كِتابُه ألْهَمَ كولومبوس لاكتشاف العالم.. وآخرون شكَّكوا برواياته.. هذه قصة الرحَّالة ماركو بولو

تم النشر: تم التحديث:
MARCO POLO MERCHANT
Photo Josse/Leemage via Getty Images


السفر والاستكشاف من أمتع الأنشطة التي يمكن أن يمارسها المرء، وتعود عليه بالفائدة والمتعة معاً. وقد يسَّرت لنا وسائل المواصلات الحديثة والتطور الهائل في مجال التكنولوجيا والاتصالات الأمر كثيراً، لكن الأمر في الماضي لم يكن بالهين على الإطلاق؛ حيث لا طائرات ولا قطارات، لا خرائط جوجل، ولا نظام تحديد المواقع GPS.

يزخر التاريخ بأسماء لامعة من المستكشفين والرّحالة، الذين كرَّسوا حياتهم للترحال بين البلدان وتدوين ملاحظاتهم واكتشافاتهم، التي خلَّدها التاريخ وظلت مرجعاً لغيرهم من الأجيال اللاحقة. يُعد الرحالة الغربي ماركو بولو من أبرز الأسماء التي لمعت في هذا الشأن؛ إذ قضى 24 عاماً في استكشاف آسيا مُتخطياً حدود إمبراطورية منغوليا، ومتفوقاً على غيره من أقرانه بوصوله إلى أبعد مما وصل إليه أي منهم.


البداية في مدينة البندقية


وُلد بولو عام 1254 في مدينة البندقية الإيطالية لعائلة ثرية من التجار، توفيت والدته وهو في سنٍّ صغيرة، وكان والده وعمه تاجرين ماهرين اعتادا الخروج في رحلات تجارية طويلة؛ لبيع بضاعتهما من الحُليِّ والحرير والأحجار الكريمة والفراء والتوابل.

قبل ولادته بعام سافر والده نيكولو بولو وعمه مافيو بولو في رحلة تجارية طويلة، زارا فيها في البداية مدينة القسطنطينية (إسطنبول حالياً)، حيث قضيا فيها 6 سنوات، ثم توجه الأَخَوان إلى ميناء سولدايا (حالياً سوداك في أوكرانيا)، ومكثا في منزل لهما هناك.

قضى بولو نتيجة لذلك جزءاً كبيراً من طفولته دون والديه، وتناوب على رعايته أقارب آخرون من عائلته الممتدة. لم يعد والده وعمه من أسفارهما إلى البندقية حتى عام 1269، حيث قابل ماركو والده للمرة الأولى.


دعوة حفيد جنكيز خان والسفر إلى آسيا


قبل عودة الأخوين بولو إلى البندقية عام 1269، أقاما ثلاث سنوات في أوزبكستان الحالية، تلقيا خلالها دعوة من الإمبراطورية المنغولية لزيارة قوبلاي خان حفيد جنكيز خان، الذي كان يسيطر على مساحة ضخمة من آسيا.

لبَّى الأخوان الدعوة والتقيا به بالفعل، سألهما قوبلاي خلال الزيارة عن الشؤون الأوروبية، وأعرب عن اهتمامه بالمسيحية. بعدها قرر إرسالهما فى زيارة ودية إلى البابا، وطلب منهما زيارته مرة أخرى بصحبة مئة من الكهنة والقسيسين يحملون قدراً من المياه المقدسة من كنيسة القيامة في القدس.

لدى عودتهما إلى البندقية عام 1269، بدأ الأخوان على الفور في التخطيط لجمع الكهنة والعودة إلى زيارة قوبلاي خان. لكن السفر حينها كان يتطلب قدراً كبيراً من القوة والجلد، الذي يدفع بصاحبه لتحمل أشهر وربما سنوات من العناء الشاق، بعيداً عن الأهل والوطن، قاطعاً مساحات من الأراضي الشاسعة، والصحاري القاحلة للوصول إلى المكان المنشود.

لذلك لم ينجح الأخوان سوى في جمع اثنين من الكهنة لمرافقتهما في الرحلة، غير أنهما لم يتحملا صعاب الطريق وسرعان ما عادا أدراجهما. مع هذا أكمل الأخوان رحلتهما الثانية إلى آسيا عام 1271، يُصاحبهما هذه المرة ماركو الشاب.


الرحلة الشاقة عبر طريق الحرير إلى الصين


حاملة معها رسائل وهدايا ثمينة من البابا غريغوري العاشر إلى قوبلاي خان، انطلقت عائلة بولو في رحلتها الثانية إلى شرقي آسيا. كان ماركو يبلغ من العمر حينها 17 عاماً، وخاض مع والده وعمه رحلتهما الطويلة مروراً بأرمينيا وبلاد فارس وأفغانستان، على طول طريق الحرير إلى الصين.

ووصف ماركو بعد ذلك الطرق التي مرَّ بها والبلاد التي حلوا بها، وقدمت رواياته عن الشرق تحديداً أول صورة واضحة للعالم الغربي عن جغرافية بلاد الشرق وعاداتهم العرقية. كانت ملاحظاته حول الأماكن والثقافات التي شهدها رائعة ودقيقة بشكل استثنائي.

تحدَّث عن صحراء غوبي وشدة اتساعها وصعوبة عبورها، واصفاً الجبال والرمال والوديان، وعدم وجود أي شيء على الإطلاق لتناوله كطعام، لكنه ذكر أن الطريق كان آمناً ومُستتباً في عهد المغول. أشار ماركو أيضاً إلى مركز صناعة الأسبست (معدن مقاوم للنيران) في إيغورستان، وأخذ منه عينة لتقديمها إلى البابا عند العودة إلى الوطن.


الإقامة في الصين


لقي آل بولو قبولاً واسعاً من قوبلاي خان أكسبهم مكانة لا مثيل لها في إمبراطوريته؛ فمنح نيكولو ومافيو مناصب كبيرة في المحكمة، وأُعجب بقدرات ماركو الشاب في التجارة، التي أدى انغماسه فيها وفي الثقافة الصينية لإتقانه أربع لغات.

عيَّن خان ماركو مبعوثاً خاصاً له؛ فبعثه في مهمات استكشافية في مناطق نائية من آسيا مثل بورما والهند والتبت ومناطق أخرى لم يسبق لأوروبي أن وصل إليها من قبل. ترقَّى ماركو في المناصب بمرور السنوات؛ فشغل منصب حاكم مدينة صينية، وعُيِّن مسؤولاً في المجلس الخاص بالمملكة.

جمع ماركو خلال أسفاره معرفة كبيرة عن الإمبراطورية المنغولية، وعبر عن اندهاشه من استخدام الإمبراطورية للعملات الورقية، وهي فكرة لم تكن قد وصلت إلى أوروبا، إضافة إلى ضخامة اقتصادها وحجم الإنتاج.


العودة إلى الوطن والوقوع في الأسر


بعد قضاء 17 عاماً في خدمة البلاط الإمبراطوري، قرر آل بولو العودة إلى البندقية. وبعد بضع سنوات من عودته إلى البندقية، تولَّى ماركو قيادة سفينة حربية في مواجهة ضد مدينة جنوة، التي كانت غريمة للبندقية آنذاك.

قُبض عليه في نهاية المطاف وحُكِم عليه بالحبس في سجن جنوة؛ حيث التقى هناك بسجين آخر يُدعى روستيشيلو كان يعمل كاتباً. وأصبح الرجلان صديقين، وأخبره ماركو عن الوقت الذي قضاه في آسيا، وسفرياته وما شاهده وأنجزه هناك.

طلب منه روستيشيلو بعدها أن يُملي عليه رواياته تلك، فجُمِعت قصصه عن ثروة الصين، وقدرة الإمبراطورية المغولية، والعادات الغريبة لدى شعوب الهند وإفريقيا، في كتاب نُشر تحت اسم "وصف العالم"، وعُرِف لاحقاً باسم "رحلات ماركو بولو".

أصبح الكتاب في فترة وجيزة الأكثر مبيعاً، وواحداً من أكثر الكتب شعبية في أوروبا خلال القرون الوسطى. فضلاً عن أنه جعل ماركو الذي أُطلق سراحه عام 1299 بعد سنة من الحبس واحداً من مشاهير أوروبا. طُبع الكتاب بلغات عديدة منها الفرنسية والإيطالية واللاتينية، وصار الأكثر قراءة في أوروبا بأكملها.


إسهامات.. وانتقادات تطال الكتاب


على الرغم من انتشار الكتاب وشهرته الواسعة، إلا أن قلة فقط من صدقوا رواياته التي حكى فيها عن نفط غريب وطيور وحشية، ورفض معظم الأوروبيين تصديق ما ورد به واعتبروها مجرد قصص خرافية لا أكثر.

كذلك تعجب الباحثون والجغرافيون من عدم ذكره أي شيء عن سور الصين العظيم، وبعض التقاليد الصينية التي تُمثل جزءاً من الحياة اليومية، مثل تصغير أقدام النساء كمظهر من مظاهر الجمال، على الرغم من زعمه السفر على نطاق واسع في الصين.

مع ذلك، فتح كتاب بولو آفاقاً جديدة للعقل الأوروبي، وألهم المغامرين والمستكشفين من بعده أمثال كريستوفر كولومبوس، الذي حمل معه نسخة من كتاب بولو أثناء رحلته عبر المحيط الأطلنطي عام 1492.

علاوة على هذا، شجع وصف ماركو المُفصل للتوابل وأماكن نموها، التجار الغربيين على البحث عن هذه المناطق وكسر احتكار التجارة العربية القديم لها. واستُخدمت كذلك الثروة الهائلة من المعلومات الجغرافية الجديدة التي سجلها في كتابه خلال عصر الغزوات الأوروبية والاستكشافات الكبرى في أواخر القرن الخامس والسادس عشر.