخشونة. ولكن كان هناك شخصٌ آخر في ذهن الدريدي، ألا وهو محمد البوعزيزي، البائع التونسي المتجول الذي أضرم النيران في جسده عام 2010 وتسبَّب في اندلاع شرارة انتفاضات الربيع العربي.

وكان الدريدي، البالغ من العمر 31 عاماً، والذي يعمل بائع فاكهة أيضاً، قد انفجر غضباً بعدما ألقت الشرطة الفواكه التي يبيعها، مثل المشمش، والموز، والفراولة، على الأرض أمام مبنى البلدية هنا في مسقط رأسه، تماماً كما حدث مع البوعزيزي قبل أعوام.

حاول الشاب حرق نفسه وسط الناس من قبلُ في عام 2012، لكنهم منعوه.

من أغرب سخريات القدر في تونس، مهد الربيع العربي والدولة التي كانت تُعلَّق عليها أفضل الآمال في تحقيق تطلعاتها للديمقراطية والازدهار، أنَّ تصرُّف البوعزيزي الاستثنائي صار مألوفاً، سواءً كان دافعه غضبٌ، أو إحباط، أو خيبة أملٍ مريرة، أو كان هدفه تحدي السلطات علانيةً.

بعض العاملين في المستشفى الذي شهد منذ 7 سنوات وفاة مفجِّر الثورة التونسية، محمد البوعزيزي، بعد أن أضرم النار في جسده احتجاجاً على مصادرة السلطات عربة خضراواته- اعتبروا أنه أحد أسباب المشاكل التي تعيشها تونس، بعد أن كرس ثقافة الانتحار حرقاً.

صحيحٌ أنَّ تونس قد تقدمَّت أكثر من أي دولةٍ أخرى في المنطقة نحو الحرية والحُكم الديمقراطي، لكنها عجزت عجزاً كبيراً عن توفير الأمل، وإتاحة فرصة عيش حياة أفضل؛ إذ هَجَرَ آلاف الشباب البلاد للعمل في الخارج، أو للانضمام إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

وليس هناك تعبيرٌ شنيعٌ عن هذا الإحباط من فشل الثورة أكثر من موجة محاولات الشباب حرق أنفسهم في تونس.


أماكن الانتحار


حالات انتحار شبه دورية تصل لهذا المستشفى بالعاصمة، حيث أكد رئيس قسم إنعاش مصابي الحروق الدكتور أمان الله المسعدي ومؤسسه منذ يوليو/تموز 2008، لـ"هاف بوست عربي"، أن معدل حالات الانتحار حرقاً التي تصل للقسم زاد، بعد ما سماه "أحداث 14 يناير/كانون الثاني"، شهدت سنة 2016، 104 حالات انتحار حرقاً من جملة حوادث الحروق التي تصل للقسم.

وأوضح أن نتائج دراسة قام بها القسم تحت إشرافه، أكدت ارتفاع عدد حالات الانتحار حرقاً خلال الفترة الممتدة بين 1980 و2017.

ومثَّلت حوادث الانتحار حرقاً، عن طريق سكب البنزين على الجسد قبل الثورة، نسبةً لا تتجاوز 10% مقارنةً بباقي حوادث الحرق، سواء عن طريق الحوادث المنزلية أو حوادث الشغل، لكنها الآن تجاوزت نسبة 30% من جملة الحوادث، وهو ما وصفه بـ"العدد غير الطبيعي".

أماكن انتحار الضحايا وجنسهم، شهدت -كما يقول المسعدي- تغيراً ملحوظاً خلال هذه السنوات؛ حيث يهيمن الذكور على مثل هذه الحوادث مقارنةً بتراجع انتحار الإناث حرقاً، فيما أصبح الضحية يختار بعناية مسرح عملية انتحاره، ويتم أغلبها في فضاءات مفتوحة، وبعضها له دلالات رمزية ويمثل سيادة الدولة؛ على غرار البلديات والمعتمديات ومراكز الأمن، بعد أن كانت سابقاً تلك العمليات تتم في فضاءات شخصية بعيدة عن أعين الناس وفي سرية تامة.

نسبة موت حالات الانتحار حرقاً تصل إلى 50%، كما يقول المسعدي، لكن رغم ذلك لا يزال نزيف هذه الظاهرة متواصلاً رغم تعبير بعضِ من نجا منهم عن ندمه الشديد لقيامه بتلك الفعلة وتعقيد حياتهم صحياً واجتماعياً وعائلياً.


طريقة البوعزيزي


وقال الطبيب مهدي بن خليل، لصحيفة The New York Times الأميركية، وهو أخصائي الطب الشرعي الذي أجرى الدراسة التي توضِّح كيفية ازدياد معدل محاولات الانتحار: "يُعتَبَر هذا النوع من الانتحار موقفاً معارضاً تجاه مجتمعِ ما بعد الثورة، والذي طرأت عليه تغيُّرات عميقة، أكثر من كونه أي شيء آخر".

وبينما كانت معظم حالات الانتحار قبل الثورة لأسبابٍ تتعلَّق بالصحة النفسية، صار السبب الرئيس لمعظمها المصاعب الاقتصادية، والرغبة في تحدِّي السلطات؛ إذ غالباً ما تُنفَّذ هذه الحالات أمام مبانٍ حكومية.

المختص في علم الاجتماع ورئيس المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الستار السحباني (مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى برصد الواقعين الاجتماعي والاقتصادي في تونس بعد الثورة)- أكد أن حالات الانتحار والتهديد بالانتحار ارتفعت في تونس بعد الثورة خلال 2016-2017 كما لم تستثنِ هذه الظاهرة أي نوع من الشرائح العمرية في تونس شباباً ونساءً وأطفالاً وحتى مسنين.

السحباني اعتبر في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أن أغلب حالات الانتحار التي سُجلت سنة 2016 تتراوح بين الانتحار شنقاً والانتحار حرقاً بسكب البنزين، مشدداً على أن الانتحار على "طريقة البوعزيزي" يُعد له دلالة رمزية ويصنَّف كنوع من أنواع الاحتجاج، حيث يتم أغلبه في فضاءات عامة مثلاً "أمام المحافظات أو المعتمديات أو البلديات"، ودوافعه في الغالب تتعلق بالفقر والبطالة على خلاف الانتحار شنقاً والذي يتم في فضاءات مغلقة بعيداً عن أعين الناس، حسب رأيه.

رئيس المرصد الاجتماعي رأى أن سياسة الدولة، التي أصبحت عاجزة عن تلبية مطالب المواطنين الغاضبين والمطالبين بالحق في التشغيل والتنمية، أسهمت فعلياً في ارتفاع حالات الانتحار والمرور من التهديد مرة واثنين وثلاثة إلى القيام فعلياً بالعملية.


شد انتباه السلطات


وشدد على أن الانتحار حرقاً أو عبر تسلُّق العمود الكهربائي، أصبح وسيلة هؤلاء؛ حتى تلتفت السلطات إلى مطالبهم ووضعيات عائلاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

الفرق، حسب السحباني، أن انتحار البوعزيزي كانت له انعكاسات على الدولة وأطاح بحكومة بن علي، بينما باقي عمليات الانتحار حرقاً بعد الثورة لم يعد لها أي تأثير يُذكر باستثناء إحداث تغيير على نطاق عائلي ضيق.

انتقد المتحدث ما سماه "غياب الدولة" عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لهذه الفئات، مؤكداً أن السلطات حاولت مراراً التشكيك في المعطيات والأرقام التي يقدمها المرصد حول ارتفاع حالات الانتحار في تونس وأيضاً تصاعد نسق الاحتجاجات الاجتماعية، وهو ما اعتبره القائمون على المنتدى الاقتصادي والاجتماعي شكلاً من أشكال الهروب والتنصل من المسؤولية، عوض طرح حلول ناجعة لوقف نزيف الانتحار والاحتجاجات الاجتماعية والاحتقان الشعبي.

وكان تقرير المرصد الاجتماعي التونسي حول الانتحار أظهر ارتفاع معدل حالات الانتحار خلال الأشهر الأولى من سنة 2017 مقارنة بسنة 2016، حيث بلغ معدل حالات الانتحار في شهر يناير 2017، 79 حالة انتحار ومحاولة انتحار مقارنة بـ56 حالة من الشهر نفسه في سنة 2016.

في بعض الأحيان، يُهدِّد المرء بالانتحار لإرغام السلطات على تلبية مطالبه، وهذا ما فعله عماد الغانمي، البالغ من العمر 43 عاماً، والذي كان مُدرِّساً عاطلاً عن العمل، حين صادرت الشرطة بضائع مُهرَّبة كان يبيعها في الشارع لإعالة أسرته.

وقال أحمد الغانمي، شقيق عماد، للصحيفة الأميركية: "اعتاد عماد سكب البنزين على نفسه كوسيلة لابتزاز الشرطة؛ كي يُعيدوا بضائعه إليه، وقد فعل ذلك بالفعل كملاذٍ أخيرٍ مرتين أو 3 مرات من قبلُ، وأخبرني بأنَّ تلك الطريقة كانت تُجدي نفعاً".

آخر مرة حاول فيها الغانمي فعل ذلك داخل قسم شرطة، أشعل النار في نفسه ومات. ولا تزال عائلته تستقصى ما إذا كان انتحاراً أو حادثاً، ولماذا لم تساعده الشرطة.

أما رمزي المسعودي، من مدينة صغيرة بالقيروان تدعى بوحجلة، فقد أحرق نفسه في 15 فبراير/شباط الماضي بساحة مدرسته الثانوية بينما كان الطلاب في فصولهم. وتُوفِي بعد 3 أيام متأثراً بحروقه.

يقول أبوه وأصدقاؤه إن السبب خلافات كانت بينه وبين مدرس اللغة الإنكليزية الذي طرده من الفصل مراراً.

أما صديق طفولته، وسام الحديدي (19 عاماً)، فقال: "لم يعد يحتمل الأمر". وأكمل: "كان في وعيه عندما وصل للمستشفى وكان مبتسماً، وظل يردد كلمة (ظلم)".

وبعدها بأسبوع، حاول تلميذٌ آخر، (13 عاماً فقط)، حرق نفسه في المدينة أيضاً، لكنه نجا بعد تدخُّل صديقه وإطفائه النار بسترته.


الانتحار بالتقليد


واستنتجت دراسةٌ أخرى، حسب The New York Times، أجراها مهدي بن خليل أن البلاد تعاني تأثير الانتحار بالتقليد، على أثر ما قام به بوعزيزي من عملٍ ثوري. ودَعَت الدراسة لاتخاذ تدابير احترازية عاجلة في التغطية الإخبارية للانتحارات، وكذلك تمكين الشباب.

وجديرٌ بالذكر أن معدلات الانتحار والاكتئاب قد ازدادت بصورة عامة وسط المراهقين منذ الثورة، وذلك على حد قول فاطمة شرفي، التي تترأس لجنةً شكَّلتها وزارة الصحة لمقاومة الانتحار.

تقول فاطمة للصحيفة: "في أثناء الديكتاتورية، كانت الدولة مُهيمنة، كنَّا تحت حكمٍ بوليسي، وكانت احتمالية وقوع مثل هذه الحالات ضئيلة"، وأضافت: "كانت هناك حالات انتحار حرقاً أو شنقاً، لكنها كانت تجري بصورةٍ خفيةٍ في المنزل، وليس بالمجال العام كما يحدث اليوم، والشباب مُعرَّضون بشكلٍ كبيرٍ لهذه الظاهرة".