هل يستطيع تيلرسون إصلاح الأزمة في الخليج؟.. خمسة أسئلةٍ تخبرك بمصير مهمته الصعبة

تم النشر: تم التحديث:
REX TILLERSON
Sergei Karpukhin / Reuters

على مدار الأشهر الستة الماضية، كان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون يراوح مكانه.

ولكن أخيراً في يوم الثلاثاء، 11 يوليو/تموز 2017، بدأ الدبلوماسي الأميركي باكورة رحلاته في بحار دبلوماسية الشرق الأوسط المكوكية العاصِفة حسب تقرير لشبكة CNN الأميركية.

وخلال مؤتمر صحفي عقده الثلاثاء في الدوحة مع نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أشاد تيلرسون بقيادة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني "لأنه أول من تجاوب مع متطلبات قمة الرياض لوقف تمويل الإرهاب".

وأعلن الوزيران خلال المؤتمر الصحفي عن التوقيع على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، وأوضح الوزير القطري أن توقيع المذكرة يأتي في إطار التعاون الثنائي المستمر ونتيجة للعمل المشترك لتطوير آليات مكافحة تمويل الإرهاب بين البلدين وتبادل الخبرات وتطوير هذه الآلية.

وترى CNN أن أمام تيلرسون مهمة صعبة، إذ لا يمتلك سوى فرص ضئيلة للتوصُّل لحلٍ نهائي، غير أنَّ لديه إمكانية للتوسُّط في حلٍ مؤقت لهذا الصراع المرير الذي تؤجِّجه كلٌ من السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر ضد قطر. وكل تلك الدول شركاء أمنيون للولايات المتحدة، ولهم دور محوري لتحقيق أهداف إدارة ترامب في الشرق الأوسط.

وإذا كان لدى تيلرسون أي أملٍ في التوصُّل لتلك النتيجة، فإنَّه يحتاج لأن تكون لديه الإجابات الصحيحة على الأسئلة الخمسة التالية.


١- هل يدعمني الرئيس؟


ما كان ينبغي للوزير أن يسافر لو كانت الإجابة هي لا، وحالياً تبدو الإجابة على ذلك السؤال غامضة.

فمنذ بداية الأزمة، كان واضحاً أنَّ تيلرسون يرغب في التوسُّط بنزاهةٍ دون تحيُّز. أمَّا الرئيس ترامب على الناحية الأخرى، وتحت تأثير إعجابه الشديد بالملك السعودي وولي عهده الجديد، الأمير محمد بن سلمان، فقد مال بصراحةٍ إلى الجانب السعودي.

ولن يكون النجاح في متناول تيلرسون إذا لم يكن البيت الأبيض و"فوغي بوتوم" لديهم نفس الرأي. (فوغي بوتوم هو حيٌ في واشنطن العاصمة تقع فيه مقرات العديد من الوكالات الفيدرالية الأميركية ذات الثقل الحاسم في عملية صنع القرار؛ أهمها البيت الأبيض ووزارة الخارجية). وعلى الأقل، يجب أن يتصل الرئيس بالسعوديين، والقطريين، والإماراتيين للتأكُّد من معرفتهم بتفويضه تيلرسون للتوصُّل إلى اتفاقٍ، وأيضاً إعلامهم بأنَّه ينتظر منهم أن يكونوا مرنين. وأي رسالةٍ رئاسية أخرى بخلاف ذلك في أثناء مهمة تيلرسون ستكون كارثية. إذ لن يتجاوب السعوديون في حال اعتقدوا أنَّ ترامب يدعمهم بدلاً من وزير خارجيته.


٢- هل التوقيت مناسب؟


هذا أمرٌ غير واضح. إذ سيكون الحل الأمثل هو ذلك الذي تتوصَّل إليه أطراف الأزمة أو وسيطٌ إقليمي. لكن حتى الآن لم يكن الكويتيون قادرين على التوسُّط بنجاح.

في أي مفاوضات، يكون عامل التوقيت حاسِماً لنجاح أي وسيط. وهناك شك في أنَّ أيَّ الطرفين يشعر بمعاناةٍ كافية تجبره على تقديم تنازلاتٍ حقيقية.

وإذا لم يكن هناك شعورٌ بالاضطرار المشترك، فإنَّ وزير الخارجية الأميركي لن يعود للديار قريباً، أو سيعود خالي الوفاض بعد أسبوعٍ من الخداع والاستغلال من جانب كلا الطرفين.

لكن من المؤكَّد أنَّ تيلرسون قد تلقَّى إشاراتٍ على أنَّ كلا الطرفين على استعدادٍ للوصول إلى تسويةٍ لكنَّهما يرغبان في تقديم تنازلاتٍ فقط للولايات المتحدة وليس لبعضهما البعض.


٣- هل لدى تيلرسون أي نفوذ؟


ربما ليس الكثير. فقد أوضح رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بوب كوركر أنَّه ليس مستعداً للمُضي قُدُماً في مبيعات السلاح لشركائنا في الخليج إلا حين تسوية خِلافهم.

لكنَّ هناك شكاً في أنَّ إدارة ترامب مستعدة لتعريض علاقاتها مع كلا الطرفين للخطر عن طريق الضغط على كلٍ منهما. فقاعدة العديد الجوية في قطر، بالنسبة للعمليات العسكرية الأميركية في المنطقة، هي ببساطة أهم من أن يُخاطَر بها.

وبالنسبة للسعوديين، يعني إعجاب ترامب الشديد بهم أنَّه على الأرجح لن يكون حازماً معهم. ويترك هذا لتيلرسون القليل من الأوراق التي يمكنه المناورة بها، فضلاً عن احتمالية خوض عملية مفاوضاتٍ طويلة.

ويخاطر ولي العهد السعودي الجديد المتهوِّر بالكثير في محاولته لتحجيم قطر، ولن يستجيب بسهولةٍ لحلٍ توفيقي. ويعني هذا أنَّه مالم يكن تيلرسون مستعداً لانتقاد أي الطرفين أو كليهما علناً (وهو مصدر نفوذه الوحيد)، فسيكون من الصعب أن نرى استخدام الإكراه بدل الإقناع وسيلةً للتوصُّل إلى اتفاق.


٤- هل واشنطن مستعدة للإشراف على اتفاق؟


لكي يستمر أي اتفاق، فسيتعيَّن مراقبته وإنفاذه. وتمتلك دول الخليج تاريخاً طويلاً من التوصُّل لاتفاقاتٍ ثُمَّ التردُّد في تنفيذها.

في الواقع، هذا هو إلى حدٍ كبير ما جرى في 2014، حين قلَّصَت كل الدول الخليجية الأخرى علاقاتها الدبلوماسية مع القطريين أساساً على خلفية القضايا نفسها المطروحة الآن.

وقد استغرق الأمر من تلك الدول 9 أشهر حتى تعيد سفرائها إليهم الدوحة بعدما اتفق الجانبان بشأن خلافاتهم ودوَّنا ذلك الاتفاق، لكن تلك التعهُّدات لم تُنفَّذ بصورةٍ فعَّالة. ومن المُرجَّح للغاية أن تقوم الولايات المتحدة ببعض المراقبة، خصوصاً فيما يتعلَّق بتمويل الإرهاب.


٥- هل يستطيع تيلرسون التوصُّل لاتفاق؟


ربما يستطيع التوصُّل إلى اتفاقٍ جزئي أو مؤقت. فالمواجهة بين السعودية والإمارات من جهة وقطر من الجهة الأخرى طويلة الأمد، وتعكس حقيقتين.

الأولى هي رغبة السعودية في أن تكون سيد الخليج العربي ومجلس التعاون الخليجي وتحجيم قطر، عن طريق تجريدها من حرية عملها وأيضاً قدرتها على اختيار حلفائها، مثل إيران والإخوان المسلمين. إذ ينظر السعوديون، والإماراتيون، والمصريون لتلك الجماعات الإسلامية الأخرى باعتبارها تهديداتٍ رئيسية.

والثانية هي تصميم قطر الشديد على حماية هُويتها، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستقلاليتها وأسلوبها الحر.

ربما يستطيع تيلرسون معالجة بعض الشكاوى ضد قطر -مثلاً عبر مراقبة الولايات المتحدة لتمويل الإرهاب– وتضمينها في صفقةٍ لنزع فتيل هذه الجولة من التوتُّرات.

لكن حتى إذا كان بإمكان تيلرسون التوصُّل إلى اتفاقٍ ينزع فتيل الأزمة الحالية، فإنَّ ذلك لن يحل المشكلة. إذ تبدو السعودية، خصوصاً تحت قيادة ولي العهد الجديد، عازمةً على تحويل قطر إلى دولةٍ شبه تابعة، وإذا نجح في ذلك، فإنَّه سيُحدِث تغييراً في النظام.

لكن حتى لو وافقت قطر على تخفيض نبرة برامج الجزيرة وأوقفت تمويل واستضافة الإسلاميين، فإنَّ الدوحة لن تتخلَّى عن استقلالية سياستها الخارجية أو تقطع علاقاتها مع إيران، التي تتشارك معها حقلاً ضخماً للغاز الطبيعي.

وقد ينتهي الأمر بتيلرسون إلى موقفٍ صعب حقاً. فإذا أخفق في أول مهمةٍ دبلوماسية شخصية للغاية، فإنَّ وسائل الإعلام ستنتقده، تماماً كما سيفعل رئيسه إذا ما ضغط على السعوديين كثيراً. وإذا نجح، قد ينتهي الأمر بحلٍ مؤقت للولايات المتحدة يمكن بسهولة التراجع عنه.

يبدو أنَّ تيلرسون قد بدأ هذه المهمة على مسؤوليته. ويمكننا الشعور بالإعجاب من استعداده للمخاطرة. لكن قد يكون الوزير على وشك أن يكتشف، كما قال المؤرِّخ اللبناني كمال الصليبي، أنَّ تدخُّل القوى الكبرى في شؤون القبائل الصغيرة يكون على مسؤوليتها الخاصة.