سر الغموض الروسي بأزمة الخليج.. لماذا استقبلت موسكو مسؤولين قطريين بينما لم تفعل مع السعوديين؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يبدو الموقف الروسي تجاه الأزمة القطرية غامضا، وبينما تبدي بعض الحياد فإنه كان لافتا أن موسكو استقبلت مسؤولين قطريين بينما في سياق الأزمة فإنها لم تفعل مع السعوديين.

يقول يوري بارمين، الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي، أن الموقف الروسي من حصار الرياض والمنامة وأبو ظبي والقاهرة لدولة قطر ، يقوم على "النفعية"، ويتعارض مع توجهات ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان، بحسب مقاله المنشور بموقع ميدل إيست آي البريطاني.

وعقب اندلاع الأزمة في الأيام الأولى لشهر يونيو/حزيران 2017 كان رد الفعل الروسي ميالا للحياد ومؤكدا أن مواقف الدول الأربع لن تؤثر على علاقتها بقطر ، إذ قال دميتري بيسكوف، الناطق الصحفي باسم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أول تعليق للكرملين على الأزمة الخليجية القطرية، إن موسكو "لا تتدخل في شؤون دول أخرى، ولا في شؤون دول الخليج، لأنها تقدر علاقاتها مع الدول الخليجية مجتمعة ومع كل دولة على حدة."

كما قال رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد للبرلمان الروسي، فيكتور أوزيروف، ن موسكو "تدرس بعناية المعلومات التي تتحدث عن دعم الدوحة المزعوم للإرهاب." مضيفا أن العلاقات مع الدوحة "لن تشهد أي تغيرات.، مؤكدا أن موسكو لديها استقلالية في تطوير سياساتها تجاه العلاقات الدبلوماسية مع قطر".

وكان وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قد أعلن في بداية الأزمة أن روسيا وإيران عرضتا تقديم مساعدات غذائية إلى بلاده، مشيرا إلى أن الدوحة لا تحتاج حتى الآن إلى ذلك.

واعتبر يوري أن موسكو ترى في محمد بن سلمان شريكاً مناسباً "اقتصادياً" لموسكو، ولكن نهجه "المغامر والمفتقر للخبرة" يشكل "تهديداً" لمصالحها في المنطقة، ما يدفعها لأن تُبقي موقفها من الأزمة الخليجية الراهنة "غامضاً" إلى حين.

واتسمت العلاقات الروسية بالممالك الخليجية، خاصة السعودية وقطر، بالاضطراب منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. إذ اتهمتهم موسكو بوضوح برعاية المتمردين في شمال القوقاز، وكافحت للسيطرة على الروابط التي جمعت بين الجمهوريات الإسلامية ودول الخليج.

لاحقاً، جازف الكرملين بإقصاء الممالك السنية، بقتاله بجوار حكومة الأسد وضد قوات المعارضة المدعومة من الخليج.

غير أن الكرملين بدأ مؤخراً في اتخاذ نهج استراتيجي يُقسِّم علاقاته مع الخليج، محولاً تركيزه من القضايا السياسية الحساسة إلى التجارة والاستثمار، أملاً في تعويض الخسائر المادية التي مُني بها في أوروبا، حسب يوري بارمين.

وشعرت موسكو بالقلق إزاء التصريح الذي أدلى به عمر غباش، سفير الإمارات العربية المتحدة إلى روسيا، في نهاية يونيو/حزيران 2017، حول احتمالية "فرض شروط" على الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون الخليجي للاختيار بين مساندة قطر أو بقية دول الكتلة.


العلاقات القطرية الروسية


ويرى المعلق في موقع "بلومبيرغ" الإخباري ليونيد بيشردسكين في مقالً تحليلي أورده موقع "عربي 21 " أنه "مع أن قطر كانت لديها علاقة عدوانية مع روسيا؛ بسبب سوريا، وللدعم الذي تقدمه لرئيس النظام السوري بشار الأسد، إلا أن العلاقة الآن دافئة أكثر من وقت مضى؛ لأن البلدين يعدان متنافسين في سوق الغاز".

وذكر بيشردسكين أن "روسيا عانت في العام الماضي من سد العجز في الميزانية، فقدمت لها قطر 2.8 مليار دولار من الصندوق السيادي القطري؛ من أجل شراء حصة 19.5% في الشركة التي تملكها الدولة (روسنفت)، وانضمت قطر لمجموعة من الشركات، مثل (غلينغور)، التي ساهمت بـ300 يورو، وبنك (إنتستا باولا)، الذي قدم قرضا بقيمة 10.2 مليار يورو، وهذا يعني أن قطر حصلت على حصة كبيرة من (روسنفت)، في وقت كان فيه بوتين بحاجة للمال، وللاعتراف بأن نظامه لا يعاني من عزلة دولية".

وحسب الكاتب فإن "وزارة الخارجية الروسية عرضت المساعدة منذ بداية الأزمة، واتصل بوتين بالأمير، وعرض عليه الوساطة، على خلاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كتب تغريدات على (تويتر)، يدعم فيها التحرك السعودي ضد قطر.


هادئ وحذر


ويلفت الكاتب إلى عامل مهم يؤثر على مواقف موسكو من الأزمة كاشفا أنه في الوقت الحالي، ما من يقين داخل الكرملين بدعم شيوخ المملكة للتغيير الملكي الذي قام به الملك سلمان.
وحسب الكاتب "ولا تزال احتمالية إبعاد محمد بن سلمان بعد وفاة الملك سلمان مرتفعة، خاصة إذا حدث هذا الانتقال قريباً، وسيكون على الوريث الجديد الدفاع عن حقه في العرش، بينما يتعامل مع النخب السعودية سريعاً عقب وفاة والده.

يقول "ربما يمكن لغياب الثقة في نتيجة تغيير توريث السلطة في السعودية تفسير هدوء المسؤولين الروس فيما يخص هذه المسألة، وعدم إصدار بيانات رسمية لتهنئة محمد بن سلمان بمنصبه الجديد".

كما أن غياب رد الفعل الروسي تجاه ترقية محمد بن سلمان قد تعكس عدم اقتناعها بأن منصبه القيادي قد تم تأمينه.

ويشير الكاتب إلى أنه على مدار العامين الماضيين، كان محمد بن سلمان هو الشخص الوحيد من "ثالوث الحكم" في المملكة الذي تفاوضت معه روسيا، على أعلى المستويات، حيث تمتع الكرملين بعلاقة نفعية مع ولي العهد الجديد، إلى أن تولى ملف علاقات المملكة مع موسكو بشكل غير رسمي عام 2015.

وعلى الرغم من الخلافات الشديدة فيما يخص سوريا، نجح الطرفان في تهميش الاشتباكات السياسية، والتركيز على التعاون البنَّاء في مجالي الطاقة والتمويل.

وشهد وجود بن سلمان توصُّل موسكو والرياض إلى صفقة نفطية، أسهمت في استقرار سوق النفط العالمي، إثر زيادة الإنتاج التي أثرت سلباً على اقتصاديهما.

وقد أسهمت رحلاته الدورية إلى موسكو في بناء شعور لدى المراقبين بأن الرياض على استعداد لرفع مستوى تعاملها مع روسيا، من خلال عرض صفقات استثمارية مربحة، وإثارة الكرملين بعقود محتملة لشراء الأسلحة.
وقام ولي العهد المُعين حديثاً بدور البديل لوالده في الاجتماعات بفلاديمير بوتين، الذي نادراً ما يقابل مسؤولين أقل من رأس الدولة، وهو ما يعكس الكيفية التي يرى بها الكرملين محمد بن سلمان.


ترجيح كفة الميزان


وعلى الرغم من هذا التقدم -وبينما يظهر يقين موسكو بوصول محمد بن سلمان لولاية العهد في نهاية المطاف- إلا أن صعوده السريع للسلطة يحمل بعض المخاطر لموسكو.

يميل بن سلمان -بحكم سنه وافتقاره للخبرة- إلى الانضمام لفئة الساسة الذين يميلون لاتخاذ قرارات قاسية ومغامرة، مثلما حدث في أزمة قطر والعملية العسكرية السعودية في اليمن، حسب مقال "ميدل إيست إي".
إلا أن سياسته الخارجية المغامِرة تقف على طرفي النقيض من السياسة الروسية شديدة النفعية في الشرق الأوسط، ولا تحظى أي من مبادرات ولي العهد بدعم موسكو.

وبينما يمكن للقيادة الروسية غض الطرف عن الكارثة الإنسانية الجارية في اليمن، الناجمة عن عملية الرياض العسكرية، فإن أزمة قطر لا تتفق مع مصالح روسيا.


لماذا يقابلون القطريين ولايفعلونها مع السعوديين؟


يقول الكاتب الروسي "يهتم الكرملين ببقاء الوضع الراهن بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تغيب القيادة الواضحة، وتُوازِن الدول بعضها البعض. إذ ترى روسيا ميزة في الإبقاء على هذا التوازن ومنع بزوغ قطب تأثيري واحد يقوده ولي العهد السعودي الطائش عديم الخبرة".

بالنسبة لروسيا، فإن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة هي محاولة لتغيير الوضع الراهن وخلق آخر تهيمن فيه الرياض إقليمياً. ولهذا تتعاطف القيادة الروسية مع الدوحة، وتبدي استعدادها للمشاركة في الموقف القطري الدعائي عبر الانخراط في موجة من المقابلات الدبلوماسية مع المسؤولين القطريين، بينما تتجنب نظراءهم السعوديين تماماً.


عسكرة السعودية



تحمل عسكرة المملكة العربية السعودية المتزايدة -التي أصبحت ثالث أكبر الدول إنفاقاً على الدفاع- مخاطر متزايدة للمنطقة، كما تثير المخاوف بشأن مواجهة عسكرية محتملة بين السعودية وإيران، وهو ما لا ترغب موسكو في رؤيته.

وفي هذا الصدد، تُمثل خطوات القيادة السعودية باتجاه تخفيف الوضع في الخليج وتصعيد الصراع مع قطر انتهاكاً خطيراً لتوازن القوى المفيد لموسكو، ما يمثل خطراً حقيقياً لمصالحها في المنطقة.

وعلى الرغم من الضيق الروسي بالمسار السياسي الذي تنتهجه الرياض، إلا أنها ستُبقي على حيادها في هذا النزاع، على الأقل علناً، خوفاً من رد فعل عنيف، وستلجأ إلى نهج الانتظار تجاه الشقاق الخليجي لرؤية ما سيحدث، بينما يسيطر عليها شعور بأن الناتج النهائي ما زال غامضاً.